المهرة .. حرب خليجية خليجية جديدة ، التحذيرات ، الآثار السلبية

اخترنا لك

 

 

 

على ما يبدو هناك حرب جديدة تظهر في شرق اليمن ، في محافظة المهرة ، الزاوية الوحيدة الهادئة نسبيا في الدولة اليمنية المحطمة . ظلت المهرة خارج النزاع و الاضطرابات أثناء و بعد انتفاضات 2011 ضد حكم صالح ، و ابتعدت عن آثار الحرب العدوانية بقيادة السعودية و الإمارات 2015 على اليمن . رغم ان الصراع بين أبوظبي و الرياض على المهرة كان جليا منذ بداية الحرب ، لكنه ظهر على الأرض عام 2017 . حين بدأت القوات الإماراتية في توسيع مبادرة الحزام الأمني على كامل جنوب اليمن . المبادرة الإماراتية خلقت الريبة و الشك عند السعودية في نوايا حليفتها في التحالف . من تكرار ما قامت به في المحافظات الأخرى ، من انشطة اعاقة المشاريع السعودية .

عمليا بدأ الصراع السعودي الإماراتي يطفو على السطح . عن هذا الصراع كتبت الخبيرة في شؤون المهرة و الأستاذة بجامعة أوكسفورد / إليزابيث كيندال .. قالت ان التواجد العسكري السعودي في المهرة يمنع الإمارات من الهيمنة على كامل الجنوب طالما المهرة و سقطرى خارج نفوذها . لذا أرسلت السعودية قوات عسكرية بكامل عتادها الثقيل الى المهرة دون وجود أي مبرر للتدخل العسكري غير وقف التمدد الإماراتي نحو محافظة المهرة .

بهذا وجدت المحافظة نفسها متورطة في أحدث حروب الوكالة بين الدول الأعضاء في التحالف و دول مجلس التعاون الخليجي . المبادرة الإماراتية و التدخل السعودي قوبل بالرفض من السلطات المحلية و كذا رفضتها القيادات الوطنية البارزة في المحافظة من بينهم سلطان عبدالله بن عيسى العفر ، قائلا إن المحافظة لديها وسائل الأمن الخاصة . و صرح القيادي البارز والذي يحظى بشعبية واسعة قبليا و شعبيا على مستوى اليمن الشيخ العميد علي سالم الحريزي ، الذي قال ” نحن تحت الاحتلال السعودي ” و واصل حديثه بالقول نحن ” لا نريد السعودية ” . في يناير 2019 وجه الشيخ الحريزي رسالة واضحة إلى القوات السعودية و أكد لهم ان أبناء المهرة جاهزين لأي خيارات .

الشيخ العميد الحريزي معروف بدرايته لشؤون قبائل الصحراء . و كان اللواء محمد قحطان رئيس جبهة الإنقاذ الوطني و عضو مجلس الشورى كان أكثر وضوحا حين قال : تأسيس جبهة إنقاذ وطنية سيكون إضافة نوعية للحراك الشعبي المناهض للاحتلال السعودي الإماراتي في المحافظات الجنوبية و الشرقية ، مؤكدا أنه و بعد ان كان الرفض الشعبي مقتصرا على المهرة فإنه سيتوسع و يتعدد ، نوعا و كما و أسلوبا و سيمنع الاحتلال من الاستفراد بطرف دون البقية .

بالمقابل بذلت الرياض جهود لبناء الثقة و الولاء بين السكان المحليين و المملكة السعودية ، لكن دائما ما تنتهي جهودهم بالفشل . عدم الثقة عميقة و راسخة بين السكان و تتزايد تعقيدا ضد المحتلين السعوديين و الإماراتيين .

أبناء المهرة يدركون ان المساعدات الانسانية و إصلاح البنية التحتية ، و تمويل المدارس و المستشفيات و الكهرباء من قِبل التحالف السعودي. هي مقايضة مع السكان مقابل التنازل عن السيادة الوطنية لصالح الهيمنة السعودية .

التواجد السعودي في المهرة لم يغضب سكانها فقط ، بل أدى إلى صدع في العلاقات مع الجارة عمان ايضا .. ترى مسقط في سيطرة السعودية على جارتها المهرة تهديدا لها ، خصوصا أن هناك روابط و تاريخ و امتداد للقبائل العمانية و المهرية عبر الحدود . التواجد السعودي في المحافظة يشكل ضغط على أبناء المحافظة لإخراج سلطنة عمان .  لكن اليمنيون يدركون أن عمقهم العماني هو الذي جعلهم يصمدون أمام تلك الأطماع . محافظة المهرة هي المنطقة  الوحيدة في اليمن التي تشترك في الحدود مع السعودية و عمان .

