هل تُغرق حاملات الطائرات أم تسقط طهران من الداخل؟!

اخترنا لك

| د. ربيع شاكر المهدي*

أبدأ موضوعي اليوم بسؤال هل تستطيع إيران إغراق حاملة الطائرات الأمريكية ؟! والجواب نعم في حال كان الهجوم مركب بمئات الصواريخ والمسيرات والزوارق السريعة والألغام الذكية الصامتة هجوم سربي من اتجاهات متعددة وفي وقت واحد فيمكن لبعض الصواريخ من اختراق الدفاعات وإلحاق أضرار بالحاملة أو حتى إغراقها بعد إرباك نظام إيجيس الدفاعي الذي سيواجه تخمة بيانات تؤدي لشله للحظات وهي اللحظات التي يحتاجها الصاروخ البالستي للوصول للحاملة حيث يضطر النظام لمعالجة آلاف الإشارات في الثانية وإيران تحدث جلطة معلوماتية للحاسوب الدفاعي مما يجبره على التوقف لأجزاء من الثانية لإعادة الجدولة وهذه هي النافذة الزمنية التي يمر من خلالها الصاروخ الفرط صوتي القاتل للحاملة.

الولايات المتحدة تدرك هذا التهديد وتراقب منصات الإطلاق الإيرانية بالأقمار الصناعية على مدار الساعة مما يجعل عنصر المفاجأة صعباً جداً رغم أن التاريخ العسكري لم يشهد إغراق حاملة طائرات منذ الحرب العالمية الثانية وذلك لصعوبة المهمة تقنياً وعسكرياً فحاملة الطائرات ليست مجرد سفينة بل هي مجموعة قتالية كاملة وهي محاطة بمدمرات وفرقاطات مجهزة بنظام إيجيس القادر على تتبع وإسقاط عشرات الأهداف في آن واحد والطائرات الموجودة على متن الحاملة يمكنها تدمير المنصات الصاروخية قبل أن تصل السفينة إلى مدى النيران الإيرانية ودائماً ما ترافق الحاملات غواصات هجومية لتأمينها من أي تهديد تحت الماء.

الطائرات الموجودة على متن الحاملة يمكنها تدمير المنصات الصاروخية قبل أن تصل السفينة إلى مدى النيران الإيرانية.

أعمق أسرار الحروب الحديثة هو الاقتصاد العسكري فالولايات المتحدة تطلق صاروخاً دفاعياً مثل SM 6 تكلفته قد تتجاوز خمسة ملايين دولار لإسقاط طائرة مسيرة إيرانية تكلف طهران أقل من 20 ألف دولار و​إيران تراهن على استنزاف المخزون فإذا أطلقت 1000 مسيرة ستحتاج الحاملة إلى استهلاك كامل ذخيرتها الدفاعية في ساعات مما يتركها عارية تماماً أمام الموجة التالية من الصواريخ الباليستية.

وهنا أطرح سؤالا أخر لماذا لم تُستهدف حاملة طائرات حتى الآن؟

السر يكمن في قواعد الاشتباك غير المعلنة فإيران تمتلك ما يسمى شبكة الرادار السلبية وهي رادارات لا ترسل إشارات لكي لا تُكتشف بل تستقبل انعكاسات الإشارات الموجودة في الجو لتتبع الحاملات و​في المقابل الولايات المتحدة تستخدم الأشباح غواصات مرافقة للحاملة لا تظهر على أي رادار ومهمتها الوحيدة هي تدمير أي منصة إطلاق بمجرد أن تفتح غطاء الصاروخ وقبل أن ينطلق.

السقوط الحقيقي لحاملة الطائرات لن يكون فيزيائياً فقط أي غرقها تحت الماء بل هو سقوط الهيبة فإذا نجحت إيران في مجرد خدش أو تعطيل مدرج طائرة واحدة على متن الحاملة فإن ذلك سيعني إختراق نوعي وهذا هو السر العميق الذي يخشاه البنتاغون أكثر من الصواريخ نفسها.

إيران لا تعتمد فقط على الصواريخ بل طورت ما يُعرف بالألغام الذكية الصامتة التي تُزرع في قاع مضيق هرمز وتدخل في حالة سبات شتوي لشهور وهذه الألغام مبرمجة لتبصمات صوتية محددة فهي لا تنفجر عند مرور سفينة تجارية بل تنتظر التردد الفريد لمحركات حاملة الطائرات النووية لتستيقظ وتتحول إلى طور الهجوم الانتحاري من الأسفل حيث الدرع الدفاعي للحاملة هو الأضعف.

