| عماد الحطبة
قد يكون ما يشهده عالم اليوم من سلوكيات لرئيس الولايات المتحدة الأميركية أمراً غريباً على أجيال ما بعد الحرب العالمية الأولى التي أنهت وجود الإمبراطوريات في العالم، وأنهت معه السلوك الإمبراطوري بما يحمله من عجرفة وعدم أخذ الآخرين (شعوباً، وحكاماً) بعين الاعتبار. أهم هذه السلوكيات كانت فرض الإتاوات والضرائب على الدول الصغيرة والضعيفة مقابل حمايتها من الإمبراطورية نفسها، بمعنى أنت تخضع وتدفع ونحن لن نقوم بالاعتداء عليك.
لقد تهاوت الإمبراطوريات تحت معاول الرأسمالية الناشئة، لتنهض إمبراطوريات جديدة على قواعد الاستعمار ونهب ثروات الأمم. وجدت الرأسمالية في الليبرالية محتوى أخلاقياً، يميز سلوكها عن الإمبراطوريات القديمة شكلاً، من دون أن يختلف عنه في الجوهر. لقد قامت الليبرالية بتحويل رذائل الرأسمالية إلى فضائل: تحول الاستعمار إلى أخذ بيد الشعوب نحو التقدم، ونهب ثروات الأمم وحجز إمكانيات تطورها إلى تعاون اقتصادي وتجارة دولية، وتغيير الجغرافيا والديمغرافيا إلى مراعاة لحقوق الأقليات وتشجيع للعيش المشترك.
الساحر الأصلي لكل هذه التعويذات هو أوروبا التي استعمرت معظم أرجاء العالم، بما فيها أميركا نفسها. لكن السحر انقلب على الساحر، ليس مجازاً هذه المرة، بل حقيقة نشاهدها على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي. كل ما استخدمه الاستعمار الأوروبي ضد العالم يكرر الرئيس ترامب استخدامه ضد أوروبا نفسها، وبنفس اللغة المتعجرفة المُشبعة بالإهانات الشخصية لزعماء العالم، والوطنية للشعوب وتاريخها. ولا يتردد سيد البيت الأبيض في الإعلان صراحة نيته نهب ثروات الدول الأوروبية، بشكل مباشر كما هي الحال بمطالبته بمعادن أوكرانيا الثمينة أو الاستيلاء على غرينلاند، أو بشكل غير مباشر، من خلال فرض زيادة الموازنة الدفاعية لدول الناتو من 3% إلى 5%، وأن يوجه جزءاً كبيراً من هذه الزيادة نحو شركات الأسلحة الأميركية، وكذلك فرض تعرفات جمركية على الخصوم والحلفاء، واستعمال هذه التعرفات كوسيلة ابتزاز سياسي.
لم يكتفِ ترامب بتوجيه الإهانات للزعماء، بل تجاوز إلى إهانة الشعوب وتاريخها، كما فعل بقوله “لولا أميركا لكان معظمكم يتحدث الألمانية وربما قليلاً من اليابانية”، متغاضياً عمّا قدمته شعوب أوروبا من تضحيات ومقاومة للنازية، وحصر كل ذلك بالمشاركة الأميركية التي حررت أوروبا بحسب روايته المستمدة من أفلام هوليوود كما يبدو.
هذه الصورة التي تحاول الإدارة الأميركية فرضها على العالم، مستخدمة هيمنتها الإعلامية، ومستغلة تفوقها الاقتصادي والعسكري، لم تعد مقنعة كما كانت عليه في السابق، رغم اضطرار المزيد من الدول للخضوع لها. يلاحظ المتابع لما يصدر عن مراكز الأبحاث من تقارير وتحليلات، الزيادة الكبيرة في عدد التقارير التي تعتبر استعراض القوة هذا تعبيراً عن أزمة حقيقية تعصف بالنظام الرأسمالي، وتضع الدول الرأسمالية في مواجهة بعضها بعضاً، فيتحول حلفاء الأمس إلى خصوم الغد.
لا ترتبط هذه الأزمة بضعف النظام الرأسمالي أو تراجع قوته العسكرية، ولكن بتفككه أمام مخرجات العالم الجديد، كالذكاء الاصطناعي، والصراع على التقنيات والطاقة.
