اتفاق الأسرى وإغلاق المطار.. كيف يمكن توجيه مسار التهدئة بعيدا عن حلقة المماطلة السعودية؟

اخترنا لك

| ضرار الطيب

برزت خلال الأيام الأخيرة مؤشرات متناقضة فيما يتعلق بملف السلام بين صنعاء والرياض، فبالتوازي مع الكشف عن رفض سعودي لتشغيل مطار صنعاء الدولي، تم الإعلان عن التوصل إلى صفقة كبرى لتبادل الأسرى ضمن “اتفاق شامل”، وهو تناقض يعكس استمرار تأرجح الرياض بين مساري التصعيد والسلام الشامل، لكنه يسلط في الوقت نفسه الضوء على فرص صنعاء للتأثير على الموقف السعودي في إطار التهدئة المستمرة، بما يساعد على جعل حالة الـ”لا حرب ولا سلام” أقل سلبية.

خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الوراء:

يعد ملف الأسرى ملفا إنسانيا بشكل كامل، ولكن السعودية قد ربطته منذ سنوات باعتبارات سياسية، ولذلك لم تنجح أي محاولات لحل هذا الملف على قاعدة “الكل بالكل”، وجاءت كل الصفقات الجزئية المتفق عليها رسميا في إطار “إبداء حسن نوايا” بشأن خفض التصعيد، أو تنفيس ضغوط معينة من قبل صنعاء، أو كسب الوقت، وما إلى ذلك.

لا يمكن إنكار حقيقة أن الصفقة الأخيرة التي تم إعلانها في 23 ديسمبر تشكل انفراجة مهمة في هذا الملف، أولا من حيث حجم الصفقة (2900 أسير) وثانيا من حيث كونها جزءا من “اتفاق شامل” تم التوقيع عليه، حسب تصريحات رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى عبد القادر المرتضى، ومع ذلك فإن القيمة الفعلية لهذه الصفقة سيحددها التنفيذ ثم إتمام بقية الاتفاق.

بالطبع، سواء تم تنفيذ هذه الصفقة والتوجه الجاد نحو إتمام بقية الاتفاق، أو تم تنفيذها ثم تعليق بقية الاتفاق، فإن إصرار السعودية على ربط ملف الأسرى باعتبارات سياسية سيبقى حاضرا بقوة، وهذا ما يشير إليه بوضوح تصريح السفير السعودي محمد آل جابر بأن الاتفاق الأخير “يعزز جهود التهدئة وبناء الثقة في اليمن”، إذ يؤكد هذا التصريح أن التوصل إلى هذا الاتفاق كان مرتبطا بالحاجة إلى الحفاظ على هذه “التهدئة” التي لا تريد السعودية التفريط بها بعد، حتى وإن لم تكن مستعدة للانتقال منها إلى حالة “سلام” فعلية، وهو ما يشير بدوره إلى أن ضغوط من قبل صنعاء أجبرت السعودية على إبرام هذه الصفقة بلا شك، ولا يمنع ذلك وجود اعتبارات إضافية.

لم يكن هناك خلال الفترة الماضية مسار ضغط معلن من قبل صنعاء بشأن ملف الأسرى بشكل خاص، لكن كان هناك سخط شعبي كبير إزاء استمرار حالة المماطلة السعودية في تنفيذ تفاهمات معالجة الملفات الإنسانية، وكانت هناك تحذيرات واضحة من صنعاء بأنه لن يتم القبول بـ “استمرار المعاناة” وأن معادلة “الميناء بالميناء” قد يتم تفعيلها ردا على مساعي تضييق وصول السلع والبضائع، وهي تحذيرات تزامنت مع تصاعد مساع غربية شاركت فيها السعودية لاعتراض السفن المتجهة إلى موانئ الحديدة.

ولن تكون هذه المرة الأولى التي تقود فيها التوترات والضغوط إلى صفقة تبادل أسرى، ففي 2020 كان الضغط العسكري على جبهة مأرب سببا رئيسيا في إبرام صفقة تبادل كبيرة، حسب ما صرح متحدث القوات المسلحة اليمنية وقتها.

ستكون السرعة في تنفيذ الصفقة، وكذلك التوجه نحو إتمام بقية الاتفاق، من أهم العوامل التي توضح تفاصيل الخلفية السياسية للموقف السعودي، لأن حدوث تأخيرات كبيرة، أو تنفيذ الصفقة وتعليق بقية الاتفاق، سيشير بوضوح إلى أن الرياض تريد فقط أن تضمن عدم نفاد صبر صنعاء، أو تهدئة السخط الشعبي قليلا، أو حتى كسب وقت و”غطاء” لتحضيرات تصعيدية، لكن المسارعة في إتمام الاتفاق كاملا قد تشير إلى تقدم مهم في تفاهمات الملف الإنساني، أو إلى وجود ضغط كبير من قبل صنعاء.

