أبو بيروت:
قال تعالى في محكم تنزيله:
1.{وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنفال: 61].
2.{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ…} [سورة الأنفال: 60].
3.{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 216].
4.{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [سورة آل عمران:173]
تُشكل هذه الآيات الركائز الأساسية “لفقه الحرب” في العقيدة السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية في إيران، حيث تتحول النصوص القرآنية من وعظ ديني إلى استراتيجية دفاعية شاملة تصطدم بشكل مباشر مع منطق الهيمنة الأمريكي.
1. إعداد القوة: “تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ”
تنطلق إيران من آية “وأعدوا” كمبدأ استراتيجي لكسر التوازن العسكري. القوة هنا ليست للعدوان، بل لـ “الإرهاب الدفاعي” (أي ردع العدو ومنعه من التفكير في الهجوم). هذا ما يفسر الاستثمار المكثف في الصواريخ الباليستية والمسيّرات؛ فهي “رباط الخيل” المعاصر الذي يهدف لإفهام الولايات المتحدة أن تكلفة أي مغامرة عسكرية ستكون باهظة جداً.
2. التوازن بين القوة والسلم: “فاجنح لها”
الفقه الإيراني، المستمد من آية الأنفال، لا يرى في المفاوضات استسلاماً، بل خياراً متاحاً “إن جنحوا”. ولكن، شرط السلم هنا هو “التوكل على الله” وعدم التفريط بمصادر القوة. إيران تمارس “الدبلوماسية المقاومة”، حيث تفاوض وهي تمتلك أصابعها على الزناد، مؤمنة بأن السلم لا يُطلب من موقع الضعف، بل من موقع الاقتدار الذي يفرضه الإعداد المسبق.
3. سيكولوجية المواجهة: “حَسْبُنَا اللَّهُ”
عندما يحشد العدو الأمريكي أساطيله لمحاولة الابتزاز النفسي، تستحضر الروح القتالية آية آل عمران. الفارق الجوهري بين المقاتل العقائدي والآلة العسكرية الأمريكية هو “اليقين”. فبينما يعتمد الأمريكي على التكنولوجيا والترهيب الإعلامي، تعتمد العقيدة الإيرانية على أن “الجموع” لا تزيد المؤمن إلا إيماناً. هذا الصمود النفسي هو الذي يحول دون تحقيق أهداف “الضغوط القصوى” التي تمارسها واشنطن.
4. حتمية الصراع والخير الكامن: “وهو كره لكم”
تدرك إيران وفق فقهها أن الحرب بلاء مكروه، لكنها قد تكون “خيراً” إذا كانت هي السبيل الوحيد للتحرر من التبعية. هذا الفهم يجعل من الصمود أمام الحصار والتهديدات واجباً دينياً ووطنياً، حيث تُختبر إرادة الشعوب.
خلاصة القول:
إن ما يصنع الفرق في معادلة الصراع الحالية هو أن العدو الأمريكي يقاتل “لأجل المصالح”، بينما تتحرك القوات الإيرانية انطلاقاً من “عقيدة قرآنية” ترى في الشهادة انتصاراً وفي الإعداد واجباً. هذا “الفقه” هو الذي أفشل استراتيجيات التخويف، وحوّل التحشيد الأمريكي من أداة ضغط إلى دافع إضافي لتعزيز القدرات الذاتية والتمسك بالسيادة.
كاتب من تونس


