هل تنجح ضغوط ترامب الاقتصادية في تركيع إيران؟

اخترنا لك

| حسن نافعة

أفصح الرئيس دونالد ترامب منذ أيام عن نيّته اتخاذ إجراءات عقابية إضافية لإحكام الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، مؤكداً أنها ستكون الأقسى في التاريخ، وأن تأثيرها على الوضع الداخلي في إيران لن يكون أقل من تأثير “إنزال نورماندي” على مسار الحرب العالمية الثانية، في إشارة إلى عملية الإنزال الشهيرة التي قام بها الحلفاء في مقاطعة نورماندي الفرنسية، والتي كانت بمنزلة نقطة تحوّل في مسار هذه الحرب التي حسمت لصالح الحلفاء وانتهت بالاستسلام غير المشروط لدول المحور.

ويتضح من اللائحة التنفيذية لهذه الإجراءات، والتي أصدرها وزير الخزانة الأميركي يوم الاثنين الماضي أن الولايات المتحدة على وشك فرض عقوبات مشددة على كافة الجهات التي تساعد إيران في الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها، دولاً كانت أم شركات أم مؤسسات بنكية ومالية أم أفراداً، ما يوحي بأن الإدارة الأميركية الحالية قررت خنق إيران اقتصادياً لإجبارها على الاستسلام.

لدى إيران خبرة كبيرة في التعامل مع مختلف أنواع العقوبات التي فرضت عليها، والتي يعود تاريخ بعضها إلى ما يقرب من نصف قرن، مكّنتها بالفعل من الالتفاف حول معظم العقوبات التي فرضت عليها حتى الآن.

لذا، يتوقع كثيرون أن تمكّنها خبرتها المكتسبة والمتراكمة في هذا المجال من الالتفاف أيضاً على الموجة الأخيرة التي فرضها ترامب هذا الأسبوع والحد من تأثيرها. غير أن البعض يرى أن الوضع مختلف هذه المرة لأن العقوبات الجديدة ستطبق بالتوازي مع حصار بحري محكم تفرضه القوات الأميركية على جميع الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج، ما يعني أنه لن يكون بمقدور جميع السفن المتجهة إلى هذه الموانئ أو الخارجة منها أن تمر، وبالتالي فليس من المستبعد أن يتعرض الاقتصاد الإيراني إلى عملية “خنق” قد ينجح في تركيعها سياسيا خلال فترة وجيزة.

ولا شك أن هذا الوضع المستحدث يثير تساؤلات عديدة حول ما إذا كان بمقدور أن تنجح في الالتفاف على الإجراءات العقابية الجديدة  بالقدر نفسه من الكفاءة الذي تعاملت به مع العقوبات السابقة.

للتوصل إلى إجابة متوازنة عن هذه التساؤلات يتعين علينا أن نتفق أولاً على حقيقة الأهداف التي يسعى ترامب لتحقيقها من وراء المواجهة الشاملة مع إيران، والتي تسبب بنفسه في إشعالها إلى حد كبير، ما يستدعي التمييز بين أهدافه المعلنة، والتي قد لا تستحق أن نأخذها على محمل الجد، وأهدافه الحقيقية التي يجب أن نضعها في الاعتبار. فترامب يدّعي أنه يريد إجبار إيران على العودة إلى مائدة المفاوضات ومنعها من امتلاك سلاح نووي، غير أن هذه الادعاءات لا تستطيع الصمود أمام أي اختبار جاد.

فقد وافقت إيران على التفاوض غير المباشر مع ترامب، رغم عدم ثقتها المستمدة من خبرتها السابقة في التعامل معه، غير أنه استخدم المفاوضات أداة للتمويه على خطط الخداع الاستراتيجي التي كان يحيكها مع “إسرائيل” لشنّ الحرب عليها، وهو ما قام به مرتين، الأولى في يونيو/حزيران 2025 والثانية في 28 فبراير/شباط 2026، ومن ثم فمن الطبيعي أن تتشكك إيران في نوايا ترامب حين يدعوها الأخير للعودة إلى مائدة المفاوضات للمرة الثالثة.