ومع ذلك فالقيمة السياسية لمعالجة ملف الأسرى (حتى ولو بشكل كامل) ستبقى مرتبطة أيضا بالتقدم في الملفات الإنسانية الأخرى، فالمعلومات التي كشفتها إدارة مطار صنعاء مؤخرا عن رفض السعودية استئناف تشغيل مطار صنعاء، ومنع شركات الطيران من العمل في المطار كبديل عن الخطوط الجوية اليمنية التي تم تدمير جميع طائراتها العاملة في المطار بالغارات العدوانية الإسرائيلية، تشير إلى أن الرياض ليست حريصة كثيرا على المضي قدما في التفاهمات الإنسانية، بل إنها تتعمد اتخاذ خطوة إلى الوراء مقابل كل خطوة إلى الأمام، للحفاظ على دوامة المماطلة وتسييس كل الاستحقاقات الانسانية قدر الإمكان.

الحجة التي تستند إليها الرياض في رفض تشغيل مطار صنعاء، هي على الأرجح أن طيران “اليمنية” يجب أن تكون الناقل الجوي الوحيد في المطار، وهذه محاولة واضحة ونمطية لتحويل المسألة إلى خلاف داخلي بين صنعاء والحكومة الموالية للرياض، والهدف -نظرا إلى التجارب السابقة- هو فتح مسار مساومة جديد تكون فيه الموافقة على تشغيل المطار بطائرات بديلة، أو حتى نقل بعض طائرات اليمنية إلى صنعاء، ورقة تستخدم لاحقا لتجنب تصاعد ضغط جديد من قبل صنعاء، أو تهدئة توترات معينة قد تؤثر على استمرار “التهدئة”، بدون الحاجة إلى الدخول في تفاهمات أكثر تقدما، مثل إضافة وجهات جديدة لرحلات المطار.

والحقيقة أن اتفاق الأسرى لا يزال أيضا معرضا للوقوع في دوامة المماطلة والمساومة هذه، فقد تعمد السفير السعودي آل جابر أن يصوره على أنه اتفاق بين صنعاء وخصومها المحليين، وهي الرواية التي التزم بها الإعلام السعودي، في محاولة ليست جديدة لإضفاء صفة “الوسيط” على السعودية، وفيما يرى البعض أن هذه مجرد محاولة للتضليل الإعلامي، فقد ثبت بالفعل أن الرياض تحاول أن توجه مسار التفاهمات دائما نحو مربع (يمني-يمني) للتنصل عن الالتزامات أو تأخير تنفيذ تلك التفاهمات في العديد من الملفات، بما في ذلك ملف الأسرى نفسه، حيث كانت العراقيل التي واجهها هذا الملف طيلة الفترة الماضية نابعة بشكل كبير من إصرار السعودية على التهرب من مسؤولية حسم هذا الملف وإلقاءها على عاتق المليشيات المتعددة التي يصعب التعامل معها.

ويشير تصريح المرتضى، رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى، بأن “الإفراج عن الأسرى السعوديين يشكل ضمانة لتنفيذ الاتفاق” إلى أن تحمل السعودية للمسؤولية كطرف رئيسي هو عامل أساسي في نجاح الصفقة الأخيرة، كما أن تحذير المرتضى من أن “الإشكاليات الناتجة عن تعدد أطراف الجانب الآخر” قد تؤخر تنفيذ الاتفاق، يشير بوضوح إلى مساحة المناورة التي تستغل فيها السعودية مضمون دعاية “الوساطة” لعرقلة التفاهمات.

توجيه مسار التهدئة:

بشكل عام، تشكل صفقة تبادل الأسرى ومنع تشغيل مطار صنعاء “تفاعلا” سعوديا مع الضغوط الشعبية والرسمية الوطنية لإنهاء حالة المماطلة في معالجة الملفات الإنسانية، وهذا التفاعل مهم لقياس الموقف السعودي، والنتيجة حتى الآن هي أن الرياض لازالت حريصة على البقاء في هامش المناورة الذي توفره حالة التهدئة، وأنها لن تميل نحو مسار السلام إلا اضطرارا وبقدر ما تشعر به من ضغوط. 

في الوقت نفسه، تكشف هذه النتيجة عن وجود فرصة أمام صنعاء لاستغلال هامش المناورة هذا لمصلحة الشعب اليمني، في حالة أن التهدئة قد أصبحت أعلى سقف ممكن حاليا، وأن إجبار السعودية الانتقال إلى السلام الشامل دفعة واحدة قد يكون متعسرا في ظل أولويات الصراع الإقليمي الأوسع، وأن التصعيد ضد السعودية صار مرهونا فقط بوجود تصعيد سعودي واضح وكبير.

