الخطة البريطانية لإقامة الإمارة الشافعية والسيطرة على الجزر اليمنية

اخترنا لك

كتاب تقسيم اليمن بصمات بريطانية للباحث عبدالله بن عامر(الحلقة السابعة)

لقراءة الحلقة السادسة اتبع الرابط التالي:الخلاف بشأن باب المندب ومخططات التقسيم أثناء الحرب العالمية الثانية

ماذا نفذت بريطانيا؟

إحتلال الحديدة (حدث بالفعل ففي 30 أكتوبر 1918م خرجت القوات العثمانية من جنوب اليمن واحتلت بريطانيا الحديدة بهدف الإنطلاق منها لتأسيس مستعمرة جديدة تتصل براً بمستعمرتهم في عدن (عفيفي مشكلات الحدود السياسية في شبه الجزيرة ص 251)  والهدف لم يكن فقط مساومة الإمام والدخول معه في صفقة , بل كان إنشاء مستعمرة تمتد من الحديدة حتى عدن بإتصال بري وقد بحثنا عن تفاصيل إحتلال الحديدة (في عدة مراجع يمنية وعربية وأجنبية) فوجدنا أن هناك من أشار الى أن القوات البريطانية فور احتلال المدينة باشرت تنفيذ إجراءات تكرر بها ما فعلته بعدن بعد احتلالها مثل استمالة المشايخ واستقطابهم والأخطر من ذلك الشروع في إنشاء ما يشبه الحاجز الذي يطوق المدينة من شمالها وشرقها وجنوبها بالأسلاك الشائكة وكانها بالفعل مستعمرة وتم تنفيذ إجراءات تضمن عدم توسع الإمام وتضمن كذلك عدم تضخم قوته (يشير العقيلي أن إحتلال الحديدة كان الهدف منه إنشاء مستعمرة جديدة تتصل براً بعدن وتمهيداً لذلك فقد ضربوا نطاقاً من الأسلاك الشائكة حول المدينة وأخذوا في إستمالة شيوخ القبائل المجاوره على نحو ما حدث مع شيوخ النواحي المجاوره لعدن للمزيد العقيلي تاريخ المخلاف السليماني ج2 ص 113)   وقامت بريطانيا فور احتلال الحديدة بتعيين قنصل فيها كحاكم , وكانت قدرات القنصل الأول ضعيفة فاستبدل بآخر ثم تم تعيين ثالث  خلال سنة واحده (قيل وقتها أن البريطانيين فشلوا في إدارة المدينة فاروق اباظه عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر ص 663) وجرت متغيرات في المنطقة مثل ثورات في العراق ومصر وحينها بدأت الحكومة البريطانية تدرس مقترحات للتعامل مع المنطقة بشكل كامل وكانت معظم الرؤى تفيد بضرورة التخفيف ومنح بعض البلدان (استقلال شكلي) أي تغيير صيغة الاحتلال كإنتداب مع بعض الصلاحيات.

بعد ذلك .. اعتمد البريطانيون استراتيجية عسكرية تقوم على القوات الجوية لتخفيف الخسائر وهذا تطلب تقليص عدد القوات على الأرض  ,أما السودان فهي أيضاً شهدت توتراً وعلى ما يبدو أن ذلك حال دون تجهيز قوات لاحتلال الساحل الغربي , وفي الحديدة حاولت بريطانيا تنظيم إستفتاء لأبناء المدينة ليختاروا أي حكومة يرغبوا بالانضمام اليها , وأمام كل ذلك قررت بريطانيا تسليم المدينة للإدريسي ضمن إستراتيجية منع الإمام من التوسع , وبعد ذلك قال جاكوب إن الحديدة لم تكن من املاكنا حتى نمنحها للغير إذ أن الحديدة هي الميناء الطبيعي لصنعاء , غير ان الحقد البريطاني أتضح أكثر من خلال تدمير ميناء الحديدة حتى لا يستطيع استقبال السفن الكبيرة  (جان جاك بيري جزيرة العرب ص 173 ) إضافة الى استهداف ميناء المخا والحاق اضرار كبيرة به وكل ذلك من أجل منع صنعاء من استغلال وتشغيل تلك الموانئ.

