توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى مذكرة تفاهم يفترض بها أن تقود إلى اتفاق شامل، وبرغم أن التوقيع عليها والكشف عن تفاصيلها الكاملة أرجئ إلى يوم الجمعة القادم، فإن العناوين الرئيسية لها جسدت بوضوح واقع الهزيمة الأمريكية الإسرائيلية من خلال ترسيخ حقيقة سقوط جميع أهداف العدوان على إيران، كما جسدت الارتداد العكسي الكبير لذلك العدوان، من خلال الواقع المعقد الذي تتعامل معه واشنطن وتل أبيب الآن، بدءا من داخل إيران نفسها وصولا إلى الوضع في مضيق هرمز وفي لبنان، وبرغم أن إسرائيل لا تزال تحاول عزل نفسها عن هذه الهزيمة، فإنها لا تمتلك أي خيارات سهلة أو مضمونة لفعل ذلك، خصوصا وأن الأمر ينطوي على اصطدام علني مع الاعتبارات الأمريكية الخاصة التي فرضها انتصار إيران.
ضرار الطيب- الخبر اليمني:
تجسيد جديد للهزيمة الأمريكية الإسرائيلية:
لا يزال النص الكامل لمذكرة التفاهم غير معروف، ولكن التصريحات الرسمية الأمريكية والإيرانية والباكستانية تؤكد على عدة نقاط رئيسية أبرزها إنهاء الحرب بشكل دائم في جميع جبهات القتال، بما في ذلك لبنان، ورفع الحصار البحري الأمريكي بشكل فوري، وفتح مضيق هرمز بعد التوقيع على الاتفاق.
من الواضح أن المذكرة تتطرق إلى مسألة رفع العقوبات عن إيران وإطلاق الأموال المجمدة وسحب القوات الأمريكية، ولكن الآليات غير معروفة حتى الآن، وأما الملف النووي فلا تزال المعلومات متضاربة بشأنه، والمرجح أن سيكون جزءا من مفاوضات الاتفاق النهائي الذي يفترض التوصل إليه بعد شهرين من توقيع مذكرة التفاهم.
من المؤكد أن مذكرة التفاهم ليست اتفاقا نهائيا، ولكنها عاملا لترسيخ حالة وقف إطلاق النار وإنهاء الأزمة في مضيق هرمز، لأن الفترة الماضية أثبتت أن تحقيق هذين الأمرين هو ما يضمن بقاء الهدوء الذي تحتاجه المفاوضات، وعدم العودة إلى مربع الصفر.
ولكن بغض النظر عن نجاح المسار التفاوضي الذي تمثله هذه المذكرة أو فشله، فإنها قد رسخت حقيقة فشل العدوان على إيران، والتي جسدها اتفاق وقف إطلاق النار في 8 أبريل الماضي، وهي حقيقة لم يعد الاعتراف بها بحاجة إلى انتظار معرفة كافة تفاصيل مذكرة التفاهم ومآلاتها، لأن الأمر واضح وبسيط: فالأهداف الرئيسية للعدوان قد سقطت تماما.
تقول “نيويورك تايمز” إن “النصر” الذي احتفى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خلال الإعلان عن فتح مضيق هرمز “يستند بشكل أساسي إلى حل مشكلة صنعها هو بنفسه، من خلال سوء تقديره لقدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز”.
واعتبرت “واشنطن بوست” أن إعلان ترامب عن نجاحه في حل مشكلة مضيق هرمز لا يمثل سوى “احتفاء بعودة الأمور إلى ماكنت عليه قبل الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران” وهو “أمر بعيد كل البعد عن الأهداف الأصلية للحرب”.
حتى ترامب نفسه لم يتحرج من التعبير صراحة عن سقوط هدف “تغيير النظام” الذي روج له كثيرا، بل وادعى تحقيقه بشكل متكرر، حيث زعم في تصريحات لصحيفة “وول ستريت جورنال” بعد إعلان التوصل إلى اتفاق أنه لم يكن مهتما أبدا بتغيير النظام الإيراني.
ولا يقتصر الأمر على الفشل في تحقيق أهداف الحرب على إيران، فمذكرة التفاهم ترسخ أيضا حقيقة ارتداد العدوان بنتائج عكسية.