ولأنه سبق لترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الذي وقّعه أوباما عام 2015، وانتهاك بنود “مذكرة التفاهم” التي تمهد لمفاوضات جديدة حول البرنامج النووي الإيراني، تم التوصل إليها بعد طول عناء ووقّع عليها بنفسه في 17 حزيران/يونيو الماضي، يصعب على إيران أن تصدق أن هدف ترامب الحقيقي هو منعها من امتلاك سلاح نووي، خصوصاً أنه يعلم جيداً أن سبق للمرشد الأعلى أن أصدر فتوى دينية تحرم تصنيع أو استخدام السلاح النووي.

وتلك كلها مؤشرات تؤكد أن لدى ترامب أهدافاً أخرى غير أهدافه المعلنة، وأن أهدافه الحقيقية هي الأهداف نفسها التي سبق لنتنياهو أن أعلنها في أكثر من مناسبة، ألا وهي: 1- حرمان إيران من امتلاك أي برنامج نووي، حتى لو كان سلمياً 2- تقليص جميع برامجها لتصنيع الصواريخ والمسيرات وفرض رقابة دولية عليها للتأكد من عدم قدرتها على تهديد أمن “إسرائيل” 3- الانكفاء داخل حدودها وإلزامها بقطع علاقاتها مع حلفائها الإقليميين، خصوصاً حزب الله وحماس والجهاد وجماعة أنصار الله. ولأن إيران رأت في الاستجابة إلى أي من هذه المطالب تقويضاً كاملاً لأمنها وسيادتها واستقلالها، فقد كان من الطبيعي أن ترفضها وأن تقابل التحدي بمثله.

يتضح، من سياق ما تقدم، أن إيران ترى في إجراءات ترامب الأخيرة امتداداً لحرب وجودية فرضت عليها، وأن ترامب هو من أشعل هذه الحرب التي يخوضها لحساب “إسرائيل” وبالنيابة عنها، وليس دفاعاً عن الولايات المتحدة، وبالتالي فليس أمامها من خيار آخر سوى الصمود والمقاومة حتى الرمق الأخير، ما يعني أنها لن تتردد في استخدام كل ما في حوزتها من وسائل لإلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى ليس بالولايات المتحدة و”إسرائيل” فحسب وإنما أيضاً بكل من يقدم لهما العون بشكل مباشر أو غير مباشر.

ولهذا السبب، ليس من المستبعد أن تتبنى إيران في مرحلة أو أخرى من مراحل تطور المواجهة المستعرة حالياً استراتيجية قوامها “هدم المعبد على كل من فيه”، خصوصاً إذا شعرت أن طوق الحصار حولها بدأ يضيق، وهو ما يجب على الأطراف المعنية كافة أخذ هذا الاحتمال في الاعتبار والتحسب لكل ما قد يترتب عليه من نتائج.

إقدام ترامب على فرض هذا النوع من العقوبات وفي هذا التوقيت بالذات، أي قبل شهرين ونصف من موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، ينطوي على افتراض ضمني مفاده أنها ستساعد على تفشي حالة من التذمر الجماعي داخل إيران، قد تفضي إما إلى تغيير النظام الإيراني نفسه أو إجباره على تغيير سياساته بطريقة تستجيب للمطالب الأميركية.

غير أن هذا الاحتمال يبدو مستبعداً لأسباب كثيرة، أهمها أن الشعوب العريقة لا تثور على نظمها الحاكمة حين تخوض حروباً تهدد وحدة ترابها الوطني وتشكل خطراً ماحقاً على تماسك مجتمعاتها، خصوصاً حين تكون حروباً عدوانية ولحساب قوى شريرة، بصرف النظر عن أي تحفظات قد تكون لديها تجاه هذه النظم الحاكمة، وهو ما أثبته الشعب الإيراني بوضوح قاطع.

