الدوري الذي فقد أغنيته

اخترنا لك

قصة قصيرة:

*لا أستذكرُ في أيِّ مرحلةٍ تعرفتُ عليه ، وبالرغم من ذلك ، مازلتُ أستذكرُ أشياء كثيرة عنه نعم . فقد كان مُنشدًا بارعًا ذا صوتٍ شجي أثنى عليه معلمو الفنون في مدرستي ، وشاطروه  شيئـًا من الإعجاب والذهول .

أما جملته الخاشعة التي كان يُرنِمها بتباكٍ في فترات الفسحة ” لو أنني آلهة السعادةِ لصادقتُ كلَّ   تريح أصادفه ” هي ما لن أنساه عنه ما حييت . ولأنَّ الصدفةَ ترتيبٌ مبهمٌ يلتبسُ بأمورٍ كثيرة ، كالدهشةِ والغموض ، فقد دُهشتُ كثيرًا للقائهِ بعد أعوامٍ مديدةٍ  فقدتُ خلالها شيئـًا من تجارب طفل حرون ماانفك مجربًا  ، ولشدّ ما كان اللقاء غامضًا ومؤلمًا بالنسبةِ إليَّ  .

الدوري الذي فقد أغنيته
“عثتر” (صلاح الدين الروحاني)*:

البارحة فقط . نهضتُ من طاولةِ المقهى مُبكرًا ، وسرتُ مستاءً بمحاذاةِ شارع كئيبٍ ينسابُ صوب محطةِ الباص القديمة ، دونما رغبة في المشي أو الربوض ، دونما رغبة في الصَّمتِ أو الصُّراخ . كلُّ ما كنتُ أفعله هو التدحرج بلا إرادةٍ  تمامًا كإطارِ مركبةٍ تقاذفته صغيرًا . واصلتُ السَّيرَ كجثةٍ قُدِّرَ لها السَّيرُ ، حتى طِلتُ محطةَ الباصِ القديمة . مساحة شاسعة تنضحُ بالمركبات ، وأبواق السائقين ، وروائح التحلل . ومن على دكةٍ مرصوفةٍ تتوسط الساحة  ، انكفأ شاب ضئيل ، كلّ الضآلة ، يُحدِّث نفسه بصوتٍ شبه مسموع، ويُدندنُ لنحنـًا غريبًا ، وفي صوته علائم التَّبلدِ ، علائم الضياع .

كنتُ وقتئذ قد جاورته . توقفت عن المشي ، وطفقتُ مدهوشـًا أراقب حركاتهِ القلقة ، يفغرُ الأرضَ بسبابتهِ ، يُقحمُ كفه في صدرهِ كما تفعلُ العجائز متى أردن كنز المال بين أثدائهن .    ولمَ يفعلُ  ذلك ؟ لنزع الصوف ، يبصقُ في راحتهِ ثمَّ يتأمل ويقهقه للنتيجةِ ، يقضم أصابعه بكلِّ ماله من قوةٍ وارتباك !   بدا مظهر الشَّاب غريبًا ومفزعًا ، سالفاه الأشعثان مخضران بفعل عصارة لزجة تتسرب عن فيه .  صوتٌ أبح متردد كثغاء الجدي ، خصلات الشعر ملبدة بمادةٍ شمعية مقززة ، السخام يملأ وجهه والناصية ، كما يفعل الجُندُ للتمويه ، تبًا أيكون هو حقـًا ؟!  في البدء حدجته بنظرات ذاهلة ولوحته كفي ،ومتى تأكدتُ من شخصهِ تجاسرت لسؤاله وسألت:

– هل عرفتني أيها الصاح  ؟

ظلَّ صامتًا . أقحم كفّهُ في فمه بطريقة مؤثرة ، نظرَ إليَّ بترددٍ كأنما رأى وهمًا . ثمّ عاد للحنهِ وعيناه الناعستان الرحيمتان تطرفان قدمي بشيءٍ من الاستياء  والضيق  .صعدتُ متنَ الحافلةِ ، وجلست على الكرسي في صفها الأخير ، جعلتُ أطالعُ الشَّاب آمِلاً إيجاد وجه للشبه بينه وبين مراهق وسيم قد كان يُنشدُ ألحان النشيد الوطني ، وما شاء من شعر النعمان* في صباحاتنا المدرسية وحتمًا لم أجد لذلك سبيلا ً .

