كواليس ستوكهولم، والورقة الرابحة في يد جوتيريتش

اخترنا لك

في مقر انعقاد اجتماعات ستوكهولم ٦ ديسمبر ٢٠١٨ حضر وفد صنعاء و وفد الشرعية قادما من الرياض و بينهما يتحرك الوسطاء الذين هم فريق جريفيث الأممي و الخارجية السويدية، كان هناك أيضا فرق استشارية يمنية اختارهم جريفيث كمستشارين (مجموعة الخبراء و المجموعة النسوية).

أما في الخلفية فكان سفراء دول الرباعية المعنية بشن الحرب، و من ورائهم بعض سفراء الاتحاد الأوروبي و روسيا و الصين… ثم في اليوم الأخير حضر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيرتش ليقوم بدور حاسم سيتضح لاحقا. 

 

بحسب بيانات الجهات المنظمة و الراعية لاتفاق السويد، فقد جاءت الدعوة للاجتماعات في ستوكهولم بوصفها “مشاورات” لا مفاوضات، الغاية من انعقادها هي التقريب بين مواقف الخصوم عبر “إجراءات بناء الثقة بين الاطراف اليمنية” المتصارعة، و لهذا فقد تم إزاحة القضايا السياسية الكبرى عن جدول أعمال الاجتماعات لينحصر التركيز على بحث قضايا جزئية ذات أبعاد إنسانية ملحة و بشكل منفصل عن مسار الحل الشامل للصراع.

لهذا تم تجزئة المفاوضات إلى عدة مسارات متوازية كل مسار يتضمن موضوعا محددا في ملف منفصل، و بحسب تصريح المبعوث الاممي خلال المؤتمر الصحفي الافتتاحي المنعقد صبيحة يوم انطلاق المشاورات فقد كانت الملفات الأساسية المطروحة للنقاش على حد قوله هي: ملف الأسرى، فتح مطار صنعاء، الملف الاقتصادي. مضيفا “و سننظر في موضوع الحديدة” (مرفق صورة رقم ١)

أبرز ما ورد في المؤتمر الصحفي المشترك للمبعوص الأممي مارتن غريفث ووزيرة الخارجية السويدية في ستوكهولم-صورة رقم1

 

منذ الوهلة الاولى لتلاقي الطرفين تحت سقف واحد ظهر مدى النفور بين أعضاء الوفدين و انعدام علامات الود بينهما حتى على مستوى الحديث الشخصي و رفض الاجتماع في غرفة واحدة، بل أن أغلب أعضاء وفد الشرعية كانوا باستمرار ينقلون للفريق الإعلامي انطباعا عن استحالة الوصول لأي اتفاق و أن الاجتماعات ليست سوى إجراءات شكلية لن تنتج شيئا. هذا برغم ان الجهة المستضيفة بذلت جهدا ملموسا من أجل خلق أجواء صالحة للتواصل الشخصي بين أعضاء الوفدين، مثل أنها ألزمت الجميع بتناول وجبات الطعام داخل صالة مشتركة كمحاولة لخلق جو ودي أو تخفيف الجفاء و الاحتقان النفسي الطافح من الوجوه، إضافة إلى النجاح في جمع الطرفين داخل غرفة واحدة و هو ما اعتبره المنظمون إنجازا يستحق تسجيله ضمن أهم نتائج اليوم الأول للمشاورات. (مرفق صورة رقم ٢)

 

نتائج اليوم الأول من مشاورات السويد-صورة رقم 2

خلال أيام المشاورات كان واضحا أن قضية الحديدة تراوح مكانها حيث حققت بقية الملفات الأخرى قدراً من التقدم المتفاوت في مدى تقارب مواقف الطرفين حولها، كمثل الملف الاقتصادي و ملف فتح مطار صنعاء و ملف الأسرى و ملف تعز نسبيا، أما ملف الحديدة فلم يحدث أي تقدم في مساره، كان يبدو الأكثر تعقيدا لدرجة لا تسمح بأي محاولة لتقريب مواقف الأطراف بشأنه، التعقيد في الملف مرتبط بمدى وضوح و صرامة مواقف الأطراف، فوفد الشرعية، و الذين يحركونه، لا يقبلون بغير تسليم المدينة و مينائها لقواتهم في حين يرفض وفد صنعاء ذلك قطعياً مستنداً لصمود مقاتليه في الميدان و نجاحهم في صد الهجمات المتتالية.

