ليلة هالوين لطفلة الحديدة

اخترنا لك

ينفق الأوروبيون كثيرا من المال على احتفالات عيد الهالوين كي يجلبوا المتعة و الإثارة لأطفالهم، في حين يحصل أطفال اليمن على تلك الرفاهية طوال العام بإثارة مضاعفة عشرات المرات مجانا.

أكرم عبدالفتاح-الحديدة:

لا يحظى أطفال العالم المتحضر بفرصة مشاهدة الغربان و هي تلتقط أشلاء اللحم الصغيرة التي تناثرت من جثث ذويهم. و لا أظن أن مؤلف “أليس في بلاد العجائب” سيصل به الخيال لتصور الفتاة اللطيفة (أليس) تبيت ليلة كاملة في العراء بساقين ممتلئتين بالشظايا إلى جوار جثث أشقائها و والدها، ليلة مظلمة لا قمر فيها تحت سماء تنخرها الطائرات و القذائف طوال الوقت، وحدها الانفجارات تضيء المشهد أحيانا في لمحات خاطفة لتظهر ظِلال كلاب مبتهجة تتشمم الدماء أو تمضغ ما تيسر من اللحم المهترئ هنا أو هناك…

أشياء كهذي لا تحدث في بلاد العجائب، بل في اليمن، و (روان عبدالباري حميضة) ليست (أليس) لكنها أيضا طفلة لطيفة رغم كل ما عاشته و رغم تعذر الجزم عما إن كانت سعيدة بنجاتها من مذبحة أودت بحياة أبيها و ثلاثة من أشقائها.

 

كانوا خمسة من أسرة واحدة؛ الأب ( عبدالباري يحيى حميضة –  35 سنة) مع أطفاله الأربعة (روان 15 سنة) و (حنان 12 سنة) و (عادل  10 سنوات) و (احمد – سنتان).

خمسة على متن دراجة نارية يقودها الأب متجاهلين قواعد السلامة المرورية!! هذا تصرف مشين بلا شك، لكن ليس من العدل لومهم عليه، ففي مدن الفقراء التي صارت ساحة لتدريب الطيارين و الاختبارات العبثية لإثبات ذكاء القنابل الغبية يكون الحديث عن إجراءات السلامة المرورية ضربا من الترف المثير للسخرية بين فقراء فقدوا أغلب مصادر رزقهم منذ أربع سنوات.

حسناً، أظن أنه يمكننا التغاضي عن خطأ عائلة السيد (عبدالباري) لسبب مهم هو أنه حدث هنا…

هنا الحديدة، سيداتي سادتي، و هكذا تجري الأمور لدينا.

 

الأحد 17 يونيو 2018م، هدير الطائرات لا ينقطع على مدار اليوم، مع قصف جوي و بحري متواصل منذ أسبوعين يتركز على الأطراف الجنوبية للمدينة و ما بعدها. هو أيضا اليوم الثالث من عطلة عيد الفطر، حدائق المدينة و شوارعها الداخلية مزدحمة بالأطفال و المتنزهين، فأغلب الناس هنا يحاولون عيش أجواء العيد -بحسب قدراتهم المالية- متجاهلين أصوات الانفجارات و الأنباء عن حشود عسكرية قادمة من الجنوب لاقتحام مدينتهم التي صار اسمها يتردد كثيرا في نشرات أخبار الحرب تحت عنوان “معركة الحديدة”.

يخرج السيد عبدالباري بأطفاله قاصدا زيارة بيت والده لقضاء يوم عائلي هناك، لهذا حملوا معهم ملابس إضافية داخل أكياس بلاستيكية. لكن -و لأسباب مجهولة- يقرر الأب البدء بأخذهم في جولة نحو مدخل المدينة ثم العودة عبر شارع الخمسين الغربي البعيد عن العمران و الذي يشكل الحدود الجنوبية للمدينة إذ يمتد من مدخلها الشرقي -طريق كيلو 16-  إلى ساحل البحر غربا من خلف سور مطار الحديدة.