تبًا ، إنه هو حقـًا ! ما الذي حدث لقلبك أيها الصاح ؟ هل اتكأت الحياة أنفاسك ؟ أين هي أغنيتك؟ أين هو شدوك الحقّ ؟ تبًا هو أنت !

نعم سادتي ، كنا صديقين ، مراهقين كنا ، أودع الفقرُ قلبينا قسطًـًا من عناء مؤسف ، نتعلمُ في مدرسةٍ واحدة ، واحدةٍ أجهلتنا الكثير، واحدةٍ جلّ طلابها من طبقة اجتماعية فارهة ؛ فلم نجد لنفسينا عزاءً سِوى تلك الآداب القادمة من بلاد الثـلج . نعم قد كان جوركي وتولستوي رفيقين لنا في المدرسة .    وكأيِّ مراهقين كنا ، نحلمُ بأشياء كثيرة ، ونيأسُ من حدوث أخرى . أحلامٌ كبيرة متعاظمة كأحلام الفقراء . الفقراءُ فريسة اليأس المُثلى ، أحلام كثيرة متطاولة والدَّرب واحدٌ تنتصفه هوّة غائرة .  طالت فترةُ جلوسي في مؤخرةِ الحافلة  ، كنت أتأمل الشّاب و أحدس أفكاره بصمت .       أما هو فظلَّ على حاله  ، يفغر الأرض بخنصره ، يفتل شاربه الزّاغب، يغني .         وعلى حين غرة  ، ومن مقدمة الحافلة ، نزلَ صوت السائق كالصاعقة على مسامع الشّاب  المرتبك ” أنت ، أنت ، يا ابن المُرمِلة**، اجمع الركاب ، أنتَ يا ملعون ، اجمع الرُّكاب ،مجنون ابن مجنون ”

رفع الشّاب رأسه ببطء ، كان مترددًا في النظر إلى الأشياء من حوله ، كأنما شاء غيابها .    نظر إلى السائق الأرعن بعينين ناقمتين باكيتين ، ثمَّ طفق يُصارخُ القادمين من الخلف .    كان أحد الرجال قد وثب عن كرسيه وبصق في الأرض كتعبير عن امتعاضه من فعل السائق ، ومتى هممتُ أنا بالنزول ، تقدم إليَّ الشاب سائلا ً أجرة الطريق ” أنت الحساب إن تكرمت ”    لا أعلم لمَ تخامرني شعورٌ بالارتياح متى مددت يدي ناقدًا كفه الأجرة . ربما لأني لم أعتقد قبلا ً بقدرته على النهوض والاستيعاب ! أو ربما لأني قطعت موقفا من حاله الرث . لا يهم .. ، ما يهم أنني اقتنصت الفرصة لتكرار سؤالي :

– هل عرفتني أيها الصاح ؟

كان الرَّدُ قاسيًا بعض الشيء ، لكنه صادق . قال وهو يلاحظ وجهي ببصره الزائغ :

– وإن عرفتكَ ما الجديد ؟

ما الجديد ؟! ما الجديد ؟!! لا جديد يا صديقي ، لا جديد ، لا جديد سِوى صوتك المبحوح ووجهك المحزون ،لا جديد سِوى شخصك المهزوز وحالك الرث ، لا جديد سِوى  أمانيك الضائعة !  ثم لم يلبث أن عاودَ صراخه بصوت فحيح يبعث في النفس الرهبة والحزن في آن .

أثار صوت الشّاب غروي ، جعلت أطالعه بتمعن وحرص . ما من شكٍ في شخصه  . لكن ، ما بصوته ؟ ما الذي حدث له ؟ هل فقدَ الدُّوري أغنيته ؟ صوت كهذا لا تنطق به حنجرة بشرية . وحدها الوحوش قادرة على ذلك !      ذهبَ صوت الشّاب بعقلي بعيدًا . صوب الذاكرة . فشردت ، وقد وسدت رأسي عمود النافذة ، أستذكر أشياء كثيرة عنه .         ففي المدرسة كان صديقَا مقربًا شأنه الصمت . يصمت لئلا تنفرجَ شفتاهُ بالهذر ، لئلا ينطقَ بغير الشدو والغناء ، وقد كان منذ الوهلة الأولى للقائنا ، تحت سوط معلمٍ ما ، شابًا بسيطًا يكنفُ بين ضلعيه قلب عجوز أبرحته التجارب والمحن  ، أو لنقل كان شقيًا . استشعرت شقاءه ،حينها، من شكل حذائه الممزق ، وزيّه المدرسي المبعثر ، وكيس الأرز المخاط في شكل حقيبةٍ تمتطي ظهره المحدوب .وقد كنت في طفولتي أعتقد أنّ أشدَّ النّاس حزنـًا ، أشدَّ النّاس شقاءً وبصقـًا في وجه الحياة ، هم أولئك الذين تمزقت ثيابهم ، وتقطعت نعالهم ، وتقوست أضلاعهم لأنهم بالطبع ليسوا سِوى فقراء ، ليسوا سوى عديمي حيلة .