يقول داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إن “القيادة الإيرانية تخرج من أهم اختبار لها منذ عقود وقد أظهرت مرونةً، وحافظت على سيطرتها، وأبدت استعدادًا لتحمل تكاليف باهظة مع الحفاظ على مصالح النظام الأساسية، ومن المرجح أن تعزز هذه النتيجة ثقة النخبة الحاكمة بدلًا من إضعافها” مشيرا إلى أن مسار الاتفاق مع إيران قد يمنح طهران “العديد من المزايا المهمة مثل تخفيف الأعباء الاقتصادية، واستعادة الشرعية الدبلوماسية” وسيعكس “تضاؤل النفوذ الأمريكي”، كما أنه سيعزز مكانة إيران إقليميا في مقابل “تفاقم العزلة الدبلوماسية لإسرائيل بشأن القضية الإيرانية”.
ويضيف أن إيران تقف أمام “إنجاز استراتيجي هام” حيث “تحافظ على قدراتها الاستراتيجية الحيوية، وتبقي على نفوذها عبر جبهات متعددة، بما في ذلك الجبهتين اللبنانية والإيرانية المترابطتين بشكل متزايد، وتضمن لنفسها هامشاً اقتصادياً هاماً. والأهم من ذلك، أنها ستحتفظ بقدرتها على تهديد الممرات البحرية الحيوية وتدفقات الطاقة العالمية، وهو مصدر نفوذ لا يزال محورياً في استراتيجيتها الإقليمية”.
ويقول دانيال شابيرو، المسؤول السابق في البنتاغون: “لقد اعتقد الرئيس ترامب أن النظام الإيراني سينهار سريعًا، لكنه لم يفعل. بل على العكس، تعززت قوته استراتيجيًا بفضل صموده في وجه هجوم أمريكي إسرائيلي عنيف، ونفذ بدوره بعض الضربات المضادة الفعالة، والآن تسعى دول عديدة في المنطقة إلى التقرب من إيران في محاولة لتهدئة التوترات وإعادة بناء العلاقات، وهذا مؤشر على انعكاس اتجاه الرياح” مشيرا إلى أن “مضيق هرمز كان مفتوحا قبل الحرب، والآن تدفع الولايات المتحدة ثمن إعادة فتحه بتخفيف العقوبات، فقد حوّلت إيران نقطة ضغط نظرية إلى أداة ضغط حقيقية وقوية، مُلحقةً أضرارًا بالاقتصاد العالمي ومُزعزعةً استقرار ترامب”.
وفي معرض المقارنة بين مذكرة التفاهم وأهداف الحرب على إيران، تشير شبكة (سي إن إن) إلى أربع نتائج عكسية رئيسية للحرب، الأولى تتمثل في انكشاف حدود تأثير “الردع الأمريكي” ومحدودية رغبة الولايات في المتحدة في تحمل الخسائر، والثانية: تأثر علاقة واشنطن بإسرائيل، والثالثة: ربط جبهة لبنان بإيران بشكل غير مسبوق، والرابعة تضرر سمعة ترامب نفسه، وتضرر الاقتصاد الأمريكي.
إسرائيل تحاول إعادة الزمن إلى الوراء:
من الواضح أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية تواجه تحديات كبيرة قد تعيق عملية التوقيع نفسها، فضلا عن مسار المفاوضات الذي سيتبع التوقيع، وأبرز تحد يتمثل في الموقف الإسرائيلي، حيث قال نتنياهو يوم الاثنين إن إسرائيل ستحافظ على “حرية التحرك” في لبنان ولن تنسحب، وهو ما يهدد بتقويض أهم بنود مذكرة التفاهم والمتمثل في إنهاء الحرب على جميع الجبهات.
لقد قصفت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت مرتين خلال الأيام الماضية، في المرة الأولى أدى ذلك إلى انفجار إقليمي واسع اضطرت الولايات المتحدة لعدم المشاركة فيه خشية الانزلاق إلى تصعيد كبير، وفي المرة التالية كاد أن يتسبب بتعطيل إعلان التوصل إلى مذكرة التفاهم، لكن تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قدمت تنازلات لإقناع إيران بعدم الرد على الهجوم الثاني.