 

قرب العاشرة صباحا وصلت العائلة بدراجتها إلى تقاطع شارع الخمسين الغربي، كان مدخل الشارع مقفلا بكتل اسمنتية ضخمة تتخللها فراغات ضيقة نسبياً لكنها سمحت بمرور الدراجة من بينها. من هنا عبروا بوابة الجحيم…

 

 ما تختزنه ذاكرة روان

تقول روان أن ركبتها لامست أحد الحواجز الاسمنتية عند مرور دراجتهم بينها، واصلوا السير بعدها لعدة دقائق، ثم لا تدري ما الذي حدث.

حسناً، ما حدث هو الفاجعة أو بالضبط بداية أول فصولها، و لتغطية فجوة السرد بما أسقطته ذاكرة الناجية الوحيدة -الشاهد الوحيد- يتوجب علينا استنتاج أن انفجاراً ما أطاح بالعائلة و دراجتها.

لا تتذكر روان شيئا عن لحظة الانفجار، ففي ذاكرتها فجوة زمنية يصعب قياس مدتها و إن أمكن تخمين مداها ما بين بضعة دقائق إلى أربعين دقيقة.

تروي ما تتذكره قائلة أنها أنتبهت لتجد نفسها مرمية على الأسفلت مصابة بجروح بليغة في ساقيها، و على مقربة منها أختها الصغيرة (حنان 12 عاما) كان جسدها يرتجف و تظهر على ملابسها بقع دم توحي بأنها تعرضت لإصابات عديدة و يصدر عنها أنين خافت.

في الأرجاء تبعثرت الثياب التي كانوا يحملونها معهم، و هناك أيضا جسدان ممزقان تبينت فيهما جثة والدها و جثة أخيها (عادل).. الغريب هو أن  شقيقها الأصغر ذو العامين (أحمد) لم يظهر لعينيها في مكونات المشهد المحيط بها، تلفتت كثيرا حولها فلم تستطع تمييز أي شيء منه.

عن نفسي، لا أظن أن جثة هذا الكائن الصغير قد سقطت من ذاكرة روان، بل من ذاكرة الوجود بأكمله.

كان هو الأول في ترتيب اصطفافهم على ظهر الدراجة النارية جالسا فوق خزان وقودها و من خلفه شقيقه عادل ممسكا به، يتبعه الأب الذي يقود الدراجة و خلفه حنان ثم روان في النهاية. يبدو أن مدى التضرر و شدة التعرض للانفجار جاءت بنفس الترتيب ما يعني أن الصغير قد تلقى النصيب الأكبر من تأثير الانفجار.

أووه نعم.. هنالك شيء آخر رأته لاحقاً؛ قالت روان أنها انتبهت، بعد الظهيرة، لوجود مجموعة غربان تلتقط أشياء صغيرة متناثرة من حول والدها و شقيقها؟.

حين قالت هذا لم أحاول تفسير الأمر، و لا أدري إن كان القارئ سيهتم بتخمين ماهية تلك الأشياء الصغيرة.

الشارع مهجور تماما، لا بيوت أو مباني قريبة لطلب المساعدة، تسأل روان أختها عن الهاتف المحمول الخاص بوالدها، تخرجه من حقيبة اليد و تجري اتصالا مع خالها (حمادة- 28 سنة) لتبلغه بما حدث لهم فيرد بأنه سيأتي بالإسعاف فورا.

 

أنين حنان هو الصوت البشري الوحيد الذي يمكن سماعه بين فترة و أخرى في هذا الخلاء المكتظ بالأزيز المتواصل لطائرات (الدرونز Drones) ، أزيز مستفز قد يتضاءل أحيانا أو يطغى عليه هدير الطائرات النفاثة و دوي انفجارات لا تعرف مصدرها.

يرتفع صوت أنين حنان قليلا لتتضح فيه كلمات متوسلة؛ ماء.. أريد ماء.

