في ذكرى وفاته الثامنة عشر: “عبد الله البردّوني”.. المخفي قسرياً..

اخترنا لك

د.صادق القاضي:

أخطر أشكال الوأد، وأفدح أنواع الإخفاء القسري، تلك التي تتعلق بالكتب والنصوص، حيث استهداف الكلمة، استهداف للحقيقة، وتغييبها تغييب للعقل والحرية والجمال.

تاريخنا العربي مثخنٌ بالاغتيالات من كل نوع، بما فيها اغتيال العقول من خلال اغتيال الكتب، بالحرق والتشويه والحظر .. وحتى الإهمال.. اغتيال الكتب، اغتيال لذاكرة الأمة وثروتها وتراثها وحسها الفني والجمالي، ووعيها بالماضي والحاضر والمستقبل..

ومن المخجل أن هذا الأمر ما يزال يحدث في اليمن، وفي مطلع الألفية الثالثة، ومع كتب أحد أبرز معالم الشعر والأدب والثقافة اليمنية المعاصرة: “عبد الله البردّوني”!! .

عبد الله البردوني غني عن التعريف، فقلّما خلا بيت من بعض دواوينه أو كتبه، أو ذاكرة من بعض أبياته.. فهو يمثل قيمة أدبية وقامة إنسانية استثنائية في وجدان وفكر الإنسان اليمني.

كتبَ  البردوني في الشعر  والأدب والنقد والأدب الشعبي والتاريخ الأدبي والسياسية.. وغير ذلك من الجوانب التي احتوتها كتبه النثرية المطبوعة التي هي مثل دواوينه الشعرية أكثر الكتب انتشاراً.. وأهم مفاخر المكتبة اليمنية الحديثة..

إثر وفاته في(30 أغسطس 1999م)  ذكر المقربون منه أنه ترك أعمالاً مخطوطة مات وهي في صندوقه الخشبي الذي كان يحرص على تأمينه جيداً، ذكر هؤلاء عناوينها، كما وردت في مناسبات متفرقة عناوين أخرى، ومن كل ذلك نستخلص القائمة التالية :

1- رحلة ابن من شاب قرناها.( ديوان شعر)

2- العشق على مرافئ القمر. ( ديوان شعر)

3- أحذية السلاطين. (ديوان شعر)

4- العم ميمون. (رواية)

5- الجمهورية اليمنية.(فكر سياسي).

6- الجديد والمتجدد في الأدب اليمني. (أدب ونقد)

7- أحياء في القبور (تراجم)

8- المستطرف الحديث. (مقالات)

9- السيرة الذاتية.

يمكن التشكيك بصحة بعض هذه الأعمال، وافتراض أن للبردوني أعمالاً أخرى لم تذكر في هذه القائمة، وفي كل حال أشار البردوني نفسه إلى بعض عناوين هذه المخطوطات في حياته، ونشر بعضها على شكل مقالات في بعض الصحف، كما وردت في تصريحات بعض المقربين منه، ومقابلاتهم التي لا تخلو من بعض الفجوات والتناقضات.. بجانب مقابلات للبردوني نفسه، ومنها جميعا يمكن وضع تصور عن هذه الأعمال المفقودة كالتالي:

-ديوانا ” العشق في مرافئ القمر ” و” ابن من شاب قرناها ” تضمّنا نتاجه الشعري غير المطبوع كله أو جلّه، وكانا من ضمن ثلاثة مخطوطات منسوخة ومجهزة للطبع، وقد تم تسريب كثير من قصائد هذين الديوانين ونشرها في الملاحق الأدبية، كما يبدو أنهما أصبحا في حوزة وزارة الثقافة على الأقل منذ 2012م، حيث تكفلت الوزارة بطباعتهما حينها، وإن لم يطبعا إلى الآن!!..

أن ما ينشره “ملحق الثورة الثقافي” وغيره، بين فترة وأخرى من قصائد لم تنشر سابقاّ للبردوني هي من هذين الديوانين، ويتوجب على القائمين على الملحق توضيح مصدر تلك القصائد..!

-” أحذية السلاطين”،  ديوان شعر، يقال أن البردوني باع حقوق طبعه لطبيب أو رجل أعمال سوري من أجل دفع تكاليف علاج زوجته الأولى التي توفيت لاحقاً.. ! ولم تذكر المصادر أي معلومات مفيدة عن الرجل السوري، ولا عن العقد المفترض للصفقة، كما اختفى الديوان تماما.!

-“العم ميمون” رواية يتيمة، يبدو أنها كانت جاهزة منذ عام “1992م”، قال عنها البردوني في مقابلة مع صحيفة (الثقافيـة)، “نُشرت في العدد السابع الصادر بتاريخ 2 سبتمبر 1999م”: ” مراجعة وجيدة، وعندما تجد مخرجاً ستخرج إلى الناس؛ لأنها تحتاج إلى فلوس أكثر مما ينبغي”!.