لا يرتبط هذا التفكك بإجراءات ترامب وحدها، فهذه الإجراءات تأتي في سياق يمتد لأكثر من عقد من المحاولات الأوروبية للإفلات، ولو جزئياً، من الهيمنة الأميركية، وهو ما عبرت عنه فرنسا يوماً بطموحها في إنشاء جيش أوروبي، وشاركتها فيه دول مثل ألمانيا وهولندا، وما تعبر عنه الزعامات الأوروبية اليوم بشكل خجول حيناً، وبشكل علني أحياناً، كما فعل الرئيس الفرنسي ورؤساء وزراء كندا والنرويج. لقد اعترف هؤلاء أنهم خاضعون لأميركا قسراً، وأعلنوا طموحهم في إنشاء تحالف أو وحدة اقتصادية دولية، تتصدى للسياسات الاقتصادية الأميركية.
الأزمة الأخطر التي تعاني منها الولايات المتحدة، بصفتها زعيمة العالم الرأسمالي، هي الأزمة الداخلية المتصاعدة، والتي تبدت في الاحتجاجات على سياسة ترامب ضد المهاجرين، وقيام سلطات الهجرة بقتل الأميركيين بدم بارد.
تمتد جذور الأزمة إلى ولاية ترامب الأولى وبروز اليمين المتطرف بأبشع صوره المعادية للديمقراطية الغربية خلال الهجوم على الكونغرس، ولاحقاً خلال إدارة بايدن التي كشفت عن الوجه اليميني المتطرف للسياسة الخارجية الأميركية، بدعمها الإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان الصهيوني في قطاع غزّة، ما دفع قطاعاً واسعاً من الأميركيين المؤمنين بالديمقراطية والليبرالية، ممّن يسمّون أنفسهم الاشتراكيين الديمقراطيين، للخروج إلى الشارع للدفاع عن أميركا التي يتخيلونها، كأرض للأحرار في مواجهة الأميركيين الذين يريدون أن تكون ” أميركا عظيمة مرة أخرى” كما هي حال حركة “ماغا”.
المشكلة التي يواجهها الطرفان، هي أن أميركا، كما يتصورها خيال كل منهما، لم تكن موجودة في يوم من الأيام. فالدولة التي بنت ثرواتها على العبودية، وقتل أصحاب الأرض الأصليين، ثم الانتقال إلى غزو العالم، ابتداءً من جيرانها مثل المكسيك، التي استولت أميركا على ما يقارب نصف مساحتها، وصولاً إلى مشاركتها في الحروب العالمية، ليس دفاعاً عن الحرية كما يتخيل الأميركيون، بل بحثاً عن نهب ثروات أوروبا وعقولها، كما هي الحال مع علماء ألمانيا النازية الذين احتضنتهم أميركا، وكان منهم “أوبنهايمر” أبو القنبلة النووية الأميركية، التي قتلت مئات آلاف البشر في اليابان، وقتلت الملايين ما بين فيتنام وكوريا والعراق وأفغانستان. لم تكن هذه الدولة عظيمة في يوم من الأيام إلا في مجال القتل والعدوان والنهب، وصورة رسول الديمقراطية التي يحملها الأميركيون عن وطنهم ليست سوى وهم صنعه الإعلام والسينما.
أنتجت هوليوود عام 2013 فيلماً بعنوان “سقوط أولمبوس”، تدور أحداثه حول مجموعة من القوات الخاصة الكورية الشمالية، تقوم باقتحام البيت الأبيض واحتجاز الرئيس، مطالبة بانسحاب الولايات المتحدة من كوريا الجنوبية، وإعطائها الرموز النووية الأميركية. في الفيلم، يحل البيت الأبيض مكان جبل أولمبوس، مسكن آلهة الإغريق، ويصبح الرئيس الأميركي كبيراً للآلهة، يدافع عنه الآلهة الصغار (الأمن الخاص). النهاية معروفة من دون أن أذكرها، لأنها تتكرر في جميع الأفلام، إذ ينتصر كبير الآلهة وجنوده في النهاية، مهما بلغت قوة العدو وشراسته.
لن يسقط أولمبوس هذه المرة بهجوم من الخارج، ولا بهزيمة يتلقاها في حروبه، لكن النظام الذي أنتجه يتحلل من الداخل، بفعل الزمن والتطورات التقنية التي تجعل سقوط الرأسمالية كما نعرفها أمراً حتمياً.
المصدر: “الميادين نت”