صيف الحديدة شديد الحرارة و شمس الظهيرة محرقة لدرجة أنها تجعل الأسفلت أشبه بمقلاة للطبخ، بيئة صحراوية قاحلة تحكمها الرمال لكن لحسن الحظ توجد على جانب الأسفلت شجيرات متشابكة صانعة تحتها ظلا يكفي لجسد روان، تكتشف روان عجزها عن الوقوف بسبب إصابة ساقيها، فتزحف بجسدها النحيل نحو بقعة الظلال الصغيرة، من هناك تجري اتصالا هاتفيا آخر مع خالها (حمادة) طالبة منه الإسراع بإحضار الأسعاف و تنبهه لأن يجلب معه ماء للشرب.

 

و الصليب الأحمر معاق أيضا

خال روان نقل الاستغاثة لكل من يعرفهم، كانت الساعة قرب الحادية عشرة ظهرا حين وصلته مكالمة روان، و على الفور انطلق الخال لإبلاغ مسئولي الإسعاف بمكان الواقعة لكنهم تريثوا بسبب خطورة المكان و اشتداد القصف ذلك الوقت، كانوا يحتاجون تدخل مسئولي منظمة الصليب الأحمر لتأمين سيارات الإسعاف كي لا تتعرض للقصف في تلك المنطقة التي تزداد خطورتها كل ساعة.

مسئولو الصليب الأحمر و بعض المنظمات الدولية ذات العلاقة بدورهم يحتاجون للتواصل مع “غرفة عمليات التحالف في السعودية” لطلب وقف عمليات الطيران في المنطقة مؤقتاً بما يمكن من مرور سيارات الإسعاف بأمان. و بالطبع فإن الحصول على ترخيص مرور آمن كهذا يتطلب وقتاً.

في الحقيقة، لا يمكن لوم المسئولين عن الإسعاف إذا عرفنا أن إصرارهم على وقف الطيران قبل إرسال طواقمهم هو حصيلة خبرة  اكتسبوها من تجارب سابقة على مدار ثلاثة أعوام فقدوا فيها بعض زملائهم، لدرجة أنه صار من المعتاد سماعهم يتداولون هذي الحكمة الذهبية: (احترس، فالصاروخ الأول هو غالباً مجرد طعم لاجتذاب المسعفين كي تصطادهم الصواريخ التالية).

لم يستطع الخال (حمادة) الانتظار أكثر دون عمل شيء فقرر الذهاب بنفسه لنجدة أقاربه، و عند تقاطع شارع الخمسين الغربي وجد مقاتلين يموهون أنفسهم بين الرمال لتجنب القصف الجوي، و هؤلاء منعوه من عبور الحاجز الخرساني لوجود اشتباكات قريبة من جنوب غرب المطار، كانت تحذيراتهم صارمة بالمنع كون الطيران يقصف أي شيء يتحرك في ذلك الشارع.

 

  روان عصراً، تهيئة المسرح لتراجيديا الظلام

خلال ساعتين تلقى هاتف روان اتصالات عديدة من أناس يتبعون جهات طبية و إنسانية يستفسرونها عن وضعها و حال أسرتها، طالبين منها تحديد موقعها بالضبط، و يطمئنونها بقرب إرسال طواقم الإسعاف.

قبل الرابعة عصرا فرغت بطارية هاتفها المحمول، و منذ تلك اللحظة فقدت إمكانية التواصل مع الآخرين أو إطلاق مزيد من الاستغاثات.

صوت أنين حنان يضعف و يتلاشى بمرور الوقت حتى اختفى تماما و همدت حركتها نهائيا قبل غروب الشمس بساعتين تقريبا. لعل روحها قررت الذهاب للسباحة في مكان ما خارج عالمنا، فهكذا يفكر الأطفال عادة حين يقتلهم النزيف و الظمأ أو تمتلئ صدورهم بأدخنة البارود.

