كلُّ شيءٍ أصبحَ في خدمةِ رأسِ المال.. قراءة في كتاب “نظام التفاهة” لـ “آلان دونو”

اخترنا لك

حيدر العبدلي

قد تسأل نفسك مستغرباً عن سبب رواج أتفه الكتب، روايات الفاشينستات، النصوص التافهة وكتب التنمية البشرية، على حساب الكتب ذات الطراز الرفيع، الأدب التجاري على حساب الأدب الرفيع، الكيتش على حساب الفنون الراقية، الأغاني التافهة، المسلسلات السخيفة ، قراءة الاقتباسات ونسخها ولصقها بدل قراءة الكتب والتأمل والاستنتاج والاستخلاص، مشاركة القشرة بدل الفكرة.

قد يمتد بك التساؤل إلى ما هو أبعد إذا كنت محتفظا ببذرة الفضول.. لم أغلب خريجي الجامعات هم أميون جامعيون، يقرأ ويكتب ويجيد عمل متخصص جداً لكنه غير مثقف ولا يجيد ربط الأمور في هذا العالم مع بعضها، لا يعرف نتيجة عمله واسهاماته ولا عن الدورة الكلية التي هو جزء منها وكيف تعمل وما هي مسؤوليته تجاهها -اشخط يومك بتعبير أغلب الموظفين-؟ لماذا الإعلام تافه إلى حد الذي يناقش ملائمة إطالة جاستن بيبر لشاربه أو تفاصيل زواج الأمير هاري وميغان لعدة شهور؟ لماذا يحصل لاعب كرة قدم على عائد مالي يفوق العائد المالي لكل علماء الفيزياء والكيمياء الحاصلين على نوبل منذ تأسيسها؟ لم يتبع الناس التافهين ويقلدونهم في التفاهة، وكيف يصل أتفه الناس إلى أخطر المراكز في السلطة؟كل هذه التساؤلات وأكثر سيجيب عليها آلان دونو في كتابه ” نظام التفاهة”.

نحن نعيش في منزلق خطير يهدد الحضارة البشرية ككل بل والجنس البشري، لا بل الكوكب كله. كل ذلك يعيده آلان دونو إلى كوارث النظام الرأسمالي وجنون دورته التي لم يعد أحداً قادراً على كبحها أو إيقافها، كل هذه المشاكل والعلل هي بسبب تلك الدورة الفاسدة. كنت أعتقد سابقاً أن الإرهاب والفساد هما وجهان لعملة واحدة، لكنني الآن موقن أن الإرهاب هو مجرد ابن شرعي للفساد.

هذا النظام الاقتصادي الذي جعل الربح هو القيمة العليا استبعد باقي القيم الأخرى، والربح هنا مقصود بربح النقود التي حرفت عن مقصدها أي وسيط للوصول إلى الغايات وممثلة لقيمة الجهد المبذول لتتحول إلى غاية بحد ذاتها، تراكم الثروة بيد أشخاص محددين أفرغ كل شيء من مضمونه وتحول الجميع لعبيد وخدم لرأس المال المتراكم في دورة مجنونة حطمت كل شيء ليختل النظام العالمي كله ويعاني الجميع لتحقيق نزوات قلة قلية تافهة من البشرية ولنقلدهم أيضاً في تلك التفاهة بل ونبذل كل الجهد في خدمة وعبادة هذه التفاهة.

إن مراكمة رأس المال بيد قلة تمثل النظام الأوليغارشي بطريق غير شرعي ثم توريث ذلك واستمرار مراكمته جعلهم هم من يحددون ما هو شرعي من عدمه، أصبحت الجامعات تخضع لمتطلبات الممولين وبالتالي فإنها أصبحت تعد وتعلم وتدرب أشخاصاً ليؤدوا وظيفة محددة في خدمة رأس المال هذا، مجرد آلات في هذا العالم الجديد الشجاع ( إشارة إلى رواية ألدوس هكسلي). هذا بدوره يستتبع أموراً أخرى أيضاً، فالشخص الذي درب ليكد كآلة وهو لا يستطيع أن يربط أمور الحياة مع بعضها ولا يتأمل ولا يشارك مشاركة إيجابية، سيعود إلى المنزل منهكاً يبحث عن تسلية وتفريغ وتخفيف لتستلمه وسائل التسلية التافهة فيعيد جزءاً مما كسبه إلى هذه الصناعة لتصبح وسائل الترفيه بدورها صناعة جبارة تفوق أي صناعة أخرى.

تستمر عملية تسطيح العقل ليصبح الأنسان مجرد رقم يستطيع أصحاب المال شرائه والتلاعب برأيه عن طريق الإعلام الذي يمتلكونه والمؤسسات الفكرية والدينية وحتى الثقافية، إنهم تافهون سيدعمون الكتاب التافهين ويشغلونكم بالأمور التافهة لكي تستمر بالعمل كآلة لا إنسانية ويسرق جهدك، وإذا ما حاولت الصراخ من الألم فأفيون الشعوب موجود لتخديرك. افعل ما تشاء لكن لا تقترب من هذه المنظومة وليس لك الحق بالتساؤل عن أحقية الامتيازات التي يتملكها هؤلاء القلة لأنهم سدنة وكهنة إله هذا العصر وهو رأس المال.

الفكر والدين والثقافة والعلوم وكل شيء أصبح في خدمة رأس المال هذا ومجرد آلة للحفاظ على امتيازات هذه القلة التي تمثله.

لقد وصلنا إلى مرحلة كارثية فالاستهلاك البشري وطبيعة انتاج الكماليات والبحث عن الربح السريع بعيداً عن العواقب ستهلك الكوكب وكل الأجناس التي تعيش عليه بما فيه البشر.

لكن.. لا تستهن بنفسك وبمدى تأثيرك، غرد خارج السرب، وكن راديكالياً كما يدعوك آلان دونو، فهذه مجرد مرحلة مخزية من تاريخ البشرية ستتجاوزها بأبطال مثلك إن أنقذت نفسك وكنت في الاتجاه الصحيح.

وهنا أقتبس كلامه :” قد لا يصدق أحد ما أقوله، ولكنني أؤكد لذوي الرأي الحر، المخالف/ المختلف، المعلن: إلى أن تنتهي هذه المرحلة، لا يوجد دعم، أياً ما كان وزنه، يمكنه أن يحميك من عذابات الحياة اليومية التي تتطلب احتكاكاَ-على مستوى التفاصيل-مع التافهين وضيقي الأفق. كل اتصال اجتماعي، كل اجتماع عمل، كل معاملة رسمية، كل مشوار للسوق، بل وكل توقف قصير في إشارة للمرور، سوف يحمل معه تحدياً حقيقياً. أنتم فدائيون”
الكتاب من العيار الثقيل وأنصح به الجميع وهو من الكتب التي تستحق النجوم الخمسة بجدارة”.

أحدث العناوين

عضوان بالرئاسي يقاطعان مراسيم مبايعة بن زايد

قاطع عضوان في المجلس الرئاسي، السلطة الموالية للتحالف في اليمن، الثلاثاء، مراسيم مبايعة محمد بن زايد كرئيس للإمارات . خاص...

مقالات ذات صلة