 

 

احتلال تعز :

استدعى الموقف العسكري في 1916م تقديم مقترحات أولاً فيما يتعلق بالمعركة في لحج (بالنسبة للموقف في عدن ولحج الإبقاء على إستراتيجية الدفاع السلبي مع قوة للحماية والتغطية في الشيخ عثمان والتقدم الى لحج واحتلال المواقع المتحكمة بالطرق الى عدن ثم التقدم الى خط الحدود القديمة لمحمية عدن واحتلال الضالع أي الحدود التي كانت موجودة قبل الاتفاق مع العثمانيين) ولهذا يتحدث والتون عن ذلك ثم يقيم الموقف عسكرياً ومدى خطورة ذلك على الوجود البريطاني في عدن ثم يقدم مقترحاته بشأن رؤية اليمن ما بعد الحرب وكانت التقارير الثلاثة إضافة الى أسئلة حول مدى نوايا القيادة البريطانية في احتلال اليمن بأكمله وهذه التساؤلات أثارها الضابط جاكوب ثم أجاب عليها بأن الإمام يشكل خطراً أمام ذلك لاعتقاده بأن اليمن بمعناها الواسع كانت ملك اجداده , وعندما أبلغت بريطانيا الإمام يحيى بعد ضرب الشيخ سعيد بأنها لا تنوي التوسع في الأراضي اليمنية وتطلب إشتراكه الى جانبها رفض ذلك لعلمه بأن وراء هذه الدعوة اهدافاً ونوايا أخرى , ولهذا يقول يجب العودة الى الحدود القديمة لإستعادة بريطانيا لهيبتها أمام العرب  وحينما تفعل ذلك يمكن ان تتفاوض مع الإمام يحيى وجهاً لوجه وقال يمكن مد نفوذ بريطانيا الى تعز دون احتلالها بشكل مباشر ووضع قادة موالين هناك , لكن في ذات الوقت يؤكد جاكوب على ضرورة احتلال الحديدة التي تشكل مع عدن والمكلا موانئ هامة تحقق المصالح البريطانية في التحكم بمداخل الإمدادات الى الداخل من هذه الموانئ (عبداللطيف بن محمد البحر الأحمر في الصراع العثماني البريطاني ص 460 و 461)

كان هناك تركيز على تعز نظراً لموقعها المهم بالنسبة للبحر الأحمر وباب المندب , بل وحتى عدن وخليجها فتعز تمثل الزاوية الجنوبية الغربية لليمن ويجب تهيئتها لتصبح محمية بريطانية أو على الأقل ضمان السيطرة عليها بشكل غير مباشر من خلال تعيين حكام عليها يدينون بالولاء للبريطانيين ويشكلون حائط صد ضد أي محاولات توسعيه من قبل صنعاء وإذا كانت القيادة البريطانية ترى تأجيل ذلك المقترح يمكن ضمان السيطرة على باب المندب من خلال التوسع عسكرياً الى منطقة الشيخ سعيد وبناء قاعدة عسكرية عليها وعلى حكومة الهند الاختيار (رفعت التقارير في 13مايو 1916م)  وبشأن لحج كان هناك خيارات منها احتلال الضالع لكن والتون يطلب من قيادته الدراسة العميقة لمشروع إحتلال تعز وعلى ما يبدو أنه حاول ان يلفت أنظار القيادات العسكرية الى أهمية تعز فراح يقلل من أهمية الضالع استراتيجياً رغم أنها قد تكون مناسبة للدفاع عن عدن من جهة معينه غير ان احتلال تعز يحقق أهدافاً استراتيجية متعددة لا تقتصر على عدن , بل والبحر وباب المندب ولهذا يقول والتون : اما احتلال تعز فيمكن دراسته بشكل أعمق بإعتبار أن ذلك يحتاج الى قوة عسكرية بريطانية وقد يؤدي الى نشوب النزاع مع الإمام وهنا يمكن الإستعانة بالإدريسي نظير منحه الساحل الممتد من اللحية حتى رأس الكثيب , ولا يكتفي والتون بالحديث عن أهمية تعز الاستراتيجية بالمعنى العسكري , بل تحدث عن أهميتها اقتصادياً وكذلك كمنتجع سياحي للجنود البريطانيين فتعز بأكملها يمكن تحويلها عسكرياً الى قاعدة تدريب بمعنى إستقبال المجندين البريطانيين من مختلف المحميات والدول والمناطق بما في ذلك المرتزقة والحاقهم بالمعسكرات التدريبية ثم إعادة توزيعهم على مناطق بريطانيا في آسيا وافريقيا وهذه النظرة تضع في الاعتبار أهمية الموقع الجغرافي لليمن عموماً ولتعز خصوصاً بقربها من البحر عبر المخا ومن باب المندب ومن عدن نفسها بحيث يمكن وبسهولة استقبال المجندين والمرتزقة عبر السفن ومن ثم اعادتهم عبر ذات السفن , اما اقتصادياً فتعز بسواحلها وجبالها يمكن الاستثمار فيها لاسيما إذا تم تهيئة المجال من خلال طرق المواصلات كمد سكة حديد تربط مستعمرة الحديدة عدن او مستعمرة الركن الجنوبي الغربي لليمن وحتى يؤكد والتون على أهمية طرحه نجده يرفق تقريره السري برسالة او بمذكرة الكولونيل واهوب وكذلك مذكرة هارولد جاكوب المساعد للمقيم في عدن ونجد ان هناك ما يشبه الاتفاق بشأن أهمية تعز لتحقيق عدة أهداف منها تأمين عدن بشكل كامل ويقدم واهوب مقترحات للقيادة العسكرية حول الخطوات الواجب اتباعها لتنفيذ الخطة كالبدء في احتلال تعز ثم الحديدة وكان البريطانيون وقتها يرسلون اتباعهم منهم متخصصون في دراسة المجتمعات المحلية بعناوين منها التجارة والسياحة لاسيما الى تعز وعلى ما يبدو أن هذه المنطقة ذات الكثافة السكانية والموقع المهم قد دفعت القيادة البريطانية في عدن الى التفكير بضرورة تحويلها الى قاعدة تتصدى لأي هجمات من الشمال اليمني نحو عدن او المحميات وذلك لن يحدث إلا من خلال تعيين حكام موالين مع إذكاء الخلافات المذهبية بين أبناء تعز الشافعية وصنعاء الزيدية إضافة الى اختيار عناوين أخرى تذكي ذلك الصراع وتؤججه.

