نظرة على ثالث معادلات المرحلة الجديدة.. صنعاء تضرب الرهان السعودي على “الحملة البرية”

اخترنا لك

في محاولتها للهروب من معادلتي “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” وضعت السعودية نفسها أمام معادلة ثالثة من معادلات المرحلة الجديدة من الصراع، تتمثل في استهداف التحشيدات العسكرية التابعة لها في الأراضي اليمنية المحتلة، وهي معادلة تضرب بشكل مباشر أحد الرهانات الأساسية التي يستند إليها الموقف السعودي تجاه اليمن، غير أن النتيجة الأكثر كارثية على الرياض تكمن في نظرتها المقلوبة لهذا التطور الكبير، فبينما يشير الواقع إلى نموذج واضح من نماذج فقدان السيطرة على الأمور، تتمسك المملكة بتصور معاكس تماما، ما يعني أنها تميل إلى المخاطرة بالمزيد.

ضرار الطيب- الخبر اليمني:

ضرب الرهان السعودي على الوكلاء.. انهيار فكرة “الحملة البرية”:

مع ظهور الملامح الأولى لتحرك صنعاء نحو “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال” من خلال الرحلة الجوية الإيرانية إلى مطار صنعاء الدولي، كان واضحا أن السعودية تواجه تحولا شاملا في مسار الصراع، ولكن طريقة تفاعلها مع تلك الرحلة، كشفت عن إصرار على إعادة العجلة إلى الوراء بدل مواكبة الواقع الجديد، وهو ما أظهر تمسكا بمجموعة رهانات تحددها رغبة قديمة في إبقاء اليمن “خاضعا” للمملكة.

في مقدمة هذه الرهانات يأتي الرهان على الأذرع المحلية، وهو أمر كان يفترض بسنوات ما قبل “خفض التصعيد” أن تكون قد دفعت السعودية نحو إعادة النظر فيه بشكل جذري، لأن الاستراتيجيات التي كانت مرتبطة بهذا الرهان فشلت فشلا واضحا، حيث لم ينجح توظيف تلك الأذرع في حسم المعركة، ولا حتى في تحويلها إلى “حرب أهلية” تديرها الرياض من بعيد، بدون أن تتأثر بتداعياتها وتطوراتها.

مع ذلك، يبدو أن سنوات “خفض التصعيد” قد غذت لدى الرياض تصورات عكسية بأنه ما زالت هناك حلول لمشكلة توظيف المرتزقة المحليين، أو أنها ببساطة ترى أن وجود مرتزقة للرهان عليهم، مهما كان سقف هذا الرهان متدنيا، أفضل من التخلي عنهم تماما.

لكن أيا كان تصور السعودية بشأن الرهان على الحكومة العميلة وقواتها، فإن الضربات الاستباقية التي نفذتها القوات المسلحة خلال الأيام الماضية على معسكراتهم ومواقع تحشيداتهم في شرق وغرب البلاد، قد أوضحت تماما أن هذا الرهان ليس فقط متأخرا كثيرا عن الواقع الجديد الذي يدور فيه الصراع، بل أن التمسك به يتحول إلى نقطة ضعف إضافية للسعودية في واقع سقفه الحسم وليس التهدئة.

لم تخسر السعودية جنودا ومرتزقة ومعدات عسكرية فقط، جراء الضربات القاتلة التي استهدفت معسكرات التحشيد في مأرب وحضرموت والمخا، بل خسرت “مساحة المناورة” المرتبطة بعملية التحشيد تلك، وهي مساحة يصل سقفها في طموحات الرياض إلى حد “حسم الصراع” مع صنعاء، فمسألة تحريك الجبهات الداخلية لا يمكن أبدا أن يُنظر إليها كمجرد محاولة ضغط محدودة، بل هي مسألة تصعيد شامل.

إن التحشيد في شرق وغرب البلاد يشير بوضوح إلى خطط لإشعال معركة برية واسعة النطاق، وهو ما يعني بدوره وجود استعداد سعودي لتوفير دعم مباشر، بما في ذلك عن طريق الطيران الحربي، بهدف رئيسي يتمثل في السيطرة على مناطق استراتيجية لا تساعد فقط على تحسين الموقف التفاوضي السعودي، بل تغير موازين المعركة، وتحيي جهود وآمال تحقيق حسم يشبه ما حدث في سوريا، أو يفتح نافذة لإجبار صنعاء على تقديم تنازلات أكبر من مجرد التوقف عن استهداف المنشآت والسفن السعودية، وهو أمر من شأنه أن يغري الأمريكيين والإسرائيليين كثيرا.

