فرض “طوفان الأقصى” على العدو الإسرائيلي حاجة ماسة لتحديث استراتيجيات أمنه القومي بشكل شامل للتعامل مع التطورات الكبيرة التي واجهها، وقد كانت جبهة الإسناد اليمنية لغزة واحدة من التطورات الرئيسية التي خلقت هذه الحاجة إلى التحديث، لأن اشتعال هذه الجبهة لم يكن بالحسبان أصلا، وكذلك تأثيراتها الكبرى، بما في ذلك الحصار البحري الذي لم تقتصر تداعياته على الخسائر الاقتصادية، إذ حول “البحر الأحمر” من منطقة نفوذ أساسية للأمن القومي الإسرائيلي ولمشروع الهيمنة على الإقليم، إلى ساحة تهديد بنفس الدرجة من الأهمية والتأثير، وهو ما تعكسه بوضوح اليوم طبيعة المحاولات الإسرائيلية الحثيثة لصياغة استراتيجية جديدة للتعامل مع هذا التهديد.
في أغسطس الماضي نشر مركز أبحاث الأمن القومي في تل أبيب مذكرة من نحو 70 صفحة بعنوان “إسرائيل في ساحة البحر الأحمر: استراتيجية بحرية محدثة” أعدها اثنان من أبرز باحثيه، وهما يوفال أيالون الرئيس السابق لحوض بناء السفن في البحرية الإسرائيلية، ويوئيل جوزانسكي العضو السابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، وقد تناولت المذكرة حاجة إسرائيل إلى “صياغة مفهوم استراتيجي طويل الأمد للتعامل مع البحر الأحمر كأكثر من مجرد ساحة أمنية” معتبرة أن هذه الحاجة أصبحت “ركيزة أساسية للأمن القومي الإسرائيلي”، ولتلبيتها يجب أن تكون إسرائيل جزءا من تحالف إقليمي واسع يجعل دول المنطقة “شريكة في العقيدة الأمنية لإسرائيل” ويرسخ النفوذ والتواجد الإسرائيلي في البحر الأحمر كـ”أصل استراتيجي” بالنسبة للمنطقة كلها.
الأمر لا يتعلق بطموحات توسعية معزولة عن سياق الأحداث، فالمذكرة الموجهة إلى صناع القرار في كيان العدو تهدف في الأساس لتقديم حل للمشكلة الكبرى التي جسدتها العمليات البحرية اليمنية خلال العامين الماضيين وجسدها إغلاق ميناء أم الرشراش، البوابة الجنوبية لإسرائيل، وهي مشكلة فقدان البحر الأحمر كـ”ساحة استراتيجية تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية، والاقتصاد العالمي، والتنافس بين القوى العظمى، والمخاطر الأمنية غير العادية”.
ترى المذكرة أن صنعاء وفرت للمشروع المناهض لإسرائيل “نفوذا استراتيجيا” في البحر الأحمر وتقول: “إن الحوثيين اليوم فاعل مسلح يتمتع بقدرة دولية على المناورة، ويظهرون مزيجا خطيرا من القدرات العسكرية المتنامية، والأيديولوجية المتطرفة، والاستعداد لتقويض النظام الإقليمي من أجل اعتباراتهم السياسية والاستراتيجية، وفي ضوء ذلك، لا يمكن اقتصار التعامل معهم على الأدوات العسكرية الكلاسيكية فقط، بل من الضروري شن حملة متعددة الأبعاد عسكرية، دبلوماسية، اقتصادية، ودعائية، للحد من نفوذهم واستعادة الاستقرار للبحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية بأكملها”.
اقرأ أيضا:ما الذي تعلّمه الأمريكيون في معركة البحر الأحمر؟!
وتضيف أنه: ” من مصلحة إسرائيل أن تعرض النضال ضد الحوثيين – بما في ذلك النضال من أجل حرية الملاحة – كصراع واسع ومهم لجميع الشركاء، ويجب أن تكون المواجهة شاملة: عسكرية ودبلوماسية واقتصادية وتكنولوجية، وإلا ستكون الحلول مؤقتة وجزئية، وستكون هناك تهديدات إضافية من جيش الحوثيين أو من مناطق أخرى في البحر الأحمر”.
يؤكد هذ الطرح أن الجبهة البحرية اليمنية المساندة لغزة وضعت العدو أمام تهديد لا يقتصر على قطع سلسلة التوريد، بل ينتزع ساحة نفوذ إقليمية أساسية بشكل يترتب عليه انكشاف استراتيجي خطير يمس إسرائيل ككيان يحتاج بطبيعة مشروعه إلى الهيمنة والسيطرة على المنطقة.