حتى على مستوى ملف الأسرى، كانت البشارات المعلنة تخفي خلفها تعثرا عملياً، ففي حين أن وفد صنعاء أحضر معه كشوفات جاهزة بالأسرى الذين يطالب بهم، إلا أن وفد الشرعية لم يكن لديه كشوفات جاهزة بأسماء الأسرى اليمنيين التابعين لقواته، إذ لم يحضروا معهم سوى كشوفات بأسماء الأسرى السعوديين و السودانيين، و حين ضغط عليهم السيد جريفيث لإثبات جديتهم في التفاوض أضطر وفد الشرعية للاستعانة ببعض الإعلاميين التابعين لحكومته كي يقوموا بتجميع الأسماء و إعداد كشوفات الأسرى اليمنيين عبر وسائط التواصل الاجتماعي. 

 

بالعودة لملف الحديدة يمكن القول أن علامات الإخفاق صارت اكثر وضوحا منذ اليوم الثالث، حيث و في ٩ ديسمبر عقد المبعوث الأممي اجتماعا مع الفريق الإعلامي المسؤول عن تغطية مشاورات السويد، و أبلغهم بالتقدم الحاصل في أغلب الملفات، فيما بدا متشائما بخصوص ملف الحديدة لدرجة جعلت ملف تعز يبدو أكثر سهولة منه و أقرب لإمكانية التوافق بشانه. و في مواجهة أسئلة الفريق الإعلامي ظهر جريفيث مترددا بخصوص إعلان ما يمكن فعله لفرض التوافق على وقف إطلاق النار في الحديدة رغم أنها القضية الأشد خطورة بتأثيرها من الناحية الإنسانية و مخاوف تدمير الميناء و توقف واردات الغذاء لملايين اليمنيين.

 

 

بالنسبة للمبعوث الأممي فالمشكلة هي في ثبات مواقف الطرفين حيث أنه قضى معظم شهور تلك السنة في مناقشة هذا الموضوع دون فائدة. علما أن كل جهوده السابقة كانت تتركز حول إقناع حكومة صنعاء بتسليم ميناء الحديدة لقوات التحالف في مقابل ضمانات منه بعدم قطع إمدادات الغذاء و المشتقات النفطية عن مناطق سيطرتهم في الداخل. كانت تلك مهمة جريفيث الأصلية، و مع إدراكه لاستحالة تنفيذها فقد يمكن الافتراض أنه في ستوكهولم كانت لديه معلومات عن إمكانية فرض حل بديل بخصوص الحديدة إذا تعذر تمرير المقترحات المطروحة. لذا فقد ركز جهوده منذ بداية المشاورات على تكرار محاولاته القديمة لإقناع وفد صنعاء بها. و بالطبع كان وفد صنعاء يكرر رفضها بشكل حاسم.

 

 

قبل يومين من انتهاء المشاورات بدأت مسارات الحل بالتغير تدريجيا، حيث جرى أولا طرح مسودة اتفاق مبنية على مقترح أممي يقضي بانسحاب القوات العسكرية للطرفين من المدينة و الموانئ على أن تتولى مسؤوليتها  قوات أمن تتبع السلطة المحلية التي كانت تحكم المحافظة قبل عام ٢٠١٤ م، و المقصود هنا هو تبعيتها للشرعية. و بالطبع فقد رفض وفد صنعاء المقترح رغم كل الضغوط و الوعود. ثم سرعان ما تسربت مسودة معدلة ألغت الشرط السابق إذ استبدلت بند تسليم المدينة بتسليم إدارة الميناء فقط عبر اشتراط أن تكون مسؤولية أمن الموانئ لقوة خفر السواحل ممثلة بقيادتها المعينة قبل سبتمبر ٢٠١٤م، و نفس الشرط تم وضعه فيما يخص المسؤولين عن إدارة الموانئ الثلاثة بأنهم الأشخاص المعينون قبل سبتمبر ٢٠١٤م، لكن ذلك لم يفلح في إقناع وفد صنعاء. (مرفق صورة رقم ٣)