و إذن، رحلت حنان أيضاً و صار على روان مواجهة رعب الليل القادم وحدها.

حل الظلام و ما زال مسئولو الصليب الأحمر يبذلون جهودهم لوقف العمليات الجوية، و قد شاركهم جهودهم تلك بعض فروع المنظمات الدولية العاملة في المدينة ضمن المجال الإنساني.

قال لي مسئول ميداني محلي يعمل في واحدة من تلك المنظمات (طلب عدم كشف هويته) أنه نقل الاستغاثة لكل الجهات المعنية، و استمر طوال الليل بمتابعة مسئولي الصليب الأحمر و اليونيسيف في اليمن حتى فجر اليوم التالي. كانت النتيجة لا شيء. فقد فشلت كل محاولات الصليب الأحمر لإقناع “غرفة عمليات التحالف” بتعليق الغارات الجوية في المنطقة و لو لنصف ساعة، أو حتى ضمان مرور آمن لسيارات الإسعاف كي تنجز مهمة إخلاء العائلة المنكوبة!

في تلك الليلة كانت وسائل الإعلام العالمية منشغلة بمواكبة طبول الحرب عبر ترويج إشاعات مبكرة عن اقتحام المطار و الأحياء الجنوبية للمدينة، لهذا لم يسمع العالم استغاثة روان.

ربما كان على السيد خاشقجي زيارة قنصلية بلاده في اسطنبول في وقت مبكر سنة أو سنتين كي يتجرأ الصليب الأحمر على إصدار بيان يعبر فيه عن أسفه لهذا الإخفاق في التواصل و التنسيق!!!

 

لا بأس، فلنعد إلى روان و ليلتها، لا سبيل لإبلاغها بعدم  جدوى انتظار الإسعاف. فليكن، هي ستدرك هذا بنفسها…

 

 ليلة روان…

تغرب الشمس، و تنغلق عينا روان من فرط الإنهاك و الألم، لم يكن نوماً بل أشبه بحالة إغماء متقطع تسقط فيه و تعود إليه باستمرار لدرجة أنها تجهل كم مرة أفاقت فيها خلال تلك الليلة!

في البداية أفاقت على صوت عواء كلب، ليس كلبا واحدا بل أكثر، لا تدري من أين جاءت هذي الكلاب و لا كم عددها، لم تكن كثيرة لكنها بالعدد الكافي لتملأ كل حواس الطفلة بالرعب.

الجميل أن الكلاب لم تقترب من جسد روان، لكن من يدري لربما اقتربت فعلا أثناء نوبات الغيبوبة المتكررة أو أنها انشغلت عن معابثة روان بالوليمة المتيسرة من أشلاء بقية العائلة.

 

ما الذي يمكن لروان فعله في وضع كهذا؟

تبكي؟ تنادي أختها عسى أن تصحو لتؤنسها بأنينها؟  تصرخ و  تستغيث على أمل أن يسمعها أحد؟

فعلت كل ذلك و كررته باستمرار كلما أفاقت من غيبوبتها بتأثير دوي بعض الانفجارات القريبة أو نباح الكلاب…

وحده النوم الرحيم يمكنه مساعدتها لولا الكوابيس الواقعية التي تقتحمه، شكرا للحظات الغيبوبة التي تعفيها من الألم و الرعب و القهر، شكرا للكلاب التي لم تقترب من جراح روان، شكرا لظل الشجيرات التي استضافتها وقت الظهيرة، شكرا للنوم الرحيم الذي أنقذها موفراً عليها بضع ساعات أخرى من البكاء و الصراخ الغير مجدي.

 

ليلة معتمة هي ثالث أيام ولادة القمر، ظهر في الأفق على هيئة هلال نحيل عديم النفع ثم اختفى سريعاً.

مصدر الضوء الوحيد هو ما يأتي من لمعات بعض الانفجارات القريبة نسبياً ليومض في لمحات خاطفة تمكن عيني روان من رؤية ظلال الكلاب المتحركة بين الكتل الداكنة في المشهد.