نعم  سادتي  ،من موقعي في مؤخرة الحافلة استذكرت الكثير . استذكرت كيف كان ينجو من

سياط المعلمين بأغنية  . كان المعلمون يخيّرونه بينها وبين سوط كفيلٍ بإسقاط فيل ؛ فيشدو كطائر الجنة ، استذكرت كيف تحولت حصص الفيزياء المعملية إلى مهرجان راقص يستعرض خلاله معلم الفيزياء مهاراته في الرقص لجذب انتباه المعلمات ، استذكرت غناءه لقصيدة     ” فتاة الخدر” *** على مسامع معلمة الدين بطلب منها ، وكنا قد حفظنا القصيدة من كتاب بعنوان  ” أحلى 20 قصيدة حب “****  وابتكرنا لها لحنـًا ، استذكرت حديثـًا عابرًا عن نصب  تذكاري يُخلده متى حقق أسطورةً كأسطورةِ  “عبد الوهاب “***** ، استذكرت كيف تراقصن فتيات المدرسة المجاورة لصوته ، كيف خصته العمة فاطمة – بائعة المقصف – بوجبة يومية جزاء صوته ، كيف أخرجه المعلمون من دروسه للفرجة ، كيف تُلغى الإذاعة المدرسية في غيابه ، كيف كان نجيبًا يفقه الكثير ، قرأ الجميع حنجرته فقط ، كيف ، وكيف ، وكيف  استذكرت أشياء كثيرة .

* *

كنت امخر زبد الذكرى حين بدأ الركاب بالتّوافدِ من تلقاء أنفسهم بشكلٍ غير منتظم. كانوا يتوافدون في بطءٍ ، واحدًا واحدًا ، وفي  تلك اللحظة غاب الشَّاب عن ناظري . ترك َ ظلاً وغادر .     فتشت عنه باهتمام بالغ . كيف يختفي كائنٌ بهذه السرعة ؟! سألت سائق الحافلة لم يُجِب .صرخت باسمه لم يرد . ترجلت عن الحافلة لم أجده . يا للخيبة . وما الحل ؟ لا بأس ، لا بأس أزوره في الغد وحتمًا ألتقيه ونتحادث . وعند اليأس من مجيئه أخرجت كتابًا من كيسي وطفقت أقرأ على نور مصباح الحافلة .

لم أكد أكمل صفحة حتى رأيته ، هو ذا ينقر الزجاج بسبابته ، وفي كفه قفص البسكويت     “هيه أنت افتح ” وابتسامة مفاجئة تُسطرُ ثغره .       قال مترددًا :

– أنت حسان .  لقد عرفتك . تزاملنا في المدرسة  ، أعتذر جهلتك ، لكنك تغيرتَ كثيرًا . ما هذا ؟ كتاب ؟! أما زلت تقرأ  ؟ أما أنا فقد انقطعت عن القراءة منذ أمدٍ بعيد ، آخر كتابٍ قرأته كان قُبيل تسعة أعوامٍ من الآن ولست حزينـًا لذلك . لا لست حزينـًا . خذ هذه القطعة . بالله خذ ! من يستحي من بطنه يا رجل ؟!   وأقحم قرصًا من قفص البسكويت في فمي .

بدت كلمات الشَّاب مرتبكةَ ، وفي وجهه حرجٌ وذعر . كان ينطق اللفظ بصعوبة . ما من شيءٍ في شكله يُدلل على انه بخير  .سألته فيما كان يستشعر الكثير من الخجل تجاه شكله غير المرتب :- هل أنت بخير يا صديقي ؟       نظر إليَّ نظرة رجل متعجب وأجاب بطريقة من لا يكترث لشيء .