اضف الى ذلك ان سلطنة عمان تملك علاقات طيبة مع اليمنيين في المحافظات المجاولاة لها . و لاجل ذلك تسعى السعودية للسيطرة على المعابر الحدودية و المواني للحد من التجارة مع عمان .

إن السيطرة السعودية على المهرة قد تترك تداعيات واسعة و مدمرة على المنطقة إذا واصل المحتل السعودي تعنته و عدم الرضوخ لأمر الواقع . وضعت السعودية خطط لمشاريع البناء الكبرى ، بما في ذلك حول ميناء نشطون في محافظة المهرة و يقع على المحيط الهندي .

إن مشروع بناء خط أنابيب نفط طال انتظاره من السعودية إلى المحيط الهندي عبر أراضي المحافظة ، يعتبر من القضايا الاستراتيجية ، ومد الأنابيب أحد الخروقات في العامل الجيوسياسي و قد يؤدي الى اضطرابات أمنية أو سياسية في المنطقة و يكون لها عواقب و خيمة على أقتصاد و أمن الطاقة العالمي و كذا خطرا على خط انابيب النفط و يعرضه لاعمال غير مرغوبة .

يتزامن العدوان السعودي على المهرة مع تزايد الضغط العالمي على التحالف الذي تقوده السعودية لوقف الحرب المدمرة في اليمن .

تدعي السعودية ان عملياتها التوسعية في المحافظة لاسباب وقف تهريب الأسلحة لانصار الله . ويؤكدون ان إيران تهرب الأسلحة عبر الحدود البرية مع عمان و عبر ميناء نشطون . سلطات المهرة تنفي بشدة هذه المزاعم . المهرة كانت منذ عقود قناة لطريق التهريب ليس فقط بين عمان و اليمن و لكن ايضا بين السعودية و اليمن – كانت تهرب السلع الإستهلاكية في مقابل الكحول و القات ( المنشطات الورقية ). لكن ليس هناك دليل على أن انصار الله يحصلون على الأسلحة من خلال هذه الطرق . في الواقع ان حصول انصار الله على حاجتهم إلى التسليح من الخارج مصدر مشكوك فيه .

يعرف أبناء محافظة المهرة ان مزاعم السعودية هي مبرر فقط  لغزو  محافظتهم للوصول الى شواطئ المحيط الهندي لتصدير النفط ، عبر خط انابيب من السعودية الى المهرة ، حيث يمكن توسيع المواني هناك و تطوير ناقلات النفط و الهروب من مضيق هرمز ، الذي يمر عبره معظم صادرات النفط السعودي الى الأسواق العالمية .

تحذيرات دولية من إحتلال محافظة المهرة

ان الاستراتيجي العماني  عبدالله الجيلاني محقا حين قال ” إن المهرة كانت الفناء الخلفي لسلطنة عمان ، لقد  طورنا الكثير من البنية التحتية هناك ، و لدينا روابط سياسية و اسرية قوية ، المهرة هي المنطقة العازلة التي ظلت هادئة حتى وضع السعوديون و الإماراتيون قواتهم هناك ” . جهات دولية كثيرة حذرت من استمرار التواجد العسكري السعودي في المهرة أقصى شرق اليمن . حيث كتبت صحيفة الاندبندنت البريطانية إن التوترات في محافظة المهرة يمكن ان يكون لها عواقب واسعة النطاق و مدمرة بالنسبة للمنطقة إذا استمر التواجد العسكري هناك .

حاليا صعب التنبؤ بما تحمله الأيام القادمة . مسقط ترفض أي تواجد عسكري  على حدودها مع اليمن و إصرار ابوظبي و الرياض على استكمال أهدافهما . هذا قد يدفع عمان إلى اتخاذ خطوات أبعد من سلاح تحريك الشارع المهري . سلطنة عمان تشعر بالضغط من أجل القبول أو مواجهة تداعيات موقفها . هذا يقلق المسؤولين العمانيين ، من ان تكون عمان الهدف التالي بعد قطر للحصار الذي تقوده السعودية و الإمارات . تعززت المخاوف عند العمانيين بشأن النوايا الإماراتية ، في عام 2011 حين تم الكشف عن خلية تجسس تستخدمها ابوظبي و تكرر مرة اخرى في نوفمبر 2018 و هذا أدى الى انزعاج العمانيين من الإماراتيين ، في نفس الشهر اصدر السلطان قابوس قرارا ملكيا بمنع المواطنين غير العمانيين من امتلاك الأراضي في المناطق الحدودية الإستراتيجية في سلطنة عمان ، بما في ذلك مسندم و كذلك ظفار .