أما إذا استطاع النظام الإيراني أن يصمد حتى موعد إجراء الانتخابات النصفية وأن يواصل سيطرته في الوقت نفسه على مضيق هرمز، فقد ينقلب السحر على الساحر وينطلق التغيير هذه المرة من الداخل الأميركي وليس الإيراني، خصوصاً إذا فاز الحزب الديمقراطي وتمكّن من السيطرة على أغلبية مريحة في مجلسي الشيوخ والنواب، ما سيؤدي حتماً إلى تحوّل ترامب إلى “بطة عرجاء” وربما إلى متهم يواجه إجراءات العزل من منصبه الرئاسي. وفي هذه الحالة، يتوقع أن يتمكن النظام الإيراني من إدارة دفة المواجهة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” بالطريقة التي تحقق له وربما للمنطقة كلها مكاسب مؤكدة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الإجراءات العقابية الأخيرة ستضع ترامب في مواجهة مع دول كثيرة، خصوصاً أنها موجهة في المقام الأول لمعاقبة الأطراف التي تساعد إيران على الالتفاف حول العقوبات، ما يعني أن فاعليتها ستتوقف على مدى التجاوب الدولي معها، خصوصاً من جانب الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.

ولأن الصين وروسيا ودولاً أوروبية عديدة أعلنت رفضها من حيث المبدأ لهذه الإجراءات، بسبب افتقادها إلى الشرعية الدولية، فالأرجح أن تفقد فاعليتها وقوة دفعها تدريجياً، خصوصاً إذا قررت الصين بالذات أن تتجاهلها وأن تستمر في التعامل مع إيران كحليف استراتيجي وكشريك اقتصادي مهم في الوقت نفسه.

وفي جميع الأحوال، ليس من الحكمة التعامل مع الآثار المحتملة لإجراءات ترامب العقابية الأخيرة بمعزل عن السياق العام لمسار المواجهة مع إيران، وهو مسار يصب حتى الآن لصالح الأخيرة. ففي أعقاب حرب يونيو/حزيران 2025، والتي أكد ترامب أنها دمرت المفاعلات النووية الإيرانية تدميراً تاماً وقضت نهائياً على كل طموحاتها في الحصول على السلاح النووي، ثم تبين لاحقاً أن إيران تمكنت من إنقاذ كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% ونقلتها بعيداً من المواقع المدمرة، وهي كمية لا تقل عن 440 كجم، ما يعني أن إيران ما تزال تحتفظ حتى اليوم بأهم ورقة في أي مفاوضات تجري مستقبلاً حول برنامجها النووي.

على صعيد آخر، يلاحظ أنه ما إن بدأت الحرب الشاملة على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، والتي أعلن رسمياً أنها تستهدف إسقاط النظام الإيراني، حتى تمكنت إيران من الإمساك بأهم الأوراق التي لم تكن لديها من قبل، ألا وهي ورقة مضيق هرمز التي تتيح لها القدرة على التحكم في تدفق ما لا يقل عن 20% من الإنتاج العالمي للنفط، وبالتالي من التأثير في أسعار النفط التي ارتفعت بشدة، والتأثير في الوقت نفسه على سلاسل توريد عدد لا يستهان به من السلع والمنتجات الاستراتيجية.

أخلص إلى القول إنه لن يكون بمقدور أحد، على الأرجح، انتزاع أي من هاتين الورقتين من يد إيران بقوة السلاح، وهو ما حاولته الولايات المتحدة وفشلت فيه، ولأن الرهان على أن الإجراءات العقابية الأخيرة ستؤدي إلى انهيار اقتصادي يدفع إيران إلى الاستسلام لم يختبر بعد، والأرجح أنه سيفشل، فليس أمام ترامب سوى خيار واحد وهو تنفيذ “مذكرة التفاهم” بكل بنودها. صحيح أن المنطقة قد تشهد تجدد المواجهات الساخنة خلال الأسابيع القليلة القادمة، لكن هذه المواجهات لن تساعد ترامب في الخروج من مأزقه، بل وربما تزيده استحكاماً.

 

المصدر “الميادين نت”

أحدث العناوين

مقالات ذات صلة