-الجمهورية اليمنية : كتاب في الفكر والتاريخ السياسي الحديث في اليمن، ويبدو استكمالاً لكتابه الشهير “اليمن الجمهوري”، ويفترض أنه يضم كتابات منشورة في بعض الدوريات، عمل البردوني على تنقيحها، وإعدادها للطبع في كتاب.

-أحياء في القبور : لم تنشر مواده في أي صحيفة، كان بعنوان “رجال في القبور” ثم عاد البردوني واستحسن له عنوان: “أحياء في القبور”، وهو كتاب في التراجم يتناول بعضا من أعلام الأدب والفكر في اليمن.

-المستطرف الحديث” ويضم مقالات أسبوعية كانت تنشرها “صحيفة الوحدة” تحت هذا العنوان العام، وتعالج قضايا الواقع الراهن من زاوية ثقافية.

-” الجديد والمتجدد في الأدب اليمني ” كان هذا المخطوط مكوناً من نحو “ألفي صفحة” ويبدو أن البردوني كان يعمل عليه منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويتضمن “دراسات نقدية شاملة لنصوص الحداثة الشعرية في اليمن”.

الجدير بالانتباه هو أن معظم هذه المخطوطات المفقودة، كان يمكن حمايتها من الضياع بطباعتها في حياة مؤلفها، خاصة وبعضها مرت عليه سنوات طويلة دون أن يجد طريقه إلى المطبعة ما يحمل البردوني نفسه جزءا من المسئولية، وفي الواقع يمكن ملاحظة أن البردوني نفسه لم يكن متحمساً كثيرا لطباعة بعضها، فيما حالت حالته المادية البائسة من طباعة بعضها الآخر.

لكن الجزء الأكبر من المسئولية يقع على عاتق أصدقاء البردوني المقربين منه، والذين كان يستعين بهم في كتابة أعماله والجوانب الفنية الأخرى، مثل عبد الإله القدسي ومحمد الشاطبي،  وأيضاً زوجة البردوني الثانية “فتحية الجرافي” وكذلك الدولة .. كل هؤلاء على المحك هنا كشهود أو كمتهمين في هذا الإخفاء القسري لتراث البردوني المفقود.

ليلة وفاة البردوني صرح الشاطبي بأن : “كل الأعمال الخاصة بالراحل موثقة ومحفوظة لدى  مكتبة الكونجرس” !. لكن “عبدالإله القدسي” من جهته نفى صحة هذا التصريح، وقام بتأويل مقاصد صديقه الشاطبي منه، مؤكداَ أن البردوني توفى ومفتاح صندوقه مُثبت على خصره، وأن: “الصندوق قد تم فتحه وإخلاؤه من جميع البحوث والكتب غير المنشورة.. ومصادرة مخطوطاته بعد ساعة من وفاته.

بدورها قالت “فتحية الجرافي” إنها سلمت المخطوطات إلى ” ذوي الشأن في الدولة”! لكن القدسي يشكك  بإفادتها، مؤكداً أنه: “على ثقة بأنها “المخطوطات” لازالت في صندوق البردوني، الذي انتقل المفتاح الخاص به بعد موته إلى زوجته الثانية، والتي امتنعت بدورها عن تسليم الصندوق”!!

المؤكد عموماً أن للبردوني أعمال مخطوطة مفقودة، اختفت يوم وفاته في ملابسات غامضة  أنذرت بخسارة فادحة على الشعر والأدب والثقافة اليمنية المعاصرة، ومن المثير للشعور بالمرارة أن هذه الكتب المخطوطة ما تزال رغم كل المطالبات والمناشدات ذات العلاقة مخفية قسرياً منذ خمسة عشر عاماً..!!

إنها قضية تتعلق بنتاجات عقلية يمنية جبارة، على أصعدة الفن والأدب والتاريخ والسياسة والنقد.. قضية تتعلق بتراث إنساني مهم، وثروة قومية ويمنية نفيسة، لا يجوز التعامل مع اختفائها بصمت، أولا مبالاة..

وسواء كانت الدولة أو الورثة هم المسئولون عن هذا الإخفاء القسري.. فهو يستحق منا جميعاً بعض الاهتمام والتضامن الثقافي والإنساني والسياسي المبدد هنا وهناك..!

القليل من التضامن الذي مُنح ويمنح الكثير منه لقضايا عابرة، يكفي لإطلاق مخطوطات البردوني من الاعتقال، وتمكينها بجانب أخواتها من الخلود..

 

الخبر اليمني/أبجدية

أحدث العناوين

مصدر خاص: صنعاء أجرت مفاوضات حثيثة مع روسيا بشأن توريد القمح لليمنيين

كشف مصدر خاص في حكومة الانّقاذ بالعاصمة صنعاء ، اليوم الثلاثاء ، عن اتصّالات ومفاوضات حثيثة جرت ، خلال...

مقالات ذات صلة