التعويل على ضربة خاطفة ضد إيران سوء تقدير لقدرات طهران العسكرية

اخترنا لك

| فاطمة عواد الجبوري*

في الخطاب الاستراتيجي الأمريكي، ولا سيما في عهد دونالد ترامب، يظهر افتراض مركزي يتكرر بشكل دائم أن ضربة سريعة ومركزة قادرة على إعادة إيران إلى موقع دفاعي، وفرض وقائع سياسية جديدة قبل أن تتمكن من الرد المنظم. غير أن هذا التصور يصطدم بواقع مختلف تماما عند النظر إلى طبيعة القوة التي راكمتها طهران خلال العقود الأربعة الماضية. فإيران لم تبنِ منظومتها الأمنية بوصفها دولة تنتظر الحرب التقليدية على حدودها، بل بوصفها لاعبا إقليميا يفكر بمنطق الشبكات، والامتداد الجغرافي، وتعدد أدوات الرد، وتحويل كل مواجهة إلى معركة استنزاف استراتيجية طويلة المدى.الاستعداد الإيراني لا يقوم على رد الفعل الآني، بل على مراقبة دقيقة واستباق سياسي وعسكري. وهذا ما عبّر عنه بوضوح مسؤول عسكري كبير في مقر خاتم الأنبياء المركزي حين قال بأن بلاده ترصد أي تحركات للأعداء التي من الممكن أن تهدد أمنها القومي ولا تقتصر على ذلك بل تراقب ظروف تشكل هذا التهديد. هذه العبارة تختصر فلسفة كاملة فلا مفاجآت في بيئة ترى فيها إيران نفسها محاطة بقواعد وقوى معادية، ولا انتظار حتى تتبلور التهديدات، بل تعامل معها منذ لحظاتها الأولى. لذلك أضاف المسؤول نفسه أن إيران لن تبدأ أي حرب لكنها لن تسمح بتشكل أي تهديد ضدها ولو في مراحلها الأولية، واضعا الخط الفاصل بين ضبط النفس الاستراتيجي وبين الاستعداد لاستخدام القوة عندما ترى أن التوازن يتعرض للاختلال.

في المقابل، تبدو فكرة العمليات المحدودة والسريعة، التي يُروَّج لها في بعض الدوائر الأمريكية والرئيس ترامب نفسه، وكأنها قراءة مبسطة لمشهد معقد. فإيران، وفق تصورها الذاتي، لم تعد دولة يمكن شلها بضربة واحدة على منشأة أو قيادة مركزية. شبكات القيادة والسيطرة موزعة، القدرات الصاروخية والمسيّرات منتشرة في العمق، والبنية الدفاعية صُممت لتعمل حتى تحت ضغط عالٍ ومستمر. ولهذا جاء التحذير الإيراني صريحا بأنّ تصور القيام بعمليات محدودة وسريعة ضد إيران هو تقييم خاطئ لقدراتها الدفاعية والهجومية، مع تأكيد أن «أي سيناريو يقوم على عنصر المفاجأة أو السيطرة على نطاق الصراع سيخرج عن السيطرة في بدايته». الرسالة هنا ليست استعراضا لفظيا، بل محاولة لنزع الثقة من الفكرة نفسها، فكرة أن الحرب يمكن ضبطها بضغطة زر.
جوهر المعادلة التي تراهن عليها طهران يتمثل في تحويل أي مواجهة إلى أزمة إقليمية متعددة المستويات. فبدل أن تُختزل المعركة في ساحة واحدة، تصبح مجموعة مسارح مترابطة، الخليج بمضائقه الحساسة، قواعد أمريكية منتشرة في أكثر من دولة، طرق الملاحة العالمية، وأسواق الطاقة التي تتأثر فورا بأي توتر. في مثل هذا السياق، لا يعود التفوق العسكري الصرف كافيا لتحقيق هدف سياسي نهائي، لأن كلفة الاستمرار ترتفع بسرعة، ليس فقط عسكريا بل دبلوماسيا واقتصاديا.

ومن هنا تأتي قراءة إيران للوجود البحري الأمريكي الكثيف في المنطقة بطريقة معاكسة للخطاب الغربي. فعوض أن ترى في حاملات الطائرات عامل ردع مطلق، تقدّمها بوصفها عناصر ثقيلة الحركة، مكلفة الحماية، وقابلة للتحول إلى أهداف عالية القيمة في حال انفلات الصراع. لذلك قال المسؤول العسكري الإيراني إن هذا الحشد «ليس عامل ردع بل سيتحول لأهداف»، في قلب متعمد للسردية التقليدية التي تربط بين الكثافة العسكرية والهيمنة المضمونة.

وسط هذه البنية المعقدة من القوة المادية والحسابات الجيوسياسية، يبرز دور القيادة السياسية بوصفه عنصرا مركزيا في تحويل الإمكانات العسكرية إلى استراتيجية متماسكة طويلة النفس. وفي الحالة الإيرانية، يتصدر المشهد القائد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، الذي يُنظر إليه داخل المؤسسة الحاكمة بوصفه مهندس “الصبر الاستراتيجي والعمل العسكري المنظم” للدولة الحديثة. فمنذ توليه موقع القيادة العليا في أواخر الثمانينيات، واجه تحولات إقليمية عاصفة تتمثل بنهاية الحرب العراقية–الإيرانية، انهيار الاتحاد السوفيتي، الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، موجات العقوبات المتلاحقة، الاغتيالات التي استهدفت قيادات بارزة، والضغط المستمر على البرنامج النووي. في كل واحدة من هذه المحطات، لم يكن التحدي مجرد البقاء، بل إعادة التموضع وإعادة تعريف خطوط الاشتباك بطريقة تمنع الخصوم من تحقيق اختراق استراتيجي نهائي.