–  هل أنا بخير ؟ أتسألُ أيها العزيز هل أنا بخير ! صدقني منذ مدة ليست بالقصيرة توقفت عن طرح هذا السؤال على نفسي . أرى أننا نظلُّ بخيرٍ متى حجمنا عن التساؤل به . إنَّ سؤالاً كهذا يعني التعميق من حالة وعينا بطبيعة موقفنا الحالي . الأمر سيان بالنسبة إليَّ ، والحقيقة أنني لا أرتقب شيئـًا من تقلبات حياةٍ لا تحمل أيَّ معنىً . أتدري ، يكفي أن نتجاهل كلَّ شيء ، أقول ، كلَّ شيء كي نحافظَ على مستوى من التقبل لفكرة أننا موجودون ها هنا . أننا أحياء !     نظر الركاب إلى الشًّاب باستغراب و تساؤل ، كيف يُمكن لشاب على هذه الحالة أن يتحدث بطريقةٍ كهذه ؟ كانوا يُبحلقون وجهه فيما هو مسترسلٌ بحديثه دون اكتراث . أردت لحظتها أن أصرخ بهم ” ما بكم تستعجبون لكلامه ؟ لا تنظروا شكله وحسب ، إنه رجلٌ قرأ “زولا”****** عندما كان في الابتدائية فقط ، لا تتعجبوا من قوله ، لا تشقوا عليه ، لا تفعلوا ذلكَ أرجوكم . هو لا يحتمل أكثر من هذا ، لا يحتمل .

– ما الذي تفعله الآن ؟ حسان ، ما الذي تفعله الآن ؟ أخبَرَني احدهم أنكَ أصبحت طبيبًا سألني على حين غفلة من حديثه ، وقد كنت أحدج وجهه بشيء من الإشفاق والتّحسر فأجبت :

– ليس المهم ما أفعله أنا ، المهم ما تفعله أنت .

وما أن طرحت عليه جملتي هذه حتى نظر إلى الأرض ورد بصوت منتحبٍ حزين :

– بالنسبة إليَّ لست شيئـًا ، جلّ ما أفعله هو التعايش مع فكرة أنني لم أصبح أيَّ شيء ، فأنا لم أكُ يومًا جزءًا من شيء . تلك هي حقيقتي . وصدقني لا أبالغ ، لا ، لا ، أنا لا أبالغ ، ولا أنتشي بفكرةٍ يائسة كهذه .صدقني لست ذا شأن .       أما  إذا كنت َ تقصدُ نشاطي اليومي ، كيف أجابِهُ الوقت و الحاجة ، فأنا لا أصنع الكثير ، لا أصنع شيئـًا ، أستيقظ ُ في الصباح دون رغبة ، أتذمر قليلاً ، أبصق في وجهي على المرآة ، ودون رغبة أخطو إلى العمل ، ألتقي ،مرغمًا ،  بهذه الكائنات القلقة ، أشاتمها ، أعاركها ، ارتقب زوالها ، حتى انتصاف الليل ، أعودُ إلى حجرتي ، أُبحلق في شقوق السقف ، ثم أنام . هكذا أُبعثرُ الوقت ، أقطعه ، أنت تعلم . الوقت كالسيف إلم  تقطعه قطعك ! وهأنذا أقطعة كحبة البصل وبلا بكاء . ما رأيك في هذه المقاربة وهذا التشبيه؟! المهم لا علينا ، أسألك جادًا هل أصبحتَ طبيبًا ؟

– نعم ،  أصبحت  . لكن ذلك لا يهمني . قلّي من أخبركَ بهذا ؟ وبالمناسبة هل تلتقي بأصدقائنا القُدامى فايز ، عمار ، حسين ؟

في البدء لم يُجب ، بحلق فيَّ ساخرًا ، وضع كفه الصلب على كتفي بهدوء كما يفعل الآباء حين يستشعرون سذاجة أبنائهم وقال :

– أنت رجل طيب ، أيّ الصداقات تقصد ؟ صدقني بت مؤمنـًا أننا حين نكـوّنُ صداقات إنما نرتكب الحمقَ . حين نُكوِّنُ صداقات إنما نؤجل من ظهور عداوات خارقة . حين نُصادقُ أحدًا إنما نؤجل من ظهور عدوٍ خارق . لا يهم ، لا يهم ، ما من شيء يهم في أمر الإنسان . خذ هذه القطعة أيضًا . خذ أيها الرجل الطيب . خذ  .   أذهلني رده . أمعنت النظر إلى وجهه . وسألته بصوت هادئ . وقد كنت متأثرًا لقوله :

– وأنا ، ماذا عني ؟ ألم نتشاطر الحزن والقوت ؟ الستُ صديقـًا ؟ هلا استثنيتني !