وفي إطار هذا السقف من الطموحات السعودية المرتبطة بالرهان على المرتزقة، فإن ضربات القوات المسلحة الأخيرة تشكل انهيارا مدويا لفكرة “حسم” الصراع ضد صنعاء عسكريا من خلال حملة برية مدعومة جوا أو بحرا، وهي فكرة نوقشت كثيرا خلال السنوات القليلة الماضية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل لمواجهة الموقف اليمني المساند لغزة، وبرغم أن السعودية لم تعط وقتها الضوء الأخضر لتحويل تلك النقاشات إلى خطة عملية، فإنها قد حرصت كما يبدو بوضوح على الاحتفاظ بمثل هذه الخطة إلى وقت آخر، إذ حاولت خلال الفترة الماضية أن تطبق المقترحات التي ناقشها الأمريكيين والاسرائيليين بشأن توحيد المليشيات الموالية للتحالف، وتوظيفهم في سياق المعركة البحرية، وكذلك تمكينهم من أدوات عسكرية تواكب أساليب الحرب الحديثة.

مع ذلك فإن الضربات الأخيرة تظهر أن مشكلة الرهان على المليشيات المحلية لا تتعلق بالأدوات أو التنظيم، بل بأن الوقت قد فات أصلا على توظيفهم في سياق “حسم” أو حتى انتزاع تنازلات، لأن موقف صنعاء قد تطور كثيرا من ناحية الرؤية والقدرات، فسقف “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال” والإمكانات العسكرية والاستخباراتية المتطورة، أغلقا مساحة ضبط النفس والانتظار، وأصبح جليا أن أي حملة برية معادية لن تواجه فقط مقاومة عنيفة، بل ستتعرض لخسائر كبيرة قبل انطلاقها، وإذا ما وجدت نافذة للانطلاق أو الاستمرار بعد تلك الخسائر، فستتسع تداعياتها بسرعة كبيرة داخل الخارطة الإقليمية برا وبحرا، وهو ما يعني تلك الحملة لن تكون أبدا قابلة للاستمرار، ولا معقولة الكلفة، ولا مرشحة للنجاح.

لا خيارات جيدة:

وإذا افترضنا بأن سقف الرهان السعودي على المليشيات العميلة قد انخفض من الحسم، إلى إشغال صنعاء داخليا، من أجل تشتيت التركيز المنصب على المنشآت النفطية والمطارات والموانئ والسفن السعودية، فإن الضربات الأخيرة على معسكرات ومواقع التحشيد، تظهر مأزقا سعوديا مُهلكا.

لقد أثارت الضربات على معسكرات التحشيد، تساؤلات معلنة لدى وكلاء السعودية، حول غياب الفعل العسكري السعودي (بما في ذلك تحريك المليشيات المحلية)، وبدا بوضوح أن الرياض تحاول أن تتجنب تداعيات هذا الفعل، وهو ما يعكس إذعانها لمعادلة “التصعيد بالتصعيد” التي ثبتتها صنعاء خلال الأسابيع الماضية من خلال قصف المنشآت النفطية داخل المملكة.

لكن استمرار تلقي المليشيات للضربات الواسعة بدلا عن المنشآت النفطية، لا يخدم الرياض كثيرا، لأن استمرار ابتلاع هذه الضربات، يظهر تضحية واضحة بالوكلاء، وافتقارا ملموسا لاستراتيجية عمل متماسكة لمواجهة جهود “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال” خصوصا وأن هذه الضربات تأتي بالتوازي مع استمرار حظر الملاحة السعودية، واستمرار قصف العمق السعودي ومنشآت (أرامكو) ردا على انتهاكات المجال الجوي اليمني من قبل الطائرات السعودية المسيرة، ما يجعل الرياض تبدو مذعنة لكل معادلات صنعاء.

بعبارة أخرى: لا توجد أية خيارات جيدة أمام السعودية، فإذا اختارت استمرار “ابتلاع” تحركات صنعاء، ستخاطر بإظهار ضعف وتفكك جبهتها بشكل غير مسبوق، وإذا اختارت التحرك، سواء بالقصف أو بدفع المليشيات المحلية للاصطدام بصنعاء، ستعرّض قطاعها النفطي واقتصادها لضربات لا يمكن التعافي منها.