وتمتلك إيران تقنيات المحاكاة الرادارية قدرة محطات برية على إرسال إشارات توهم الرادارات الأمريكية بوجود أسراب طائرات في مكان غير حقيقي وهذا التضليل يجعل الدفاعات تطلق صواريخها التي تكلف الملايين نحو أشباح في الهواء حتى يفرغ مخزن الذخيرة تماماً.

وهناك حقيقة لا تقال وهي كلما زاد تعقيد السفينة زادت نقاط ضعفها فحاملة الطائرات تعتمد كلياً على نظام GPS والاتصال بالأقمار الصناعية والسر الذي تخشاه واشنطن هو قدرة إيران على خطف إشارة القمر الصناعي أو تشويشها مما يحول الحاملة إلى عملاق أعمى يتخبط في مياه ضيقة غير قادر على توجيه طائراته أو حتى تحديد موقعه بدقة.

في نهاية المطاف المعركة القادمة ليست صراعاً بين فولاذ وفولاذ بل هي صدام بين غطرسة التكنولوجيا وعبقرية الاستنزاف فسقوط حاملة طائرات أو حتى شلها (إن حصل!) لن يكون مجرد خسارة عسكرية بل سيكون إعلاناً رسمياً عن إصابة قوية للنظام العالمي القديم فالحاملات التي سادت البحار لقرن من الزمان تجد نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر إما البقاء بعيداً في المحيطات وفقدان فاعليتها أو المغامرة في مياه الخليج ومواجهة لدغة النحل التي قد تُنهي أسطورة لا تُقهر فالحرب القادمة لن يربحها من يملك السلاح الأغلى بل من يمتلك كسر قواعد اللعبة.

بالمقابل وضع البيت الأبيض خطط تحت عنوان قطع الرأس أي تصفية القيادة الإيرانية وتشير تسريبات استخباراتية نشرت أجزاء منها رويترز و WSJ مؤخراً إلى أن البنتاغون أعدّ سيناريو يتجاوز ضرب المنشآت النووية بنك الأهداف لا يقتصر الأمر على شخص خامنئي فقط بل يشمل النواة الصلبة للنظام قيادات الصف الأول في الحرس الثوري ومراكز السيطرة والتحكم (ثار الله) في طهران لإحداث فراغ دستوري وسياسي مفاجئ يؤدي إلى انهيار تسلسل القيادة مما يشجع الشارع الإيراني الذي يغلي بالاحتجاجات على التحرك لإسقاط النظام من الداخل واستخدام نسخة مطورة من صواريخ R9X التي استُخدمت ضد الظواهري وهي صواريخ تخترق التحصينات وتقطع الأهداف بشفرات دون انفجار ضخم لتقليل الأضرار الجانبية وتجنب استثارة القومية الإيرانية بالتوازي مع تسلل سيبراني لعزل أي قيادة عن وحدات الجيش والحرس الثوري بقطع شبكات الاتصال المشفرة في لحظة الصفر لضمان عدم صدور أوامر بالرد الانتقامي الانتحاري.

وما يقلق واشنطن هنا هو أن النظام الإيراني استعد لهذا السيناريو عبر ما يسمى الدفاع الموزاييكي أي النظام مصمم ليعمل بلا رأس عبر ​توزيع سلطة القرار بحيث يمكن لكل محافظة أو وحدة عسكرية العمل بشكل مستقل تماماً إذا قُطعت رأس القيادة في طهران و​هذا يعني أن اغتيال القيادة قد لا ينهي الحرب بل قد يحولها إلى مئات الصواريخ التي تنطلق بشكل غير منسق ومجنون تجاه المصالح الأمريكية في المنطقة.

وكشفت تقارير مثل تقرير نيويورك تايمز الأخير أن خامنئي نفسه وضع خطة طوارئ لاستمرار النظام في حال غيابه تشمل مجلساً انتقالياً يضم شخصيات مثل علي لاريجاني وغيره لضمان عدم حدوث انقلاب عسكري يقوده قادة الحرس الثوري الشباب الأكثر تطرفاً.

الولايات المتحدة تدرك أن اغتيال رأس الهرم هو أسهل جزء في الخطة لكن إدارة الفوضى التي ستلي ذلك هي الكابوس الحقيقي والخوف ليس من بقاء النظام بل من تحول إيران إلى سوريا كبرى بأسلحة باليستية وميليشيات خارجة عن السيطرة تماماً.