– لا عليك ، لا عليك ، الإنسان يُصبحُ أيَّ شيء . صدقني . إذا لزم الأمر قد تنقلب عدوًا لأقرب أقربائك . وأنا لا ألومك ، لا ألوم الإنسان ، فهذه طبائعه ، وهذه صفاته الدنيئة .

قطعَ الشّاب حديثه بهدوء بالغ . وشرع يُناظر السماء بحزن . كانت عيناه تطلقان وميضًا ناقمًا . وفي صدره هدير بركان غاضب . روحه المنتشية كانت تناجي شيئـًا هنالك ، النجوم ، القمر ، الظلام ، وجه الإله الحزين المحتجب .وهل من حيلةٍ لنفس كئيبة منسية في وجودٍ كهذا سوى التأمل والمناجاة والانتحاب سرًا .

كان ركاب الحافلةِ على حالهم . يُطالعون الشاب بمزيد من التعجب . أما سائق الحافلة فقد شُغل بمسح الزجاج وتلميعه  .وفجأة  شرع الشّاب يُدندن لحنه دون اهتمام بأحد . كان  سائق الحافلة يستمع  إلى الصوت بحماسة لإطلاق تعليق ساخر  وفيما كان الشاب يتذوق ألحانه الهشة صرخ السائق هازئـًا ، وقد أحجم عن رش الزجاج بالرذاذ  ” يا رجل الحمير في القُرى تغني بشكل أفضل  صوتك عار . أسكت ،أسكت ”  تقدم الشاب  نحو السَّائق ، لوح كفه في وجهه وأشار بالصمت  . قهقه السائق وتقافز ضاحكـًا ثم صمت . فإذا بمراهق أدمن برامج الغناء على شاشات التلفزة  يقول ” اذهب وشارك في برامج الغناء ولكن بوصفك ما طور مياه ” ضحك الجميع لقول  المراهق ، وصفق أصدقاؤه ببلاهة ، وسادت برهة من الصمت .

سألت صديقي محاوِلا كسر جمود اللحظة  :

– هل توقفت عن الغِناء ؟

– نعم .

– فيمَ فعلت ذلك ؟ لقد كنت بطلاً ! لقد نِلتَ الكثير من الجوائز والقُبل . كنتَ شيئـًا  !

– كنتُ شيئـًا هه ، صدقني لم أكُ يومًا جزءًا مِن شيء وعسى ألا أكونَ شيئـًا .هي جائزة وحيدة . نلتُ جائزةً من البرونز ، وعندما اشتد الجوع بي حاولت قضمها فعجزت ، ومن يومها قررت نسيانها والبحث عن رغيف حقيقي .  لقد خيرتني الحياة بين الخبز والفنِّ  فاخترت الخبز ، ليس لأنني جاحد بفعل الفنِّ وقدرته على جبر الحياة وتلميعها ، بل لأنَّ  القوتَ أولوية مُلِحة  . تلك هي قناعتي !

– ومتى فقدتَ أغنيتَك ؟ سألت باسمًا .

–  منذ سبعة أعوام بدأت أعمل في مهنةٍ كهذه . زرتُ الكثيرَ من البقاع ، صرخت كثيرًا حتى تفطرت حنجرتي ، في البدء قاومت طويلاً  ؛ لكني سرعان ما بدأت في إصدار أصوات غريبة وبشعة ، وها هو صوتي  ، كما تلاحظ ، يُشابه صوت الدببة متى التسعتْ برياح سيبيريا !

– لمَ لا تحاول العودة ؟ ما المانع ؟ صدقني لا مانع في ذلك .

– صدقني لا فائدة مني ، فقد أحرقت الحياةُ روحي وبصقت في رمادها .

– عد يا صديقي عد . حاول . شرف المحاولة على الأقل .

– ربما أعود يومًا . أتدري  ، سوف أُنشِدُ  زوامل الحرب , صوت كهذا لن يستسيغه عاشقان .صوت كهذا قد تستسيغه الحرب ، والحقيقة أني لا أفكر في أنْ أصبحَ أٍّيَّ شيء.

– ولمَ اليأس ؟

–  ما باليد حيلة .

– أسعيد بوضعية كهذه ؟!

