أبو بيروت
يقدم الصراع الممتد منذ معركة “طوفان الأقصى” وحروب الاسناد والعدوان على الجمهورية الاسلامية في إيران نموذجا استثنائيا في العلوم العسكرية الحديثة، حيث تتواجه عقيدتان عسكريتان مختلفتان تماما: عقيدة “السيطرة الجوية والتفوق التكنلوجي المطلق” وعقيدة “الدفاع الجوفي والحرب الهجينة المستندة إلى العامل البشري”.
يعتمد المعسكر الصهيوامريكي على مبدأ “الصدمة والترويع” وحسم المعارك عبر السيطرة على الفضاء والأجواء بما يمتلك من وسائل قتالية جوفضائية متطورة جدا (مسيرات، قاذفات استراتيجية، طائرات شبحية، أقمار صناعية ورادارات تنصت ورصد). نجحت هذه الوسائل في تدمير البنى التحتية فوق الأرض والاغتيالات الأمنية دون تحقيق حسم عسكري أو أهداف سياسية من وراء العدوان.
أما محور المقاومة فعمل على تحييد التفوق الجوي بنقل ثقله الاستراتيجي إلى باطن الأرض مستفيدا من الجغرافيا دفاعا وهجوما.
ففي غزة ولبنان تحوّلت الأنفاق المتشابكة إلى قواعد انطلاق للمقاتلين ومخازن للذخيرة وغرف قيادة وسيطرة. أما في إيران فقد أقيمت “مدن صاروخية” كاملة في أعماق الجبال والشواطئ، تضم مصانع للمسيرات والصواريخ الباليستية ومخازن لوجيستية ضخمة (أغذية، أدوية، وقود). فسمحت هذه المدن باطلاق الصواريخ والمسيرات بطريقة عشوائية ومموهة من منصات تحت الأرض مما اربك الرادارات المعادية واستنزف الدفاعات الثمينة للعدو ماليا وعملياتيا.
ولتعويض الفارق التكنلوجي يقاتل المقاوم ابن الأرض بعقيدة قتالية صلبة ومعرفة دقيقة بالتضاريس.
اثبتت الاستراتيجيا الجوفية قدرة عالية على الصمود والردع ورسخت معادلة: “أنتم تملكون الأجواء ونحن نملك ما تحت الأرض والفيصل هو المواجهة فوقها”.
كاتب من تونس


