الخطة البريطانية لخنق اليمن اقتصاديا وعزله عن البحر

اخترنا لك

كتاب تقسيم اليمن بصمات بريطانية للباحث عبدالله بن عامر(الحلقة التاسعة) لقراءة الحلقة السابعة:الخطة البريطانية لإقامة الإمارة الشافعية والسيطرة على الجزر اليمنية

 

خنق اليمن اقتصاديا وعزله عن البحر

الخنق والعزل

بعد الحرب العالمية الأولى سعت بريطانيا لتحقيق عدة أهداف منها الحفاظ على سيطرتها على الجزيرة العربية دون ان تشاركها في تلك السيطرة او النفوذ أي قوة أخرى واتجهت كذلك الى تعويض خسائر اقتصادها جراء الحرب من خلال التركيز على المناطق الاستراتيجية وذات الأهمية الاقتصادية وكان من بين تلك المناطق الجزيرة العربية ولهذا ركزت في استراتيجيتها على أن تكون الجزيرة بما في ذلك اليمن المستقل وقتها منطقة انتداب بريطاني ومنع أية قوة اجنبية من الحصول على أية امتيازات في هذه المنطقة مع التركيز على اخضاع الجزر اليمنية للإدارة البريطانية (عزيز خودابيردييف بريطانيا وتقسيم اليمن ص 68) ولتحقيق ذلك الهدف سارعت الى ارسال بعثة الى اليمن 1919م لإجبار الإمام على ان يكون خاضعاً هو الآخر للحماية البريطانية حاله كبقية المشايخ والحكام في الجزيرة من ابن سعود الى الشريف حسين الى امارات الخليج وامارات الجنوب , وينقل عزيز بيرداييف عن وثائق الهند البريطانية أنه وقبل تحرك البعثة جرت نقاشات عدة بين القادة البريطانيين منهم اللنبي في مصر والجنرال ستيوارت المقيم في عدن منها :

أولاً : إجبار الإمام على الإقرار والاعتراف بالحدود حسب الاتفاقية الانجلوعثمانية  (كان على رأس أهداف بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى تحقيق شرعية لوجودها في جنوب شبه الجزيرة العربية وتحقق ذلك بالإتفاقية للمزيد عدة مؤلفين سوفيت تاريخ اليمن المعاصر ص 47)  ورسم الحدود بالقوة بين أراضي الامام يحيى والادريسي الامر الذي سيؤدي الى عزل المناطق الداخلية في اليمن نهائياً وبصورة رسمية عن منافذ البحر ويحول دون نشوء الدولة اليمنية المركزية وكان هناك اعتقاد بأن الإمام يحيى يمكن ترويضه بسهولة .. وكتب المقيم البريطاني في عدن : بالإمكان حمل الادريسي والامام يحيى على تنفيذ كل رغباتنا اذا سمعا رنين نقودنا.

ثانياً : مسودة الاتفاقية التي حاول البريطانيون فرضها على الإمام تتضمن ان تعترف بريطانيا بالإمام يحيى حاكماً على المناطق الجبلية وهو قسم معزول عن المنافذ البحرية مع تقديم بعض التسهيلات التجارية للإمام يحيى من خلال ميناء الحديدة باشراف بريطاني وعندما يسمح الموقف الحربي بذلك (عزيز خودابيردييف بريطانيا وتقسيم اليمن ص 70)  إضافة الى السيطرة على التجارة الخارجية لليمن تعني السيطرة على مجمل اقتصاد البلاد  (تشير الوثائق البريطانية الى حجم الجهد المبذول لمنع وصول الإمام يحيى الى الموانئ الجنوبية بما في ذلك الشحر والمكلا حيث يعتبر الوصول الى تلك الموانئ خطراً يتهدد الوجود البريطاني في عدن وجزء من حصار من الشمال والشرق لـ عدن للمزيد فاروق اباظه عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر ص 693) وكانت سياسة حصار اليمن بحرياً تعود الى سياسة اغلاق الموانئ اثناء الحرب العالمية الأولى عدا موانئ الإدريسي (عبداللطيف بن محمد البحر الأحمر في الصراع العثماني البريطاني ص 445)

ثالثاً :   ومن ضمن الشروط منع الإمام من إقامة أية علاقات مع القوى الأجنبية عدا بريطانيا ومنعه من استيراد السلاح وحصول بريطانيا على امتيازات تجارية  وعدم استخدام الأجانب إلا بإذن من الحكومة البريطانية وكان هذا الشطر يتعلق بوجود الاتراك في اليمن وشرط منع استيراد السلاح الهدف منه اخضاع اليمن والهيمنة عليه بشكل كامل.