– هل تعتقد بأني سعيد بهذه الوضعية ؟ لا ، لست سعيدًا ، ومتى اجتهدتُ في ردع جيش من الاحازين الغليظة أفشل على الدوام . ومع ذلك ،  لا أهتم ، لا أكترث ، أتدري ، كانت جدتي تقول دائمًا ” على المرء أن يقبع في حدودٍ دقيقةٍ بين الجذلِ والحزن لئلا يطغى الحزن على قلبه ، ولئلا يجعله الفرح عرضةً لصدمات الحياة  ” لا أعلم لمَ انتصب على الدوام في طرفٍ واحدٍ ، طرف المأساة ، لا أعلم لمَ يحدث لي ذلك . أنا رجل غير متطلب ، كنت في المراهقةِ متطلبًا ، أما الآن فلا ، تلك هفوة أعتذر للحياة عنها  ، أرى أن ترك الأحلام الشاطحة هو تعبيرٌ متقدمٌ عن مستوى وعينا بطبيعة الحياة . في المراهقة تيبست مفاصلي من الوقوف على ناصية الحلم . أما الآن فأنا شخص غير متطلب ، شخصٌ لم يجنِ شيئـًا من تطلبه ،لم يجنِ شيئـًا. آخ، آخ ، آخ . أنظر كم أنا ضعيف أشكو إليك بطريقة مذلة . وراح يغني بصوته الغريب .   توجعت كثيرًا لردود الشاب  ، هي موقف تيه مكتمل ، كانت كلماته تندفع عن قلبه جذوة ً، جذوة  . آه لكم هي مؤسفة لحظات الحيرة والتساؤل عن شقاء لا نهاية له !

* * *

بدأ الركاب بالتململ لتأخر السائق عن الرحيل .  أما نحن فكنا مستغرقين في الحديث . وبشكل مفاجئ ، أدار السائق مفتاحه في علبة التشغيل ، لعن الركاب ،  وانطلق دون إشارة مسبقة . حدث ذلك بسرعة خارقة .   كان الشاب يتهيأ لقول جُملٍ كثيرة ، وتهيأت للاستماع بشغف كبير .       وللوداع أخرجت ساعدي من خلال النافذة محاولاً التلويح للشاب . لم أوفق . فقد شُغل بجمع النقد المبثوث  على الأرض . كان سائق الحافلة قد رمى بقطع النقد إلى صدر الشاب بزهو وتكبر .     سارت الحافلة في دربها ، وصرت برحيلها مكتئبًا  ،يا لهذه الصدفة ! هل تفاعلت معها بشكل مرتب ؟ كان هناك الكثير ليُقال ، الكثير لأقول ، ما الحيلة ؟ لا حيلة  .  وبطولِ الدرب طأطأت رأسي ، وبلا وعي شردت أردد جملة صديقي القديمة ” لو أنني آلهة السعادة لصادقتُ كلَّ تريحٍ أصادفه ، وأهديته قلبًا جديدًا كي يكفَ عن البكاء ” وبكيت .

هامش :

– *.  عبد الله عبد الوهاب نعمان (1907- 1982 ) الشاعر اليمني المعروف .

– **. المرأة التي فقدت زوجها ” لفظ دارج “

– ***. قصيدة ماجنة كتبها الشاعر الجاهلي ” المنَخّل اليشكُريّ ” شاعر عاش في فترة حكم “النعمان بن المنذر ” ولم يكتب ِسوى هذه القصيدة كما تروي كتب التراث يُعتقد بأن هذا الشاعر توفي في عام ”  603 م “

– ****.  المقصود هنا كتاب ” أحلى عشرين قصيدة حب في الشعر العربي ” للشاعر والإذاعي المصري       ” فاروق شوشة (1936 – 2016  ) ”  صاحب البرنامج الإذاعي الأشهر ” لغتنا الجميلة ” على إذاعة القاهرة البرنامج العام  “

– ***** . محمد عبد الوهاب (1902- 1991 ) الفنان والملحن المصري المعروف .

– ****** . إميل زولا ( 1840- 1902) الكاتب الفرنسي  المعروف صاحب رواية “جرمينال ”   

Salahald22@outlook.sa

أحدث العناوين

Israeli shelling targets the outskirts of towns in southern Lebanon

Areas in southern Lebanon were subjected to artillery shelling by the Israeli army on Monday, coinciding with bombings carried...

مقالات ذات صلة