مع اقتراب موعد انتهاء المشاورات لم يجد المبعوث الأممي مفرا من إجراء تعديل جذري على مقترحاته كي يستطيع تحقيق إنجاز ما، كان قد وصل سابقا لقناعة بأن حكومة صنعاء لن تخضع لأي ضغوط بشأن الحديدة كما سبق أن جرب ذلك بنفسه مرارا طوال عدة أشهر مستخدما الدبلوماسية و الوعود الاقتصادية و التهديد تحت وقع الهجوم العسكري الواسع على الساحل… بالنتيجة و باعتبار أن الضغوط على وفد صنعاء ليست ذات جدوى فسيكون البديل الممكن هو الضغط على وفد الشرعية، لذا تم تعديل المقترح الأممي ليقضي بإبقاء مدينة الحديدة و الموانئ الثلاثة تحت حكم سلطة صنعاء، و على هذا الأساس تمت صياغة مسودة الاتفاق البديلة قبل انتهاء المشاورات بيوم واحد. (مرفق صورة رقم ٤)

صورة رقم 4

هذه المسودة نالت قبول وفد صنعاء، لكن بقي السؤال؛ من سيقنع وفد الشرعية بالموافقة عليها؟ هنا جاء دور استخدام “ورقة الجوكر” الأممية التي كان هناك من يؤجلها باعتبارها الخيار الاخير أو مخرج الطوارئ. 

 

في اليوم الأخير لجلسات المشاورات وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيرتش إلى مقر الاجتماعات في بلدة ريمبو السويدية، و فيما يبدو أنه كان يعرف ما الذي سيفعله و يثق بالنتيجة التي سيصل إليها.

لم يضيع السيد جوتيرتش وقته في إقناع وفد الشرعية بل وجه جهوده نحو صاحب القرار الفعلي، حيث أجرى اتصالا هاتفيا مع ولي العهد السعودي لتذكيره بما يتوجب عليه بناء على اتفاق سابق جرى بينهما (ستتضح تفاصيله لاحقا)، و على الفور وصلت الأوامر من الرياض إلى وفد الشرعية بالموافقة على مسودة الاتفاق الأخيرة بشأن الحديدة فورا و دون نقاش!

كانت التوجيهات من الرياض صارمة لدرجة جرفت أمامها رغبات حكومة الشرعية و طموحات حكام الإمارات، بدا الأمر أشبه بانقلاب مباغت في موقف التحالف حتى أن بعض وسائل الإعلام العاجزة عن فهم ما حدث قد لجأت لطرح تفسيرات مغلوطة لمضمون الاتفاق، و هي أيضاً نفس المغالطات التي لجأ إليها حكومة الشرعية و الحكومة الإماراتية للتهرب من استحقاقات اتفاق فرض ابن سلمان تمريره في ستوكهولم تاركاً لهم إمكانية عرقلة تنفيذه على الأرض.

 

حقيقة الأمر، هي أن القبول باتفاق ستوكهولم بشأن مدينة الحديدة كان التزاما شخصيا من الأمير محمد بن سلمان قطعه على نفسه سابقا أمام الأمين العام للأمم المتحدة، متعهداً بتنفيذه في حالة تعذر الوصول لحلول بديلة. 

أما عن الأسباب و تفاصيل ذلك التعهد فهي تتعلق بصفقة صغيرة قام ولي العهد السعودي بإبرامها مع جوتيرتش خلال الشهر السابق (نهاية نوفمبر ٢٠١٨) أثناء قمة العشرين في المكسيك. حيث كان الأمير -الموصوف بصاحب المنشار- حينها في وضع حرج بفعل تطورات جريمة خاشقجي التي هو المتهم الاول فيها إلى حد أن منظمة العفو الدولية و منظمات حقوقية أخرى أصدرت نداءات تطالب بالقبض عليه أو منعه من السفر ناهيك عن المظاهرات الرافضة لاستقباله في كثير من البلدان، ما أوقع الأمير في عزلة سياسية أظهرته منبوذا يتجنب زعماء العالم مقابلته علنا، و لهذا فقد كانت أقصى أمانيه أن يحظى بعقد اي لقاء رسمي مع شخصيات دولية ذات مكانة تحظى بالتقدير عالميا كمحاولة منه لترميم هيبته و لكسر عزلته قبل أن تتفاقم أكثر و تتحول لحاجز يصعب تجاوزه، كان بحاجة لإظهار أن عرشه لم يهتز بعد فضيحة اغتيال خاشقجي، و أن يثبت للعالم بأنه ليس منبوذا بل واثق من نفسه و من قدرته على الاستمرار في الحكم و التعامل مع قيادات العالم كأمير مبجل لا كمجرم مطلوب للعدالة.

