تحقيق أمريكي رسمي: عمليات اليمن تفضح عيوب البحرية الأميركية في البحر الأحمر

اخترنا لك

تكشف وثائق تحقيقات رسمية للبحرية الأميركية، أُعلن عن نتائجها في ديسمبر 2025، أن حاملة الطائرات «هاري إس. ترومان» ومجموعة السفن المرافقة لها عاشت خلال انتشار واحد في البحر الأحمر وخليج عدن سلسلة من الحوادث الخطيرة التي وصفتها التقارير نفسها بأنها «كان يمكن تجنبها». هذا الاعتراف لا يعني فقط أن ثمة أخطاء مهنية وقعت، بل يقر عمليًا بأن الضغط الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية لم يكن مجرد إرباك عابر، بل عامل مؤثّر أظهر هشاشة تنظيمية وبشرية داخل واحد من أقوى الأساطيل في العالم.
 
بدأت الحكاية مع دفع مجموعة الحاملة إلى البحر الأحمر وخليج عدن لتنفيذ ضربات جوية على الأراضي اليمنية، تحت عنوان «حماية الملاحة» و«التصدي للتهديدات الحوثية» كما تصفها واشنطن. غير أن ما تكشفه التحقيقات الأميركية هو أن هذه القوة التي جاءت لتفرض السيطرة، وجدت نفسها تحت ضغط عملياتي غير مسبوق، إلى درجة أن جزءًا من الخطر الذي أحاط بها لم يعد فقط من خارج التشكيل، بل تولّد من داخله، مع تحوّل الأخطاء البشرية والتعب والإرهاق إلى تهديد مباشر للأفراد والمعدات وحركة السفن والطائرات.
 
تسجل التحقيقات أربع حوادث أساسية وقعت خلال أقل من خمسة أشهر: حادث نيران صديقة أطلقت فيه سفينة أميركية صواريخها على طائرات أميركية، واصطدام الحاملة بسفينة تجارية قرب بورسعيد، وسقوط مقاتلة في البحر أثناء تنفيذ مناورة للهرب من صاروخ يمني، ثم سقوط طائرة أخرى بسبب خلل في منظومة إيقاف الطائرات على سطح الحاملة. وفي كل واقعة من هذه الوقائع، يشير الضباط المحققون بوضوح إلى أن ما حدث لم يكن «سوء حظ» أو صدفة قاسية، بل نتاج مباشر لتراكب الضغط العملياتي وسوء القيادة والارتباك في التخطيط وتراجع معايير السلامة والصيانة.
 
في الخلفية، كانت القوات المسلحة اليمنية تواصل ضرباتها الصاروخية والجوية ضد الأهداف العسكرية والبحرية الأميركية في البحر الأحمر. وتذكر التقارير أن المقاتلات الأميركية أقلعت مرارًا لتنفيذ مهام هجومية داخل اليمن، لكن رد الفعل اليمني جاء أسرع وأكثر كثافة مما وضعه المخططون الأميركيون في حسابهم. فبدل أن تبقى السماء مفتوحة أمام الطيران الأميركي كما اعتادت واشنطن، وجدت مجموعة الحاملة نفسها أمام موجات متتابعة من الصواريخ الباليستية والمضادة للسفن، إضافة إلى الطائرات المسيّرة الهجومية، الأمر الذي فرض على القيادة تعديل الخطط بشكل متواصل، وإبقاء عدد كبير من الطائرات في وضعية الدفاع عن التشكيل لفترات طويلة، على حساب المهام الهجومية.
 
إحدى الليالي التي ترويها التحقيقات بالتفصيل، شهدت انطلاق تشكيلات من مقاتلات «سوبر هورنت» لضرب أهداف في اليمن. لكن الرد اليمني، بحسب الوصف الوارد في التقارير ذاتها، جاء مبكرًا وبكثافة ملحوظة. خلال ساعات قليلة تحولت مجموعة الحاملة إلى هدف لوابل من الصواريخ والمسيّرات، واضطرت غرفة العمليات إلى إعادة توجيه بعض الطائرات العائدة من مهام القصف لتتولى الدفاع الجوي، مع توسيع دوريات الحماية فوق التشكيل البحري. هذا التبديل السريع في المهام وسط ضغط النار أحدث حالة من الفوضى في منظومة القيادة والسيطرة، وانعكس مباشرة على نوعية القرارات المتخذة، إلى حد أن إحدى السفن المرافقة أطلقت صواريخها على طائرات أميركية ظنت أنها أهداف معادية في خضم الارتباك.
 