 

فخ التصورات القديمة:

بينما يبرز هذا المأزق السعودي بوضوح السقف العالي لموقف صنعاء في هذه المرحلة، لا يمكن القول إن الرياض قد بدأت حتى بقراءة الوضع بشكل صحيح، لأن مستوى “الحذر” الذي تمارسه لا يزال مقتصرا على تخفيف كلفة التصعيد وليس تفاديه تماما.

بعد تجربة قصف مطار صنعاء واستهداف الحديدة، أظهرت جهود تحشيد المليشيات المحلية أن الرياض لا تزال تتعاطى مع الواقع الجديد للصراع وفقا لتصورات قديمة، بعيدة تماما عن الحل الوحيد الفعلي المتمثل في رفع الحصار وإنهاء العدوان والاحتلال، وهذا يعني أنه مهما بلغ حرص السعودية على تجنب التعرض لضربات قوية، فإنها ستميل خلال الفترة القادمة إلى مغامرات تصعيدية تعتقد أنها منخفضة المخاطر أو أنه يمكن السيطرة على تداعياتها، وذلك بهدف البقاء في المعركة ليوم آخر- كما يقال- وتجنب الإذعان لمطالب صنعاء.

وبالتالي، من غير المرجح أبدا أن تتوقف السعودية عن الاعتماد على رهانها على المليشيات المحلية، على الرغم من التداعيات العكسية الواضحة، لأنها ترى أن هذا الرهان لم يسقط بعد، وأن مشكلته تتعلق فقط بكيفية استخدام هذه المليشيات بالشكل الملائم للمرحلة الحالية.

ومن التصورات المغلوطة التي ربما تفتتن بها السعودية في هذا السياق، إمكانية إبقاء الوضع داخل اليمن على حافة الانفجار الكبير لفترة طويلة (حتى وإن تعرضت معسكرات التحشيد للمزيد من الضربات) وذلك بهدف حصر أجواء التوتر ضمن الجغرافيا اليمنية، وتحويل ساحة العمق السعودي مع الوقت إلى ساحة ثانوية، وهو تصور يقوم على افتراض أن قواعد اشتباك معادلة “التصعيد بالتصعيد” لا تتضمن استهداف المملكة إلا ردا على الإجراءات العسكرية السعودية المباشرة، وأن الرد على تحركات المليشيات المحلية لا يتجاوز حدود الوطن، وهي قاعدة لا يمكن الجزم بوجودها، بل من المرجح أن تكون “فخا” تنصبه السعودية لنفسها، لأن قصف العمق السعودي قد يصبح ببساطة جزءا من الرد على عمليات التحشيد في أي لحظة.

أما تصور إمكانية توظيف الضربات التي تتعرض لها معسكرات التحشيد التابعة للسعودية، كمحرك لتوحيد جهود المليشيات والتهيئة لتصعيد واسع ضد صنعاء، فهو ببساطة مبالغة في سوء تقدير الوضع.

فقدان السيطرة على الأمور:

لقد بدأت صنعاء تحركاتها في المرحلة الجديدة من الصراع، بمعادلة واحدة عنوانها “الحصار بالحصار” لكن التقديرات الخاطئة وضعت الرياض بسرعة أمام معادلتين إضافيتين هما “التصعيد بالتصعيد” و”استهداف التحشيدات”، وهذه وصفة نموذجية لفقدان السيطرة على الوضع بالكامل، والانزلاق نحو سلسلة لا تتوقف من التداعيات العكسية طويلة الأمد.

ولكن إذا كان تعرض المنشآت النفطية للتدمير هو المعيار الذي تعتمد عليه السعودية لتقييم مدى سيطرتها على الوضع، فإنها قد تفوت فرصة إدراك سقوط رهاناتها في اليمن في الوقت المناسب، لأن احتراق حقول ومصافي وأنابيب النفط، قد لا يكون في الأخير سوى تتويجا للهزيمة وليس “تحذيرا” مسبقا منها، فصنعاء اليوم تفرض قواعد الاشتباك ومعادلات المواجهة بالشكل الذي يلائم سقف إنهاء العدوان والحصار والاحتلال، وليس سقف إقناع السعودية بـ”التعقل”.

أحدث العناوين

رويترز: توقف صادرات النفط السعودية من البحر الأحمر مع تزايد خطر هجمات قوات صنعاء

أفادت وكالة "رويترز"، الأربعاء، عن توقف صادرات النفط السعودية من البحر الأحمر مع تزايد خطر هجمات قوات صنعاء بعد...

مقالات ذات صلة