كان بودي وصف مشاعر روان حين رأت بعض الكلاب تتحلق برؤوسها في مكان الجزء المبتور من فخذ والدها، وددت و لم أحاول ذلك لعجزي عن استيعاب الصورة و الفكرة و المعنى و كل ذلك الألم المعجون بالذهول، هذا بغضِّ النظر عن حقيقة تعذر الإحاطة بقدر الرعب الواقعي المتجاوز قدرات الخيال. ثم أن كل الكلمات ليست سوى لغو متهافت إزاء وجع ملموس و كثيف و حيٍّ  يتجسد في هيئة طفلة اسمها روان. فأي لغة و أي مفردات يمكنها التعبير عن انفعال كهذا!

لنتجاوز هذي النقطة و لنغفل بقية تفاصيل ليلة الهالوين الجهنمية و لنبحث مع روان عن سبيل الخلاص.

أقدام روان إثر الإصابة

في الحديدة؛ أسعف نفسك

ساعات الليل الطويلة أقنعتها أن لا أمل بوصول الإسعاف، عليها إنقاذ نفسها دون الاستعانة حتى بقدميها، عليها النجاة زحفاً…

(أسعف نفسك) مصطلح يصلح للتعبير عن حقيقة ما يحدث لليمني البسيط، هو تلخيص لحالة وطن بأكمله: لا تنتظر أحدا، أسعف نفسك.

مع أول ضوء للفجر حددت روان اتجاه العودة و بدأت الزحف للخروج وحدها من الشارع الذي دخلته بالأمس مع عائلتها.

لساعات ظلت تزحف… تطلع الشمس و ترتفع زاحفة هي أيضا على القبة السماوية، و روان تزحف، تزحف حتى تخور قواها، ترتاح قليلا ثم تواصل الزحف.

ارتفعت حرارة الجو أكثر، لم تتعرق روان فقد استنفذت ما بقي من مخزون الماء في جسدها دموعاً مطلع الليلة الفائتة، هي فقط تزززحفففف…

أتساءل: من أين جاء هذا الجسد الضئيل بكل هذي القوة!؟ و كيف لتلميذة في الصف التاسع أن تحتفظ بقدرتها على التركيز بعد كل هذا!!

لو أنني مكانها لكنت استخدمت طاقتي تلك في حفر قبر أختبئ فيه للأبد متخلصا من هاجس تفتت جثتي بين أنياب الكلاب بالتقسيط على مدار عدة أيام… هذا ما كنت سأفعله، أما روان فقد قررت النجاة و ستواصل الزحف.

قرب العاشرة صباحا، وصلت روان إلى نقطة رآها فيها أحد المقاتلين، كان مختبئا بتمويه نفسه بين الرمال، خرج من مكمنه و اتجه نحوها، قال لها أنه سمع صراخها في الليل لكنه لم يستطع الخروج إليها كي لا يكتشفه الطيران الذي لم يتوقف عن رصد المنطقة طوال الليل.

دقائق ثم جاء أحد زملائه بدراجة نارية حملوا روان عليها إلى خارج شارع الرعب، و من هناك وضعوها داخل صندوق سيارة عسكرية نقلتها إلى مستشفى الثورة بالحديدة.

و إذن، 24 ساعة هي الفترة التي انقضت من عمر روان داخل شارع الرعب، لكن المسافة التي قطعتها خلالها ما بين الطفولة و الشيخوخة هي أكبر بكثييييييير.

جثث العائلة؟

والد الطفلة يحتضن أخاها الصغير أحمد

 

كانت الساعة الحادية عشرة من صباح الإثنين 18 يونيو 2018م حين أوصلوا روان إلى المستشفى.