المشهد الأشد تعبيرًا عن أثر العمليات اليمنية تجسّده حادثة المقاتلة التي سقطت في البحر الأحمر خلال محاولة الحاملة الهروب من صاروخ باليستي يمني. تذكر التحقيقات أن غرفة العمليات تلقت إنذارًا بقدوم صاروخ، فصدرت الأوامر بتنفيذ مناورة حادة: رفع السرعة إلى حدود ثلاثين عقدة مع التفاف قوي لتقليل احتمالات الإصابة. في تلك اللحظة كانت مقاتلة مربوطة بعربة سحب على حافة المصعد الذي يربط سطح الطيران بالحظيرة الداخلية، وقد أزيلت عنها وسائل التثبيت استعدادًا لتحريكها. ومع ميلان الحاملة المفاجئ، وبسبب أرضية وُصفت بأنها «منزلقة» نتيجة تآكل الطبقة المانعة للانزلاق، بدأت الطائرة والعربة في التدحرج نحو الحافة. لم يجد الطيار وسائق العربة سوى القفز لإنقاذ نفسيهما قبل ثوانٍ من سقوط الطائرة والمركبة في البحر. بهذه الصورة المكثفة، تظهر حاملة أميركية تهرب فعليًا من صاروخ يمني، لكنها تدفع ثمن المناورة بخسارة مقاتلة متطورة بسبب خلل في الجاهزية والصيانة وظروف العمل تحت الضغط.
 
وتتوقف التحقيقات عند حادث آخر كاد بدوره يتحول إلى كارثة واسعة النطاق، هو اصطدام «هاري إس. ترومان» بسفينة تجارية قرب ميناء بورسعيد في طريقها إلى قناة السويس. التقرير المعني لا يكتفي بسرد ما حصل، بل يقارن بينه وبين اصطدامي المدمرتين «فيتزجيرالد» و«جون مكّين» عام 2017، موضحًا أن الفارق بين ما وقع وبين تكرار مأساة مشابهة كان مجرد أمتار أو ثوانٍ. لو أن الاصطدام وقع في موضع مختلف قليلًا من هيكل الحاملة، لكان من المحتمل أن يخترق حجرة نوم تضم عشرات البحارة النائمين، أو أن يلحق أضرارًا بمصعد رئيسي للطائرات، وهو ما كان سيشل جزءًا مهمًا من القدرة العملياتية للحاملة.
 
وعند محاولة تفسير أسباب هذا الاصطدام، كما في غيره من الحوادث، يتكرر في شهادات الضباط تعبيرات من نوع «الإرهاق» و«الضغط المستمر» و«الوتيرة العملياتية العالية». يتحدث المستجوَبون عن ثقافة سائدة على متن الحاملة تقوم على شعار «إنجاز المهمة بأي ثمن»، مع ساعات عمل طويلة ونقص في النوم وإجهاد مزمن لأفراد الطاقم. هذا الوضع لم يبقَ حبيس الجانب النفسي، بل انعكس بشكل مباشر على أداء الجسر، وعلى جودة القرارات، وعلى الالتزام الصارم بقواعد الملاحة والاتصال في واحد من أكثر الممرات الملاحية ازدحامًا وحساسية في العالم.
 
من زاوية أوسع، تشير التحقيقات إلى أن المشكلة لا تتعلق بانتشار واحد أو مرحلة عابرة، بل هي جزء من خلل هيكلي تعترف به البحرية الأميركية نفسها. فمسؤول رفيع يشير إلى وجود نحو ثمانية عشر ألف شاغر في طواقم البحر، في وقت تُدفَع فيه سفن حربية إلى مسارح توتر مثل البحر الأحمر. ورغم تأكيد القيادة البحرية أن الوحدات لا تُرسَل إلى القتال إلا بعد اعتبارها «جاهزة»، تكشف الوقائع أن نقص الأفراد، وتخفيض ساعات التدريب، وعدم اكتمال تأهيل المراقبين على الجسر وعلى الأنظمة المعقدة، كلها عوامل تلتقي لتجعل الأداء هشًّا عندما يتعرض لاختبار عملي مثل التحدي اليمني.
 