وهذه النظرة تظهر أبعادا ربما لم تتم ملاحظتها كثيرا من قبل فيما يتعلق حاجة كيان العدو إلى “التعاون” الإقليمي الشامل في مواجهة الجبهة اليمنية، فإسرائيل لا تبحث فقط عن تقاسم أعباء المواجهة مع اليمن مع أطراف أخرى، أو سد فجوة البعد الجغرافي لليمن، بل يبدو بوضوح أنها ترى الواقع الجيوسياسي الجديد الذي فرضته السيطرة اليمنية على البحر الأحمر كعقبة كبيرة أمام مستقبل علاقاتها مع دول المنطقة وأمام حضورها وتأثيرها الإقليمي من خلال مشاريع التطبيع وعنوان “مواجهة إيران”، وبالتالي ترى أن عليها تدارك الأمر من خلال إعادة جذب المنطقة إلى “العقيدة الإسرائيلية” وعدم السماح بانزلاقها نحو القبول بالتحول الجديد.
في أكتوبر 2024، نشر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أيضا تقريرا شارك في إعداده الباحثان اللذان أعدا المذكرة سالفة الذكر، وقد سلط ذلك التقرير الضوء على الموقف الإقليمي من العمليات البحرية اليمنية، زاعما أنه “بسبب خوف الدول العربية من إيران وشركاءها، رفضت الانضمام علنا إلى التحالف الذي أنشأته الولايات المتحدة في البحر الأحمر، بل وحتى إدانة هجمات الحوثيين، وأعربت عن تفضيلها للحلول الدبلوماسية، ومعظم هذه الدول تعلن أن جذر الأزمة الحالية في البحر الأحمر يكمن في قطاع غزة، وليس في المواجهة مع إيران”.
وفي يناير الماضي كتب العميد (احتياط) يوفال أيالون، وهو باحث أول في معهد الأمن القومي ورئيس سابق لقسم الاستخبارات في البحرية الإسرائيلية، عن أهمية التحالف مع الدول العربية لإزالة خطر التهديد البحري اليمني، وقال: “كلما أسرعنا في تحليل الوضع، وبناء القدرات الملائمة للتأثير والعمل، والتواجد في البحر الأحمر، زادت أهميتنا للشركاء الحاليين والمستقبليين” مضيفا أن هذا التحالف سيساعد على التعامل مع إيران.
لقد جرت العادة على النظر إلى حاجة إسرائيل لشركاء إقليميين في مواجهة اليمن، باعتبار أنها نابعة من صعوبة التعامل بشكل مستقل مع هذا التهديد، وهو أمر ملموس لا يمكن إنكاره لكنه ليس كل شيء، إذ يبدو أن العدو حريص على عدم السماح للمنطقة بأن تعزل نفسها ولو جزئيا عن اعتبارات “أمنه القومي”، أو أن “تطبّع” مع واقع وجود قوة جديدة قادرة على فرض سيادة حقيقية على منطقة بالغة الأهمية مثل البحر الأحمر.
وفيما يقدم الإسرائيليون مسألة التعاون مع دول المنطقة في البحر الأحمر كـ “فرصة” يجب استغلالها باعتبار أن جميع الأطراف في المنطقة تريد أن تتخلص من “أنصار الله” ومن السيطرة اليمنية على البحر الأحمر، وتريد مواجهة إيران، فإن هذا التوصيف مضلل نوعا ما، إذ تتباين رغبات دول المنطقة ومخاوفها بشكل واضح فيما يتعلق باليمن وإيران، وحتى داخل القوى الخليجية التي تعادي صنعاء بشكل واضح يوجد تباين بشأن سقف الانخراط في تصعيد ضد اليمن، كما أنه وفقا للسريدة الإسرائيلية سيكون على كيان العدو أن يضمن بشكل قاطع أن “التعاون” الذي يسعى إليه سيحسم كل شيء، ويحقق الرغبات المشتركة (افتراضا) للجميع ويحميهم من التداعيات والانزلاق إلى صراع أوسع وطويل الأمد، وهذا أمر غير ممكن.
صحيح أن بعض الدول العربية لا تمانع التعاون مع إسرائيل ضد اليمن وتقوم بذلك فعلا على مستويات معينة، كما تشاركه نفس الموقف تجاه محور المقاومة، لكن “التحالف الواسع” الذي يتحدث عنه الإسرائيليون بسقف “مواجهة شاملة” ليس مجرد “فرصة” سانحة تنتظر تحركا من كيان العدو، بل حاجة استراتيجية يريد أن يلبيها وأن يصنع بنفسه الفرص المناسبة للوصول إليها، بهدف أن تكون المنطقة منخرطة تماما في خدمة أمنه القومي كأولوية، وألا يكون لديها مساحة لتتصرف وفقا لمصالحها التي تجعلها تفضل عدم المشاركة الكاملة في تحالف أمريكي لقصف اليمن أو تتحرج من أن تبدو في العلن كداعمة لإسرائيل.
هذا ما توضحه التوصيات التي يقدمها الباحثون الإسرائيليون فيما يتعلق بالتعاون الإقليمي الشامل، حيث لا ترسم هذه التوصيات صورة لأي تعاون حقيقي، بل لعملية تجنيد لدول المنطقة وسيطرة كبيرة عليها من أجل خدمة الأمن القومي الإسرائيلي فقط، وليس من أجل منافع متبادلة حقيقية، فالمسألة كلها مبنية على أساس أن المصلحة العامة هنا هي مواجهة أعداء إسرائيل باعتبارهم أعداء للجميع.