تدرك واشنطن أن اللحظة التي تلي غياب خامنئي ستكون ساعة الصفر لأكبر عملية استخباراتية في التاريخ وتتضمن ​خطة انشقاقات كبرى عبر تواصل سري حالي مع ضباط في الجيش الإيراني (الارتش) لإقناعهم بالحياد أو الانقلاب على الحرس الثوري فور سقوط القيادة وتفعيل خلايا نائمة وتحريك مجموعات داخل طهران لإثارة فوضى منظمة فالبنتاغون لا يريد اغتيال شخص بقدر ما يريد اغتيال فكرة النظام فهم يبحثون عن خليفة يكون غورباتشوف إيران الشخص الذي يفكك النظام من الداخل ليجنب العالم حرباً قد تحرق الشرق الأوسط بالكامل.

الولايات المتحدة تاريخياً تفضّل تفكيك الأنظمة لا تدمير الدول والنموذج الكلاسيكي كان في الاتحاد السوفيتي مع صعود شخصية إصلاحية مثل ميخائيل غورباتشوف حيث انتهى الخصم دون حرب مباشرة.

وأختم بسؤال مهم هل تُحسم المعركة في طهران قبل أن تُحسم في الخليج؟!

وأنا حقيقة أجيب نعم ممكن ذلك لماذا؟! سأوضح لكم ذلك تحليلياً إذ لم يسقط الاتحاد السوفيتي بحرب مع الناتو بل عبر تفكك داخلي قاده إصلاح من داخل النظام نفسه مع صعود ميخائيل غورباتشوف وهذا هو الدرس الذي تعلّمته واشنطن منذ ذلك الحين (تغيير السلوك الاستراتيجي للخصم أرخص من تدميره) ولهذا تميل الولايات المتحدة دائماً إلى الضغط الاقتصادي والعزل التكنولوجي والاستنزاف السياسي وانتظار لحظة التحول الداخلي بدلاً من الحرب الشاملة.

ولو حصل نجاح إيران في إلحاق ضرر بحاملة الطائرات سيكون ذلك انتصاراً لكنه لن يغير طبيعة النظام الإيراني ولن ينهي ميزان القوة العالمي بينما أي انقسام داخل النخبة الحاكمة في طهران قد يعيد تشكيل السياسة الخارجية والعقيدة العسكرية ودور الحرس الثوري أي أنه يغيّر اللعبة نفسها لا نتيجتها فقط لأن المعركة البحرية هي معركة أدوات أما المعركة الداخلية فهي معركة إرادة.

نعم المعركة إن حُسمت فلن تُحسم في مياه الخليج حيث يمكن حساب الصواريخ بل في طهران حيث لا يمكن حساب الانشقاقات وسقوط حاملة طائرات إن حدث يغيّر صورة القوة أما تغير ميزان السلطة داخل إيران فيغيّر اتجاه التاريخ وبالتالي الحسم الحقيقي يبدأ من الداخل

حتى لو بدا الصراع ظاهرياً بحرياً.

في النهاية قد تُصاب حاملة طائرات وقد تنجو لكن السؤال الأعمق ليس ما الذي سيغرق في مياه الخليج بل ما الذي قد يتصدع في قلب طهران فسقوط حاملة (إن حدث) يغيّر صورة القوة أما تغير ميزان السلطة داخل إيران فيغيّر اتجاه التاريخ وهذا التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات لا تُهزم دائماً في ساحات القتال بل كثيراً ما تبدأ هزيمتها حين تتشقق نخبها من الداخل كما حدث مع صعود ميخائيل غورباتشوف.

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الصاروخ والحاملة

بل بين تماسك النظام وقدرته على الاستمرار فالحروب الكبرى لا تُحسم دائماً حيث تُطلق الصواريخ بل حيث تتصدع مراكز القرار.

*سياسي يمني

المصدر: صحيفة “رأي اليوم”

أحدث العناوين

الصومال يرفض أي تواجد “إسرائيلي” على أراضيه ويؤكد: لا بعثات دبلوماسية مع العدو

أعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الأربعاء، الموقف الرسمي لبلاده الرافض لأي تواجد للعدو الإسرائيلي على الأراضي الصومالية، مجدداً...

مقالات ذات صلة