سعت إسرائيل طيلة المرحلة الماضية إلى ربط أي اتفاق أمريكي إيراني بعدة شروط، أبرزها ضمان القضاء على القدرات النووية الإيرانية بشكل تام، وفرض قيود كبيرة على قدرات إيران العسكرية، ويمكن القول إنها من حيث المبدأ تعارض أي تفاهم لا يضمن تحقق هذه الشروط، لكن الولايات المتحدة لم تكتف بالخروج عن إطار هذه الشروط في مسار مذكرة التفاهم، بل جعلت إسرائيل تحت ضغط شرط إيراني متقدم جدا، يؤسس لمعادلة إقليمية استراتيجية تحاصر كيان الاحتلال بشكل غير مسبوق، ولذا فإن حرص نتنياهو على فصل نفسه عن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية له دوافع متنوعة تتكامل مع بعضها لتنتج ما يصفه دانيال شابيرو بـ”لحظة تباين صارخة في المصالح”.
وقد وصف مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى مذكرة التفاهم بأنها “كارثية لإسرائيل”، مضيفا أنه: “لا يوجد أحد في القيادة الإسرائيلية يرى الأمر بشكل مختلف، بدءاً من رئيس الوزراء وصولاً إلى رئيس الأركان”.
هذا الموقف يبقي احتمالات تعثر مسار مذكرة التفاهم عالية، حيث من المرجح أن يسعى نتنياهو الذي يواجه انتقادات داخلية، لتقويض وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، من أجل إظهار امتلاكه السيطرة على الوضع، ووضع ترامب الذي لا يستطيع كما يبدو “إجبار” إسرائيل على التراجع في موقف صعب.
وقد ذكر مقر خاتم الأنبياء الإيراني يوم الثلاثاء أن الجيش الإسرائيلي انتهك وقف إطلاق النار في لبنان 84 مرة منذ إعلان التوصل إلى مذكرة التفاهم، محذرا من أن استمرار الاعتداءات على جنوب لبنان سيقابل بـ”رد قاس”.
وبرغم انتقادات ترامب العلنية لنتنياهو وإسرائيل بشأن التعامل مع الملف اللبناني، فلن يكون من المفاجئ أن يعود الرئيس الأمريكي للتماهي مع الموقف الإسرائيلي بذريعة أن حزب الله يرفض الالتزام بوقف إطلاق النار، وهو ما سيكشف عن محدودية قدرة ترامب على التصرف خارج إطار المصالح الإسرائيلية، كما سيكشف عن عملية توزيع أدوار بين واشنطن وتل أبيب تهدف للتنصل عن الالتزامات وإفراع التقدم في المفاوضات من مضمونه.
وقد وصف المستشار السياسي الإسرائيلي نداف ستراوخلر، الذي سبق له العمل مع نتنياهو، الوضع الحالي للعلاقة بين نتنياهو وترامب بأنها “نقطة اختبار” مضيفا أنه “لا يزال أمام نتنياهو 60 يومًا للتأثير على الاتفاق النووي النهائي، وطالما أن هناك فرصة سانحة، سيحاول التسلل من خلالها” حسب ما نقلت (سي إن إن).
وليس من المستبعد أن تقييمات الاستخبارات الأمريكية التي نشرها موقع (أكسيوس) المعروف بدعمه لإسرائيل، والتي تشكك في نوايا إيران بشأن التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة، مرتبطة بمحاولات التأثير الذي تحدث عنها ستراوخلر.
لا شك أنه إذا التزمت إسرائيل بوقف الحرب على لبنان، ولو خلال شهري المفاوضات فقط، فسيكون ذلك مؤشرا على نجاح إيران في إرغام ترامب ونتنياهو على التكيف مع واقع إقليمي جديد تماما، وهو ما يمكن البناء مستقبلا عليه لتقييد خيارات العدو الإسرائيلي ومضاعفة الضغط عليه في أي مواجهة.
لكن عدم التزام إسرائيل لن يعني بالضرورة أن إيران لم تنجح في فرض معادلة “وحدة الساحات” فقد أصبح من المستحيل تجاوز حقيقة أن أي تصعيد إسرائيلي ضد لبنان سيتحول إلى انفجار إقليمي، وهو تحول غير مسبوق في مسار الصراع الإقليمي، وبالتالي فإن خيارات إسرائيل لعزل نفسها عن مسار مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، تنطوي على مخاطرة إتاحة المجال أمام إيران ومحور المقاومة لتكريس المزيد من المعادلات الجديدة، فضلا عن الاصطدام بالاعتبارات الأمريكية الخاصة.
وحتى إن اختارت الولايات المتحدة التراجع عن مسار مذكرة التفاهم، لأجل إسرائيل، فإنها ببساطة ستكون قد اختارت السقوط في الهاوية التي سعت جاهدة للهروب منها من خلال المذكرة.