وتكشف التقارير أيضًا جانبًا لا يقل خطورة مرتبطًا بثقافة الصيانة والرقابة على الأنظمة الحيوية. ففي حادث سقوط المقاتلة الثانية في البحر بسبب عطل في منظومة إيقاف الطائرات عند الهبوط، خلص التحقيق إلى أن القسم المسؤول عن هذه المنظومة انزلق إلى ما وصف بأنه «مستوى فشل كامل» في الالتزام ببرنامج الصيانة المعتمد. قطعة صغيرة لكنها أساسية اختفت من مكانها داخل نظام ميكانيكي حساس، ولم يلتفت أحد إلى غيابها رغم التعاميم والفحوصات الدورية. ضوء إنذار في غرفة التشغيل كان يومض معلنًا حالة «جاهز/غير جاهز»، لكن المشغل اختار أن يجرّب استمرار العمل بدل إعلان سطح الطيران غير صالح للهبوط كما تنص الإجراءات. هنا أيضًا، تتقاطع مسؤولية الأفراد مع ضغط العمليات المستمر، ونقص الطواقم، والسعي إلى الحفاظ على وتيرة عالية للطلعات لتلبية متطلبات المواجهة.
 
في نهاية المطاف، تقود كل هذه التفاصيل الفنية إلى استنتاج واضح يمكن للقارئ العادي أن يلتقطه بسهولة: البحرية الأميركية، بكل ما تمتلكه من حاملات طائرات وأنظمة متقدمة، بدت في البحر الأحمر وهي تواجه اليمن أقل تماسكًا بكثير مما تصوره الخطابات السياسية والإعلامية الأميركية. حاملة تهرب من صاروخ فتخسر طائرة، سفينة تطلق صواريخها على طائراتها الخاصة، حاملة تصطدم بسفينة تجارية في ممر ملاحي معروف، ومقاتلات تسقط لأن برامج الصيانة تحولت إلى أوراق تُوقّع أكثر مما هي إجراءات تُنفذ، وبحّارة يقر قادتهم بأنهم يعملون فوق طاقتهم، تحت نيران متكررة لصواريخ ومسيّرات يمنية.
 
على المستوى العسكري، تحمل هذه التحقيقات ثلاث دلالات أساسية على الأقل. الأولى، أن القوات المسلحة اليمنية نجحت في فرض معادلة جديدة في البحر الأحمر، بحيث لم تعد القطع الأميركية تتحرك كقوة «لا تُمس»، بل صارت مضطرة لحساب رد الفعل اليمني في كل تحرك وكل ضربة. الثانية، أن التفوق التكنولوجي وحده لم يعد ضمانة كافية للنصر أو للسيطرة، فالعنصر البشري – تدريبًا وقيادةً وانضباطًا – ظهر كأحد أهم نقاط الضعف التي تنكشف سريعًا تحت ضغط حرب استنزاف طويلة. الثالثة، أن كلفة الإصرار الأميركي على البقاء العسكري في هذه المنطقة لا تقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو الأهداف التي قصفت داخل اليمن، بل أيضًا بحجم الخسائر في الطائرات والأضرار في السفن، والاعتمادات المالية التي صُرفت لإصلاح الأعطال الميكانيكية والبرمجية، فضلًا عن الأثر المعنوي داخل المؤسسة البحرية نفسها.
 
في الخلاصة، لا يحتاج المتابع إلى كثير عناء ليدرك أن التحقيقات الأميركية، التي أُريد لها ظاهريًا أن تكون أداة لـ«تصحيح الأخطاء»، جاءت في الجوهر وثيقة إضافية على حجم التحول الذي أحدثته الحرب في البحر الأحمر في موازين القوة. فاليمن، الذي يواجه أكبر قوة بحرية في العالم بوسائل صاروخية وجوية غير تقليدية، استطاع أن ينقل المواجهة من مستوى الاشتباك المباشر على سطح البحر إلى مستوى أعمق: مستوى كشف العيوب البنيوية في هذه القوة نفسها، وإجبارها على الاعتراف بأن حاملاتها وسفنها وضباطها وبحارتها يتعثرون عندما يُجبرون على القتال في بيئة لا يملكون التحكّم الكامل بإيقاعها. وهذه الرسالة لا تتوقف عند البحر الأحمر، بل تمتد إلى مجمل حسابات القوة الأميركية في المنطقة بأسرها.

أحدث العناوين

Between death from cold or disease… Gaza’s children are paying the heaviest price for the ongoing war of extermination

In tattered tents that offer no protection from the winter cold or the summer heat, the children of Gaza...

مقالات ذات صلة