ان اصرار السعودية لتحقيق اهدافها الجيوستراتيجية ، بغض النظر عن الآثار المترتبة عليها . فقد استخدمت السعودية وجودها العسكري هناك للإعلان عن اعتزامها بناء خط انابيب عبر منطقة المهرة و بناء ميناء للنفط على الساحل اليمني . تقوم السعودية حاليا بشحن النفط عبر مضيق هرمز و مضيق باب المندب ، في حين ان خط الأنابيب المقترح سيسمح بالوصول مباشرة الى المحيط الهندي .

الآثار السلبية لاحتلال محافظة المهرة

من مساوئ زعزعة الاستقرار في المهرة ،أنه سوف يؤثر سلبا على استقرار السعودية . هي مهيئة و سهلة .. و هذه الزعزعة سوف تنفذها المعارضة السعودية بنفسها ( الفيت كونغ ) و بدعم غربي أمريكي للحفاظ على مصالحهم . حقا المعارضة ضعيفة و غير فاعلة الآن ، لكن تشكل نواه لتراكم الأحداث . التراكم يؤدي إلى التغيير النوعي أو الكيفي ، هذا ما تقوله الفلسفة المادية الجدلية . هذا ينطبق الآن على الحالة السعودية ، اتساع المعارضة  يؤدي الى زيادة التذمر ، زيادة التذمر يؤدي إلى حالة غضب ، تزايد الغضب يقود إلى تغيير حياة الناس و الشعوب و يقود الى الثورات .

المعارضة السعودية شبيهة بـ ( الفيت كونغ ) تتطلب فقط توحيد جميع النشطاء المعارضين للحكومة . النظام السعودي هـش و مقاومة أنصار الله كشفت ضعفه . من جانب آخر لا يوجد في العصر الحديث دولة تحمل اسم العائلة الحاكمة غير المملكة العربية السعودية . حتى دول الجوار هناك دولة البحرين و دولة الكويت ..الخ أي كيانات سياسية معروفة بمواقعها . المضحك ان المجلة البريطانية الرصينة The Economist  في 18 نوفمبر 1995 لم تجد عبارة تصف بها السعودية سوى القول إنها ” شركة عائلية “. الباحثان بيتر ويلسون و دوجلاس جراهما  في كتابهما ” المملكة السعودية : العاصفة المقبلة – نيويورك 1994م ” يقول المؤلف ” ان الملك عبد العزيز كان يتصرف بالميزانية العامة للمملكة كأنها ميزانيته الشخصية . ولهذا  الاسرة الحاكمة  عند  سماعهم  لمطالب المعارضة بنظام ” الملكية الدستورية ” تصاب بالقلق و الهستيريا لان هذا النظام سوف يحدد سقف للاسرة لا يمكن تجاوزه . سوف يؤسس آليات يصبح معها من الصعب استمرار الحالة على ما هو عليه . رغم ان ” الملكية الدستورية ” لا تشكل ضررا أو خوفا على اسرة آل سعود .

كتب الحقوقي السعودي دكتور متروك فالح في مقاله بعنوان ” الملكية الدستورية : إقصاء أم إعادة تأسيس ” ، يقول بأن الدعوة إلى إنشاء هذا النظام ” لا يعني البته إقصاء آل سعود عن الحكم ” . ثانيا الدولة السعودية لم تتأسس وفق مفهوم الدستور ، بالتالي فهي غير قادرة على التفاعل في المجتمع الحديث و نتيجة هذا الخلل الكبير في الحياة الاجتماعية و السياسية يكون اول ضحاياه هو مبدأ المواطنة ، أي الانسان في المملكة .

الخلاصة : إذا استمرت السعودية و الإمارات في العنجهية و النظرة الفوقية نحو اليمن ، فما على اليمن الا اتخاذ الخيارات الصعبة وهي كثيرة ، منها فتنمة الحرب و أمريكا جربتها لحماية اليمن أرضا و شعبا أو أفغنة الحرب و الأرضية مهيئة لأحد الخيارين .

 

*كاتب و محلل سياسي يمني

أحدث العناوين

Exploding Seven Oil Wells as Official Warns Against Companies Blowing up

The authority of the Presidential Council in Aden revealed, on Monday, the bombing of several oil wells, east of...

مقالات ذات صلة