بعد مرور ثلاثة أيام على بدء العدوان الصهيوأميركي على الجمهورية الإسلامية، وبناءً على متابعة طبيعة أداء الطرفين وحدودهما ميدانيًا، صار من الممكن تقديم قراءة في الاستراتيجية التي يتبنّاها أطراف الصراع، وذلك بمعزلٍ عن سقوف الخطاب الإعلامي الذي يكون في كثيرٍ من الأحيان دعائيًا.
تشير طبيعة الضربة الأولى التي افتتح فيها معسكر الأعداء عدوانه، والتي اقترف فيها جريمة استهداف قائد الثورة الإسلامية مع ثلّةٍ من قيادات الصفّ الأول، إلى أنّه وضع استراتيجيةً لتحقيق أحد أمرين، تبعًا لسير المعركة وتطوّراتها.
أمّا الأول، وهو الأكثر تداولًا على ألسنة المحلّلين، فيقوم على فرضية أن تنهار مؤسّسات الدولة بشكلٍ دراماتيكي بفعل تغييب صنّاع القرار الإيراني عن المشهد في الصدمة الأولى، بما يفتح الباب أمام جماعاتٍ داخليةٍ مرتبطةٍ بالغرب للسيطرة على مفاصل الحكم ، وهذا ما لم يتحقّق.
غير أنّ أداء العدو الميداني عقب الضربة الأولى، وخلاصة تصريحات صنّاع القرار في واشنطن والكيان المؤقّت، بعد تحييد التناقض الذي يعتريها في تحديد هدف العدوان، يُظهِران أنّ هذه النتيجة، على مثاليتها بالنسبة إليه، لم تكن في حساباته النتيجة الأرجح. ناهيك بأنّ أي قراءةٍ واقعيةٍ لوضع الداخل الإيراني كانت ستُظهِر وهن تلك المجموعات الداخلية المسماة “معارضة”، لا سيما بعد أدائها الضعيف خلال أحداث مطلع هذا العام، وعجزها عن تحقيق أي خرقٍ حقيقيٍ في بنية الدولة، وهو ما يصعب افتراض غيابه عن ذهن مراكز التخطيط لدى العدو.
أما النتيجة الثانية، التي تنسجم معها طبيعة الضربات التي تلت الضربة الأولى، والتي لا تزال مستمرة حتى اللحظة، فتشير إلى الهدف الأكثر واقعية الذي رسمه العدو لنهاية هذه الحرب، والمتمثّل في “تهيئة الظروف الملائمة” لإسقاط الجمهورية الإسلامية، إمّا على المدى المتوسّط أو المدى البعيد.
فالواضح أنّ العدوان ينصبّ على محاولة توجيه ضربةٍ قويةٍ لمقدّرات الجمهورية الإسلامية العسكرية والعمرانية، ليصار عقب ذلك إلى وقفٍ لإطلاق النار، بحيث تخرج إيران من الحرب منهكةً عسكريًا واقتصاديًا، وفي وضعٍ سياسيٍ متراجعٍ لا يتيح لها تحقيق مكاسب على صعيد فكّ الحصار أو تخفيفه.
ويأمل العدو من هذه النتيجة أن يضع الجمهورية الإسلامية في وضعٍ مشابهٍ لوضع العراق عقب حرب الخليج الأولى مطلع التسعينيات، ليبدأ بعد ذلك تآكل ركائز الدولة من الداخل، بما يفضي بطبيعة الحال إلى “تهيئة الظروف الملائمة” لإسقاط الجمهورية بالضربة القاضية في حربٍ أخرى، بعد أن تكون آثار هذه الجولة قد أخذت مداها.
لكن سعي العدو إلى تحقيق النتيجة الثانية ضمن استراتيجيته يصطدم بعاملين رئيسيين على مستويين متراكبين. أما الأول، فهو الاستراتيجية المضادّة التي تتبنّاها إيران في هذه الحرب، وفق ما يظهر حتى اللحظة من الأداء الميداني للجمهورية الإسلامية، فضلًا عن أداء باقي أركان محور المقاومة. أما الثاني، فيتمثّل في الوضع الجيوسياسي الدولي المغاير لما كان عليه الحال في أواخر القرن المنصرم حينما كانت الصين وروسيا في وضعٍ أضعف بكثيرٍ مما هما عليه في هذه الحقبة.
يُظهِر أداء الجمهورية الإسلامية، عسكريًا وسياسيًا، حزمًا وجديةً واضحين في خوض الحرب حتى نهاياتها، وعدم السعي إلى وقفٍ سريعٍ لإطلاق النار وبأي ثمن، على عكس ما كان عليه الحال في “حرب الاثني عشر يومًا” في حزيران/يونيو 2025.
إذ إن توسيع القوات المسلّحة الإيرانية نطاق الحرب، واستخدامها “القوة النارية القاتلة”، فضلًا عن رفض طهران عرضًا أميركيًا لوقفٍ فوريٍ لإطلاق النار، عبر وسيطٍ قيل إنه إيطاليا، بحسب يديعوت أحرونوت/ينت العبرية، بما يُظهِر أنّ الجمهورية الإسلامية عازمةٌ على تكبيد جبهة الأعداء خسائر كبيرة أولًا قبل الذهاب إلى وقف الحرب، في مسعىً إلى تعديل توازنات المنطقة، لا مجرّد إفشال إسقاط الجمهورية الإسلامية بالضربة القاضية، كما حاول ترامب الترويج في الساعات الأولى لبدء العدوان.
بمعنى آخر، يبدو أنّ طهران وباقي أركان محور المقاومة يدركون الهدف البعيد والفعلي من وراء هذه الحرب، ويسعون جاهدين لإفشاله، بحيث تخرج الجمهورية الإسلامية، وبالتالي عموم محور المقاومة، في وضعٍ استراتيجيٍ أفضل مما كان عليه الحال عشية بدء العدوان.
وهذا ما يتيح لطهران استثمار هذا الإنجاز سياسيًا ضمن الوضع الجيوسياسي الدولي الراهن، بالتعاون مع القوتين الصاعدتين، الصين وروسيا، لتعزيز مكانتها إقليميًا ودوليًا، لا الاكتفاء بالسعي إلى وقفٍ سريعٍ لإطلاق النار، بما يُعدّ نصرًا معنويًا فحسب، سرعان ما تتلاشى آثاره وينقلب إخفاقًا مع مرور الوقت.
إنه لَمِن نافلة القول إن نتيجة هذه الحرب ستحدّد، إلى حدٍ بعيد، شكلَ ومستقبلَ منطقتَي الوطن العربي وغرب آسيا، بل ستؤثّر بصورةٍ ملموسةٍ في مخاض ولادة عالمٍ متعدّد الأقطاب. لذا، لا تملك شعوبُ ودولُ الوطن العربي والإسلامي في هذه الحرب رفاهيةَ الوقوف موقف المتفرّج، ذلك أنّها إمّا أن تدخل شعوب المنطقة ودولها في عصر “الأسرلة” لسنين قادمة، وإمّا أن يُوضَع المدماك الصلب الأول في طريق استقلال المنطقة، الذي لطالما كان مطمحَ شعوبها منذ وقعت أسيرةَ مرحلة سايكس- بيكو.
لذلك، فإن تلك الدول العربية، أو بعض الشرائح الشعبية، التي اتخذت موقف الحياد، أو التواطؤ مع هذا العدوان السافر والخطير ضد منطقتنا، ستتحمّل وزر تموضعها أمام الله والتاريخ، بمعزلٍ عن نتيجة الحرب.
| عمرو علان- كاتب وباحث فلسطيني
المصدر: “الميادين نت”