وكل ذلك مقابل منح الإمام معونة شهرية مع مد خط تليغراف , وكان هناك تقارير سرية بريطانية تتحدث عن إمكانيات اليمن الاقتصادية منها ما ورد في احد التقارير : بودنا لو تطورت المؤسسات الإنتاجية في اليمن وهناك ثقة بأن إمكانيات البلد كبيرة ولا نحبذ أن يمتلك الأجانب هذه الثروة التي من شأنها ان تساعد على ازدهار امبراطوريتنا (عزيز خودابيردييف بريطانيا وتقسيم اليمن ص 71) إلا أن بعثة جاكوب لم تتمكن من الوصول الى صنعاء بسبب ما حدث لها في باجل من قبل قبيلة القحرى (هناك عدة آراء حول من يقف خلف القبض على البعثة 1- الادريسي الرافض لأي تقارب بريطاني مع الامام 2- الامام من خلال خطة وضعها محمود نديم 3- السكان انفسهم الذين احتجوا على احتلال الساحل وعزل الداخل وهذا يتضح من خلال المطالب المطروحة بضرورة رحيل الانجليز عن الحديدة وحاولت بريطانيا في 28 أكتوبر 1919م ترويع الأهالي من خلال الطائرات الحربية الا انهم كانوا يطلقون النار عليها من بنادقهم , وعرض مبلغ 50الف جنيه إسترليني على المشايخ للافراج عن البعثة, ولم يفرج عن جاكوب الا بعد ان وقع اتفاقية مع شيوخ القبيلة ولم يفصح عن مضمون تلك الاتفاقية لانها تضر بمصالح بريطانيا للمزيد عزيز خودابيردييف بريطانيا وتقسيم اليمن ص 72) وفي تلك الفترة قرر الامام الضغط على البريطانيين في المحميات حتى ينسحبوا من الحديدة فتمكنت القوات اليمنية من تحرير الضالع , وظلت السياسة البريطانية تقوم على ضرورة اخضاع اليمن من خلال عزله عن الدول الأخرى والتحكم به اقتصادياً ومنعه من الحصول على أي منفذ على البحر وشل الحركة الاقتصادية والتجارية في البلاد فعملوا على عزل القسم الجبل (عملوا على شل الحركة الاقتصادية والتجارية في البلاد فعجلوا في إسقاط تهامة وعزل القسم الجبلي من اليمن عن البحر ثم تسليم فيما بعد تهامة للإدريسي حاكم إمارة عسير المجاورة الضعيفة والراقصة تحت المزمار الإنجليزي أو تنصيب واحد من اتباعهم على تهامة , وكانت الخطة مدروسة بشكل بالغ وبدت وكأنها غير سيئة التخطيط للمزيد ج إنكارين مذكرات دبلوماسي في اليمن ترجمة د. محمد قائد ص 173) ومن شواهد ذلك تسليم الحديدة للادريسي في 1921م مكافأة له (عزيز خودابيردييف بريطانيا وتقسيم اليمن ص 75) ويعود أسباب الخروج البريطاني من الحديدة وتسليمها للادريسي :

  • الخلاف بين الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى على اقتسام التركة العثمانية فقد أثار الفرنسيون قضية الشيخ سعيد وحاول الايطاليون التقارب مع الادارسة وكان الاستمرار في احتلال الحديدة من شأنه ان يدفع تلك الدول الى المطالبة بالتكافؤ التام في اقتسام التركة العثمانية.
  • إضافة الى ثورة ثوار عمان في خريف 1920م ضد البريطانيين الذين خافوا من امتدادها الى شمال اليمن.
  • اعتماد استراتيجية بريطانية تقوم على القوات الجوية.
  • أسباب أخرى بسبب توقف النشاط التجاري للمدينة حيث بدأت المجاعة تنتشر وهو ما قد يتسبب لبريطانيا بالحرج.