قد لا تحتاج صنعاء للبدء مباشرة بقصف “أرامكو” أو حتى التهديد بذلك، لتدفع الرياض نحو رفع الحظر عن مطار صنعاء، ثم توسيع وجهاته، بل ربما يكفي أن تحافظ على حيوية واستمرارية مسار الضغط الشعبي والرسمي (الناعم إن جاز التعبير) لتخفيف المعاناة الإنسانية في اليمن بما يكفي لجعل استمرار التهدئة مرتبط دائما باستمرار معالجة استحقاقات الشعب اليمني، وجعل السعودية تشعر بحاجة متواصلة إلى توسيع التفاهمات، ولكن بدون الانجرار نحو تجزئة ملفات أساسية تجب معالجتها كاملة، أو الإضرار بأولويات الصراع الأوسع مع جبهة العدو الإسرائيلي.

إن هذا المسار لا يتعارض مع موقف صنعاء في الحرص على السلام وتجنب التصعيد ما أمكن، بل ينسجم مع هذا الموقف تماما كونه يشكل دفعا تدريجيا نحو الحل الشامل، ليس بمنطق “القوة”، بل بمنطق المشروعية والضرورة وما هو “ممكن” دبلوماسيا، كما أن هذا المسار ينسجم أيضا مع الموقف الوطني العام الذي لا يسلم بتأجيل معالجة الملفات الإنسانية إلى أجل غير مسمى كأمر واقع، ولا يقبل بإبقاء هذه الملفات كأوراق ضغط بيد السعودية، وبالتالي بيد الجبهة الإسرائيلية الأمريكية، وانتظار أن تُستخدم هذه الأوراق في تصعيد ما.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إبقاء مسارات الضغط الشعبية والرسمية الناعمة على السعودية يمكن أن يساعد على استكشاف سقوف واعتبارات الموقف السعودي تجاه ملف السلام مع اليمن من خلال قياس ردود الفعل السعودية، وهو أمر مهم لدراسة السلوك السعودي بشكل أعمق، وتطوير السياسات الوطنية بناء على ذلك.

وقد يساعد ذلك أيضا على تضييق هامش المناورة لدى السعودية ضمن حالة التهدئة، خصوصا وأن هذا الأمر يرتبط بمجريات الصراع الأوسع، فقد حاولت الرياض بالفعل أن تستغل هذا الهامش لمصلحة الأمريكيين والإسرائيليين، وبرغم أن قوة الردع اليمنية نجحت في إفشال العديد من هذه المحاولات، فإن الضغط المستمر قد يجهض هذه المحاولات بشكل مبكر، وقد يجعل مسألة الضغط على الرياض بالنسبة للأمريكيين والصهاينة لتجنيدها ضد اليمن أكثر تعقيدا مما هي عليه الآن.

لقد أكد السيد عبد الملك الحوثي أنه يمكن التعامل مع كل الملفات في إطار الموقف العام في الصراع مع جبهة العدو الإسرائيلي، وتضييق مساحة استغلال الحقوق الإنسانية للشعب اليمني من قبل الأعداء في إطار هذا الصراع هو أمر مهم، وفي ظل فترة وقف إطلاق النار في غزة بالذات، فإن السعي لدفع السعودية نحو المزيد من التفاهمات من خلال الضغط المستمر والمنظم على مستوى التحرك الدبلوماسي والسياسي والإعلامي والتعبوي والجماهيري، قد يقلل الكثير من سلبيات حالة الـ”لا حرب ولا سلام” التي يشتكي منها الجميع، وقد شكلت صفقة تبادل الأسرى دليلا واضحا على إمكانية تحقيق اختراقات إيجابية من خلال هذا الضغط.

قد يجادل البعض أن مثل هذا الضغط سيدفع السعودية نحو التصعيد، لكن الحقيقة هي أن الرياض منذ عامين تميل بشكل متزايد نحو خط التصعيد، وهذا الضغط يهدف لإعادتها إلى مربع الحلول السلمية، وإذا كانت الرياض مستعدة للدخول في مواجهة لأن صنعاء تضغط من اجل تفاهمات إنسانية كإعادة تشغيل مطار صنعاء وتوسيع وجهاته، فهذا يعني أنها أكثر تعنتا من أن “يشجعها” تخفيف الضغوط على المضي نحو السلام، بل سيشجعها ذلك على مواصلة تحين الفرص لمضاعفة معاناة اليمنيين، وهو أمر تحتاج صنعاء لوضع حد له.

أحدث العناوين

Director of Al-Shifa Hospital: We have lost half of the kidney patients in Gaza, and deaths continue daily

Dr. Muhammad Abu Salmiya, director of Al-Shifa Medical Complex in the Gaza Strip, stated that the cessation of bombing...

مقالات ذات صلة