في نفس اليوم وصلت القوات المهاجمة إلى أقصى الجزء الغربي من شارع الخمسين مستهدفة سور المطار الذي شهد اشتباكات طاحنة في معارك كَرٍّ و فَرٍّ استمرت لأشهر طويلة جاعلة من الشارع أهم خطوط التماس بين المقاتلين حتى تاريخ كتابة هذي القصة.

ثمانية أشهر مرت و ما زالت جثث والد روان و أخوتها في موقع الحادثة، دون توفر أي معلومات عن مصير ما تبقى منها؛ فهل تولى أحد ما دفنها أم حولتها نيران المعارك إلى رماد أم أن الكلاب استكملت تصفية مسرح الجريمة بطريقتها !؟

 

 

 

 شهادة وفاة متعسرة لضحايا موت خاطف

 

لا يتسع الألم للحديث عما عانته والدة روان (سميرة يحيى حيدر – 36 سنة) . سأكتفي فقط بمحاولة استيعاب فداحة حياة تجبر امرأة على التخلي عن فكرة استعادة رفات أقرب الناس إليها و يصير أقصى طموحها هو الحصول على شهادة وفاة لزوجها كي تثبت وضعها الاجتماعي الجديد كأرملة فقدت عائلها، وثيقة إثبات وفاة تؤهلها للوقوف في طابور انتظار معونة شحيحة يقال أنها ستوزع لضحايا الحرب.

لأشهر طويلة فشلت والدة روان في استصدار شهادة وفاة لزوجها نتيجة عدم الوصول لجثته، ثم و أخيرا تمكنت من ذلك و صدرت شهادة وفاة في شهر نوفمبر الماضي، أي بعد خمسة أشهر من الواقعة.

نتيجة مفرحة.. فعلى الأقل ها قد اعترفوا به كواحد من ضحايا الحرب و صار بإمكان أم روان و ابنتها أن تعيشا حلم الحصول على تعويض ما عن فقدان عائلهم. تعويض ربما لن يأتي أبدا، فاليمني المسكين (عبدالباري) ليس (خاشقجي) كي يهتم العالم بتبني المطالبة بجثته فما بالك بتأنيب قاتله.

 

ختاماً، أود توضيح أن فكرة كتابة قصة روان كانت محصورة بما عانته خلال يوم الكارثة فقط أو بالضبط وقائع مدة 24 ساعة التي قضتها داخل شارع الخمسين. لهذا أنا مضطر لإغفال عذاب حياتها ما بعد النجاة، فقط سأختصر ذلك بفقرة بسيطة مرتبطة بثقافتنا أولا ثم بواقعنا اليمني:

ثقافتنا الدينية تؤكد أن الشهداء يذهبون فور موتهم إلى الفردوس. أما الناجون من المجازر فالواقع سيفرض عليهم أن يعيشوا بقية عمرهم حياة الجحيم. هذا هو واقعنا اليمني كما هو واقعهم النفسي و المعيشي أيضا. قد أفكر بالكتابة عن هذا الجانب في وقت لاحق، أما الآن فيجب أن أختم قصة روان باعتراف إجباري تفرضه أخلاق المهنة:

أعترف بوجود مغالطة صغيرة في القصة، مغالطة ناتجة عن فروق ثقافية كما أن لها علاقة على نحو ما بالظروف المعيشية التي خلقتها الحرب:

روان ليست طفلة، و ليست فتاة أيضا، بل سيدة، حتى و إن كانت تدرس في الصف التاسع الأساسي.

نعم، روان سيدة مطلقة عمرها خمسة عشر عاما.

لا تنفعلوا رجاء، أشارككم القناعة أن زواج الصغيرات هو تقليد همجي يرتبط بالفقراء غالباً، لهذا أجلت الحديث عن هذي النقطة للنهاية، و آمل أن هذي المعلومة لن تجرح رهافة مشاعر القارئ المترَف في البلدان المتحضرة أو تثير سخط المنظمات الدولية اللطيفة المعنية بحقوق الإنسان.
سحقاً…

أحدث العناوين

مقالات ذات صلة