على سبيل المثال، تقترح مذكرة معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أن يتم تطوير إيلات ومينائها كمركز لوجستي إقليمي، سواء كطريق للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، أو كمحطة للبنية التحتية للاتصالات (كابلات الانترنت) بهدف ربط اقتصاد المنطقة بإسرائيل، وهو مقترح لم تنفرد به هذه المذكرة، ففي مجموعة أوراق نشرها مركز أبحاث السياسات والاستراتيجيات البحرية الإسرائيلي تحت عنوان (التقييم الاستراتيجي البحري لإسرائيل 2023/24)، اقترح عدد من الباحثين والخبراء الإسرائيليين مثل هذا الأمر، وقال الباحث نير ماور، إنه من خلال تنفيذ ذلك “ستتمكن إسرائيل من استخدام الضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري الجماعي لهؤلاء الشركاء لمواجهة أي تهديد” في البحر الأحمر.
ويقترح معهد الأمن القومي بتل أبيب “تحويل الأسطول الإسرائيلي إلى أصل استراتيجي في البحر الأحمر” وذلك من خلال الاندماج في العمليات والتحالفات البحرية الإقليمية والدولية المتواجدة بالمنطقة تحت مظلة “القيادة المركزية الأمريكية”، بشكل يتيح استغلال موانئ الشركاء وأراضيهم وقواعدهم وإمكاناتهم الاستخباراتية للعمل بحرية، وذلك في مقابل إغراء الاستفادة من القدرات الإسرائيلية المتطورة وكذلك تحديث بعض البنى التحتية بما يلائم الأسطول الإسرائيلي، وطبعا كل ذلك محكومة باعتبارات المصلحة الإسرائيلية فقط، كما تؤكد المذكرة بشكل صريح.
والحقيقة أن مضمون هذه التوصيات ليس جديدا تماما، حيث يذكر الباحث الإسرائيلي نير ماور أنه “في خمسينيات القرن الماضي، بعد حرب سيناء، عندما فتح مضيق تيران أمام الشحن الإسرائيلي، سارعت إسرائيل لتحقيق إنجاز بناء خط أنابيب نفط من إيلات شمالا، وكان الهدف هو تأسيس وتنفيذ حجة بأن حرية الملاحة في المضيق كانت حاجة استراتيجية لدولة إسرائيل، وإثارة اهتمام الدول الأخرى في المشروع من أجل دخولهم كشركاء في المصالح”.
ويقول الباحث الإسرائيلي إيهود جولان -في ورقة نشرها مركز السياسات والاستراتيجيات البحرية أيضا- إن “القيادة الأمنية والسياسية الإسرائيلية كانت لسنوات على دراية بتهديد محتمل لحرية الملاحة في البحر الأحمر، وحاولت معالجة ذلك بعدة طرق، حيث طورت إسرائيل علاقات أمنية مع تركيا وإيران وإثيوبيا بدءا من عام 1957، كجزء من استراتيجية تحالف خارجي، وكان من اعتبارات تقوية العلاقات مع إثيوبيا القرب من مضيق باب المندب (كانت إرتيريا لا تزال جزءا من إثيوبيا).
ويضيف جولان: قدمت إسرائيل لإثيوبيا مساعدات واسعة في مجالات الاستخبارات والأمن والاقتصاد، وفي منتصف الستينيات، كان هناك وجود إسرائيلي لفترة في القاعدة البحرية الإثيوبية في عصب، كما بنت إسرائيل مهبطا سريا في إثيوبيا حتى تتمكن طائرات القوات الجوية من العمل في منطقة باب المندب إذا لزم الأمر، ومع ذلك، فشلت محاولة توقيع تحالف عسكري أو اتفاق رسمي بين إسرائيل وإثيوبيا”.
ويضيف أن هذه الإجراءات “لم تكن ذات صلة، عندما اندلعت حرب يوم الغفران، حيث قطعت إثيوبيا العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في نهاية الحرب، وكانت القوات الجوية تحت ضغط شديد، ولم تكن هناك زوارق صواريخ إسرائيلية في البحر الأحمر”.
إن البحر الأحمر كمنطقة نفوذ استراتيجية كان حاضرا في حسابات الإسرائيليين منذ عقود، ويمكن القول إن الحصار البحري اليمني وضع كيان العدو أمام حقيقة أن هذه الحسابات قد طويت الآن بشكل نهائي، ولذلك كانت خلاصة ما توصل إليه المفكرون الإسرائيليون اليوم لمواجهة هذه الصدمة هي الاندفاع لإكمال الطريق الذي حاول “المؤسسون” فتحه للسيطرة على البحر الأحمر، وتثبيته كجزء أساسي من مشروع “إسرائيل” ككيان وقوة مهيمنة، باعتبار أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لإجهاض التحول الجيوسياسي الجديد الذي يجعل هذا المشروع ناقصا، ويهدد بقية أجزاءه.