 

بريطانيا والجزر

للجزر اليمنية أهمية حيوية فيما يتعلق بموقعها البحري فمنها جزر تهيمن على مسارات الملاحة او خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر وعلى مدخل باب المندب , ولهذا ظلت الجزر محل صراع دولي ولا تزال.. ويمكن اختصار طبيعة السياسة البريطانية تجاه الجزر من خلال تأكيد الهيمنة البريطانية على الجزر من سقطرى حتى كمران وجزر فرسان ففي أوقات السلم تحرص بريطانيا على التواجد العسكري في ميون في باب المندب وكمران بإعتبارها كانت محجراً صحياً للحجيج وقريبة من الحديدة وفي أوقات الحرب نجد القوات البريطانية تسارع الى احتلال أربع جزر حاكمة (كمران – حنيش – زقر – جبل الطير) وكانت السيطرة على كمران مقدمة للسيطرة على الحديدة لاتخاذها قاعدة (في 4نوفمبر 1914م أكدت بريطانيا أنها لن تقدم على أية أعمال عسكرية ضد الموانئ أو الجزر وأن سياستها تستهدف الحصول على تأييد العرب وخاصة الإمام يحيى والإدريسي إلا أنها احتلت كمران ولم يكن في الجزر ينابيع مياه وتم تكليف سفينة لتزويد الجنود بالمياه وبالرغم من ذلك كان يلمس قدراً ملحوظاً من عدم الراحة وقد توفي عدد من الجنود وآخرون في حالة صحية سيئية بسبب قسوة المناخ وفي أغسطس 1915م انسحبت القوات من حنيش وزقر.. للمزيد جون بولدي العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن ص 66) وظلت كمران وجزر فرسان محل خلاف بريطاني – إيطالي خلال العقود الأولى للقرن العشرين ولم تتنازل عنها بريطانيا حيث ظلت تدعي احقيتها في تلك الجزر لاسيما فرسان لتواجد النفط فيها وكان من أهم أسباب عدم تواجد القوات البريطانية في بعض الجزر في فترتي الحرب والسلم هو صعوبة العيش فيها.