أما سبب تسليم المدينة للإدريسي وليس للإمام يحيى أن الامام يحيى رفض كل العروض البريطانية وتمسك بأحقيته في كل اليمن ثم إن تسليم المدينة للادريسي يعني ضرب عصفورين بحجر فمن جهة إبقاء السيطرة البريطانية على الساحل الغربي من خلال الادريسي وكذلك عزل اليمن الداخلي وحرمانه من أي منفذ على البحر (عزيز خودابيردييف بريطانيا وتقسيم اليمن ص 77) , ووقتها اتجهت بريطانيا نحو تعزيز سياستها المتمثلة في عزل اليمن ومحاصرته لدرجة أن جميع الدوائر الاستخباراتية البريطانية اتفقت في آرائها على ضرورة الاستمرار في عزل الإمام يحيى عن العالم الخارجي وتم تقديم عدة مقترحات لتحقيق ذلك من خلال ما عرف بالمشكلة اليمنية :

  • تيار يؤيد استخدام الحديدة كأداة ضغط على الامام حتى يتنازل لبريطانيا ويعترف بالحدود وفق الاتفاقية العثمانية البريطانية مع إمكانية تعديلها .(ظل الامام متمسكاً بموقفه ومن ضمن ما تكشفه الوثائق كذلك أن بعثة كلايتون في العام 1926م فشلت في مهمتها بسبب تمسك الإمام بالسيادة على كامل جنوب غرب الجزيرة العربية بما في ذلك عدن للمزيد د. محمود الجبارات العلاقات اليمنية الأمريكية في عهد الإمام يحيى ص 150)
  • إبقاء اليمن معزولاً وعدم السماح له بالحصول على أي منفذ بحري وتوجيه التجارة اليمنية الى ميناء عدن ووقتها كان اليمن مهدداً بالإختناق (هانزهولفريتز اليمن من الباب الخلفي ص 138) في وقت رأى البريطانيون أن الأهم بالنسبة لهم إبعاد الإمام عن عدن (امين الريحاني ملوك العرب ص 209) فعندما يتنازل عنها يمكن التشاور حول تخفيف الضغوط البريطانية العسكرية والاقتصادية.

وفي مؤتمر الشرق الأوسط في القاهرة مارس 1921م حضرت المشكلة اليمنية فتقدم لورانس بورقة تضمنت مقترحات الهدف منها إزالة أي فرص للدسائس الإيطالية والفرنسية ومن ضمن تلك المقترحات تقديم تسهيلات جمركية للإمام في ميناء الحديدة والإبقاء على سيطرته على المخا الذي كان معطلاً او لا يمكن ممارسة نشاط تجاري واسع من خلاله وكل ذلك مقابل تقديم راتب شهري وتضمنت تلك المقترحات تحويل التجارة الى عدن (يقول عزيز بيراداييف أن  من وراء هذه المساومة حسابات اقتصادية وهذا يعني ان الانجليز عندما يستولون على النسبة الأعظم من التجارة اليمنية لا سيما مع الخارج يستطيعون في اللحظة اللازمة ان يمارسوا الضغوطات الاقتصادية والسياسية على الامام فضلاً عن الأرباح الكبيرة من جباية الضرائب الجمركية) وقد أيد تشرتشل أن تتنازل بريطانيا عن جزء من أراضي المحميات للامام كون بريطانيا وقتها كانت تواجه صعوبات اقتصادية ولم يكن بمقدورها شن حرب عسكرية وعقد اجتماع وقتها على هامش المؤتمر توصل الى إمكانية التنازل عن أراضي للإمام في المحميات مع استحالة ان يكون للإمام منفذ بحري وكان من ضمن التوصيات تحويل التجارة الى عدن ليصبح المنفذ الوحيد وتجميد أي نشاط لميناء الحديدة  , وتم استدعاء الجنرال سكوت المقيم بعدن الذي اعترض على تعديل الحدود لأنها تمر من السلاسل الجبلية التي تشكل عائقاً امام أي توغل في المحميات

أحدث العناوين

عدن| عملية نهب جديدة تستهدف مخزن أسلحة في معسكر للانتقالي

أعلن معسكر النصر التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي، السبت، عن نهب كميات كبيرة من الأسلحة، فيما يرجع مراقبون عملية النهب...

مقالات ذات صلة