تستمد شخصية خامنئي الكاريزمية داخل النظام الإيراني جزءا كبيرا من قوتها من قدرته على الجمع بين الخطاب العقائدي الصارم وبين قراءة دقيقة لموازين القوى الدولية. فهو ليس قائدا اندفاعيا يتعامل مع الأزمات بمنطق رد الفعل اللحظي، بل قائد يراكم الأوراق ويؤجل المواجهة حين يرى أن الزمن يعمل لصالحه، ثم يسمح بتصعيد محسوب عندما يعتقد أن الرسالة السياسية تحتاج إلى ترجمة ميدانية. هذا المزج بين التريث والتحدي هو ما جعله، في نظر مؤيديه، ضامنا لاستمرارية الدولة في بيئة عدائية، وفي نظر خصومه خصما معقدا لا تحكمه أنماط سلوكية بسيطة يمكن توقعها.

والأهم أن خامنئي لم يتعامل مع ملفي السلم والحرب بوصفهما مسارين منفصلين، بل كجزأين من استراتيجية واحدة لإدارة الصراع طويل الأمد. ففي مراحل معينة دعم مسارات تفاوضية دقيقة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وكسب هوامش مناورة دولية، وفي مراحل أخرى أشرف على رفع سقف الردع الإقليمي وتوسيع قواعد الاشتباك بطريقة تمنع تثبيت وقائع جديدة على حساب إيران وهو ما تجلى في انتصار إيران في حرب ال12 يوماً ضد أمريكا وإسرائيل. هذه القدرة على الانتقال المدروس بين التهدئة والتصعيد، وعلى ضبط إيقاع المؤسسات العسكرية والسياسية في آن واحد، منحت القيادة الإيرانية قدرا عاليا من الانسجام الداخلي، ورسخت صورة القرار المركزي المتماسك القادر على إدارة الأزمات دون انقسام علني.

كما أن موقع خامنئي داخل هرم السلطة، بوصفه المرجع الأعلى وصاحب الكلمة الفصل في القضايا المصيرية، جعله نقطة ارتكاز لكل شبكات القوة في الدولة. العسكرية، والأمنية، والدبلوماسية. هذه المركزية لا تعني الجمود، بل على العكس سمحت بتوحيد الرسائل الصادرة إلى الخارج ومنع التناقضات التي غالبا ما تُستغل في لحظات التصعيد. ومن هنا يمكن فهم لماذا تُقرأ تصريحاته وخطاباته في الغرب بوصفها إشارات استراتيجية لا تقل أهمية عن المناورات العسكرية أو التحركات البحرية، لأنها غالبا ما تحدد الإطار الذي ستتحرك داخله بقية مؤسسات النظام.

هذا البعد القيادي ينعكس مباشرة على طريقة تقديم إيران لنفسها في لحظات التوتر القصوى. فحين يقول المسؤول العسكري في هيئة الأركان الإيرانية بأن طهران ستتخذ قرارها في الوقت المناسب بناء على تقييمها الميداني، فهو يعكس ثقافة قرار مركزية حذرة، لا تنجرف وراء ضغط الإعلام أو الاستفزازات، بل تفضّل إبقاء الخصم في حالة ترقب دائم. الغموض هنا يتحول إلى أداة ردع بحد ذاته.
وعليه، فإن الرهان على ضربة خاطفة يبدو، من وجهة النظر الإيرانية، قراءة قاصرة لطبيعة الصراع المعاصر في الشرق الأوسط. فحتى لو تحققت إصابات أولية مؤلمة، فإن ما يهم ليس الساعة الأولى بل الأسابيع التالية. كيف ستُحمى القواعد الأمريكية؟ كيف ستُؤمَّن طرق الملاحة؟ كيف ستتفاعل الحكومات الإقليمية مع تصاعد المخاطر؟ وكيف ستتأثر الأسواق العالمية وأسواق الطاقة وانعكاس أسعار النفط على المواطن الأمريكي؟ هذه الأسئلة هي التي تريد طهران إبقاءها مفتوحة على مصراعيها، لأنها تدرك أن الحرب الحديثة لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في غرف القرار السياسي والرأي العام والتحالفات الدولية.

تحاول إيران أن تفرض معادلة مختلفة. ليست معادلة منع الضربة الأولى بأي ثمن، بل معادلة جعل ما بعدها بالغ الكلفة، طويل الأمد، ومتشعب الجبهات إلى حد يفقد فكرة “الحسم السريع” معناها العملي. عبر منظومة قدرات عسكرية تراكمية، وشبكة تأثير إقليمي واسعة، وقيادة ترى في إدارة الزمن جزءا من النصر، تسعى طهران إلى القول إن الصراع، إن فُرض، لن يكون اختبار قوة لحظة واحدة، بل اختبار أعصاب واستدامة، حيث لا ينتصر من يطلق أول صاروخ، بل من يستطيع البقاء واقفا أطول داخل عاصفة لا يمكن ضبط حدودها بسهولة.

*كاتبة وباحثة عراقية

أحدث العناوين

The UAE loses more shipping routes following a Saudi hint at an aerial blockade

The pace of confrontation between Saudi Arabia and the UAE intensified on Saturday, as escalation between them returned to...

مقالات ذات صلة