 

كانت الصعوبة هي إيجاد الشخصية الدولية المؤثرة التي تقبل بلقاء المنشار أولاً لتكون هي أول ضربة تكسر الجليد بحيث تخلق سابقة تسهل على بقية قادة العالم الظهور معه علنا في لقاء ثنائى. و قد فعلها السيد جوتيرتش بتطوعه للقاء المنشار فاتحاً بذلك الباب أمام زعماء العالم للاقتداء به دونما حرج من انتقادات الإعلام أو خشية من إدانات المنظمات الحقوقية الدولية التي ستضطر للصمت أزاء لقاءات لاحقة ستحدث أسوة بالأمين العام للأمم المتحدة. و كان المكسب الأهم الذي حققه ولي العهد السعودي هو أنه استطاع خلق انطباع بأن الإدانات الحقوقية و مطالب اعتقاله ليست سوى ضجيج إعلامي بعيد عن الواقع.

 

صحيح أن تلك المقابلة في المكسيك أثارت استغراب و ربما استهجان البعض يومها، فكيف يلتقي الامين العام مع متهم تطالب باعتقاله أهم المنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة؟! 

حينها لم يكن هناك تفسير منطقي، إذ يصعب تخيل أن المقابلة كانت تأسيسا لصفقة تم بموجبها تعويم ابن سلمان سياسيا مقابل إعفاء الأمم المتحدة من عبء كارثة المجاعة التي توشك على الوقوع في حالة تدمير ميناء الحديدة أو تحوله لمنطقة اشتباكات طويلة الأمد. و هي بالطبع كارثة تتحمل الأمم المتحدة المسؤولية المباشرة عنها كونها هي التي شرعنت الحصار و الحرب على اليمن بقرارات أصدرها مجلس الأمن.

هذا لا يعني أن ضمير السيد جوتيريتش قد استيقظ فجأة، بل على الأرجح هو فقط يسعى لتجنب توريط نفسه و تلويث سمعته أكثر خصوصاً أن جرائم السعودية صارت مثار اهتمام الرأي العام على مستوى العالم منذ فضيحة خاشقجي.

 

بالنسبة لابن سلمان، فإن العزلة التي واجهها عند افتتاح قمة العشرين في المكسيك دفعته لاستجداء الظهور مع قادة العالم بأي ثمن لدرجة أنه وافق على الظهور واقفا في إحدى الزوايا مع الرئيس الفرنسي ماكرون مقابل أن يقوم الأخير بتوبيخه أمام الكاميرا، لكنه و بعد كسر طوق العزلة استطاع عقد لقاءات علنية مع بعض الرؤساء أمام وسائل الإعلام. 

لهذا كانت مقابلة أمين عام الأمم المتحدة هي صفقة تستحق من وجهة نظره أن يقبل بتقديم أي شيء مقابلها، و قد كان ذلك هو التزامه بإنجاح أي اتفاق قادم بشأن الحديدة مهما كان مقتضاه بعد أن تبذل الأمم المتحدة كل جهودها لانتزاع أي تنازلات ممكنة من الطرف الآخر و تحاول تمرير بدائل أخرى تراعي مصلحة التحالف قدر الإمكان. 

 

بالنتيجة، تم تمرير اتفاق الحديدة و نجحت الأمم المتحدة في الخروج من ورطة افتضاح تواطؤها التام مع التحالف في المأساة اليمنية بعد ثبوت أن كل محاولات التحالف لتحقيق انتصار في الحرب لا تحقق شيئا سوى استفحال أسوأ كارثة إنسانية في القرن الواحد و العشرين… كارثة هي منذ البدء معمدة بأختام مجلس الأمن الدولي، و على كل سنة من سنواتها الخمس تنطبع بصمات الأمم المتحدة.

 

*أكرم عبدالفتاح؛ صحفي وباحث سياسي يمني

akram.fattah@gmail.com

 

أحدث العناوين

الدفاع تستبعده من ديباجة قراراتها ومسؤول يؤكد انقطاع التواصل به.. ارتفاع الشكوك بوفاة هادي

كشف مسؤول في حكومة الشرعية أن التواصل مع الرئيس عبدربه منصور هادي منقطع منذ حوالي شهر، وهو ما يعزز...

مقالات ذات صلة