 

 الإماره الشافعية:

لطالما لعب البريطانيون بورقة وجود أكثر من مذهب في اليمن لاسيما الزيدي والشافعي وقد اتضح الامر لليمنيين خلال حرب 1928م عندما كانت الطائرات البريطانية تسقط منشورات تتضمن رسائل تعمل على اثارة الخلافات المذهبية بين اليمنيين غير أن القصف الجوي وقتها لم يفرق بين زيدي وشافعي ومع ذلك ظلت هذه الورقة هي الأكثر إثارة بالنسبة للبريطانيين لإستخدامها وقت الحاجة (د. محمد الشهاري طريق الثورة اليمنية ص 32) , ومن ضمن التصورات البريطانية القائمة على الجانب المذهبي ما يتعلق بالإمارة الشافعية المشروع القائم على الادعاء البريطاني بأن المناطق الشافعية تفضل النفوذ البريطاني على سيطرة الائمة (إيل ماكرو اليمن والغرب ص 200) وكان هناك رأي حظي بموافقة القيادة البريطانية يقوم على تشكيل ولايات متحدة جنوب الجزيرة العربية لكل ولاية حاكم مستقل وتتبع روحياً خليفة عربي في مكة وهذا الرأي كان لجاكوب , وتم تكليف الملك حسين بتنفيذ المشروع فقد كان هو الخليفة المرشح للولايات العربية الجنوبية من لحج حتى حضرموت والمهرة وتسمى هذه المناطق أو تتحد تحت مسمى الإمارة الشافعية وكان ذلك ضمن المشاريع البريطانية القائمة على دعم الشافعيه  (جان جاك بيري جزيرة العرب ص 191) ضمن مخطط محاصرة الزيدية , وتم العثور على وثائق المشروع في أرشيف الملك حسين بعد فراره من الحجاز (للمزيد يمكن الاطلاع على حافظ وهبه خمسون عاماً في جزيرة العرب ص 76) وعلى ما يبدو ان هذا المشروع كان ضمن تداولات القيادات البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى ومصدره الرئيسي يعود إلى محاولة بريطانيا دفع العرب لحرب العثمانيين تحت زعامة واحده غير أن هذا المشروع تعرض للتعديل ليصل الأمر بالبريطانيين الى تقسيم المقسم استناداً الى التنوع المذهبي وتحويل ذلك التنوع من عامل تكامل وتعاضد الى عامل فرقة ونزاع وصراع وكل ذلك يقوم على دراسات متخصصة للمجتمعات العربية (جاكوب يقول : الحكم في هذه المنطقة ذو صبغة قبلية لو افترضنا توحيد نزعات هؤلاء العرب في اطار ولايات متحدة في جنوب الجزيرة العربية لكل ولايه حاكمها المستقل وتتبع روحياً لخليفة عربي في مكة فإن هذا التغيير لن يحظى بقبول العرب ولذا فستأتي هذه البلاد طواعية تحت الحماية البريطانية لو تم طرد العثمانيين للمزيد عبداللطيف بن محمد البحر الأحمر في الصراع العثماني البريطاني ص 290) ونختصر هذا المشروع بالتطرق أولاً إلى حدود الإمارة من نقيل سمارة إلى بيت الفقيه إلى المخا إلى بلاد الحواشب وأما مواد مشروع المعاهدة فأبرزها ما يلي:

أن تشكل إمارة شافعية تكون مدينة تعز عاصمة لها وتؤلف من الأقضية والنواحي التي كانت تابعة في زمن الحكومة التركية ومربوطة (مرتبطة) بتعز وتضم كذلك يافع العليا ويافع السفلى والضالع وقبيلة علوي والصبيحة وتتبع سلطنتي لحج وحضرموت وإمارة أبين وشقرة وإمارة العوالق وما جاورها من الإمارات والمشيخات في جميع امورها السياسية ومعاملاتها هذه الإمارة بدلاً من الحكومة الحامية (يقصد البريطانية) وتقسم تلك المناطق بين إمارتي لحج وحضرموت فيما بعد والامارة الجديدة وتكون امارتا لحج وحضرموت تابعتين للامارة الجديدة وتتفق الامارة مع امارة الادريسي.

ومن خلال ما سبق فإن الرؤية البريطانية لليمن حتى عشرينات القرن الماضي تتمثل في

  • إمارة الإدريسي (عسير وجيزان حتى الحديدة)
  • الإمارة الشافعية (تعز والمخا وإب وحتى لحج جنوباً وبيحان شرقاً)
  • تضم الإمارة الشافعية وبما يشبه الاتحاد الفيدرالي كلاً من سلطنة لحج وسلطنات حضرموت.
  • عدن تابعة لبريطانيا.
  • صنعاء وصعدة وعمران .. الخ للإمام يحيى (دولة بدون منفذ بحري)

أحدث العناوين

Saudi Forces Continue Killing Yemenis in Jizan

The Saudi border guards committed on Wednesday a new crime against a Yemeni youth in the border Jizan region. Informed...

مقالات ذات صلة