من مطار صنعاء إلى باب المندب: كل تقديرات “بن سلمان” تنفجر في وجهه!

اخترنا لك

قادت سلسلة النتائج العكسية التي ظلت السعودية تصطدم بها نتيجة قراراتها الخاطئة في التعامل مع انهيار “خفض التصعيد” في اليمن، إلى انهيار استراتيجي كبير، تمثل في فقدان السيطرة على كامل الساحل الغربي اليمني، ونجاح صنعاء في الوصول إلى مضيق باب المندب، الأمر الذي يجعل موقف الرياض أصعب من أي وقت مضى، ويعرضها لانتكاسات أكبر، خصوصا في ظل إصرارها الواضح على التمسك بتقديراتها الخاطئة بشأن الوضع في اليمن.

 ضرار الطيب- الخبر اليمني:

التقديرات الخاطئة تنفجر في وجه الرياض مجددا:

في أواخر يوليو الماضي، وبعد أيام قليلة من بدء الحظر البحري الذي فرضته صنعاء على الملاحة السعودية، شنت الرياض غارات على ميناء الحديدة وجزيرة كمران، في محاولة لتثبيت قاعدة اشتباك تقتضي بأن كل هجوم على سفينة سعودية سيقابل باستهداف لليمن، لكن هذه القاعدة سرعان ما انفجرت في وجه المملكة عندما شنت القوات المسلحة اليمنية، بعد ساعات، هجوما مدمرا على منشآت (أرامكو) في جيزان وينبع، ما أدى إلى إغلاق مصفاة جيزان حتى اليوم.

بدا هذا الانفجار صادما للسعودية التي كانت تحاول أن تدير انهيار مرحلة خفض التصعيد بطريقة أكثر أمانا، ولكن لأن الحصار البحري استمر وتصاعدت آثاره بسرعة عالية، وتكررت الهجمات على المنشآت النفطية في المملكة ردا على كل اختراق للأجواء اليمنية، بدأت الرياض بالعمل على خيار تصعيدي آخر لمواجهة معادلات صنعاء، وهو تحريك المليشيات المحلية بريا.

لكن بعد شهر ونصف تماما من إعلان الحظر البحري، انفجر هذا الخيار في وجه السعودية بشكل صادم أيضا، حيث نجحت القوات المسلحة اليمنية في السيطرة على كامل مناطق الساحل الغربي التي كانت تحت سيطرة المليشيات المدعومة من الرياض في الحديدة وتعز، بما في ذلك مدينة وميناء المخا والأراضي المطلة مباشرة على مضيق باب المندب، بعد انهيار فاضح لتلك المليشيات في ظرف أسبوع فقط من بدء اشتعال المواجهات.

كانت قد أطلقت مبكرا معادلة “ضرب التحشيدات السعودية” لمواجهة خيار التصعيد البري وذلك من خلال ضربات استباقية مدمرة استهدفت التجمعات والإمدادات العسكرية المعادية في عدة مناطق داخل البلاد، ولكن الرياض كانت مصممة على المضي في خطتها لإشعال الجبهات، بما في ذلك شن غارات جوية، على الرغم من التداعيات السلبية الواضحة التي يمكن تطال العمق السعودي نتيجة ذلك.

هناك عدة أمور تفسر الإصرار السعودي على التصعيد البري وتجاهل التداعيات: الأول هو حاجة المملكة الماسة للخروج من مربع العجز في مواجهة الضغط المتزايد للمعادلات اليمنية المتكاملة (الحظر البحري واستهداف المنشآت النفطية) والذي سبب تراجعا غير مسبوقا لصادرات النفط السعودية منذ 13 عاما على الأقل ، حيث هبطت صادرات ينبع التي باتت مقتصرة على خط أنابيب (سوميد) إلى أقل من مليوني برميل يوميا في أغسطس حسب بيانات (كبلر)، ما أدى إلى تراجع إنتاج النفط في المملكة إلى أدنى مستوى له منذ عام 1990، وهو ما يعني أن الأضرار أصبحت تتخذ شكلا “طويل الأمد” لأن استعادة مستويات الإنتاج تصبح عملية معقدة كلما استمر العجز عن التصدير.

الأمر الثاني هو الدعم الأمريكي، فبرغم أن الولايات المتحدة لم تقدم مستوى الانخراط الكامل الذي كانت تطلبه المملكة، إلا أن شبكة (سي إن إن) كشفت عن وجود نحو 200 عسكري أمريكي في غرفة عمليات مشتركة جرى تشكيلها خلال الأسابيع الأخيرة داخل المملكة، وذلك لتقديم دعم استخباراتي أمريكي للعمليات السعودية ضد اليمن، بما في ذلك المساعدة في تحديد الأهداف عبر أداة متقدمة في الوقت الفعلي، الأمر الذي ربما أعطى ثقة للسعوديين بإمكانية ممارسة ضغط كبير على القوات المسلحة اليمنية في الميدان وتحقيق مكاسب سريعة.

أما الأمر الثالث، فهو أن الرياض كانت قد حضرت خلال السنوات الماضية لخطة تصعيد بري ضد اليمن، ويبدو أن هذه الخطة كانت تعتمد على المقترحات التي ناقشها الأمريكيون والإسرائيليون خلال معركة طوفان الأقصى، والتي اعتبرت أن الحل الأمثل لردع صنعاء هو إطلاق حملة برية شاملة قابلة للاستدامة وذلك من خلال توحيد صفوف المليشيات المحلية وتزويدهم بمعدات تمكنهم من الصمود واستنزاف صنعاء كالطائرات المسيرة والزوارق الحربية، مع تكريس رواية إعلامية متماسكة تصور أن المعركة “يمنية يمنية”، بحيث لا تصطدم الحملة بالرفض الشعبي للعدوان الخارجي.

 ظهر هذا جليا من خلال الادعاء بامتلاك المليشيات المدعومة من السعودية طائرات حربية “يمنية” وصمت الرياض بشأن الهجمات المتكررة التي نفذتها صنعاء على العمق السعودي ردا على انتهاك الأجواء اليمنية، حيث أصبح واضحا الآن أن هذه الاستراتيجية الإعلامية لم تكن مرتبطة بحرص السعودية على تقليل التعرض للتداعيات، بقدر ما كانت مرتبطة بالحرص على تغيير صورة الصراع بما يتلائم مع طبيعة التصعيد الجديد.

لكن الانهيار الكبير الذي حصل في الساحل الغربي والذي تضمن الفرار من الوازعية والخوخة ومعسكر خالد والمخا وذوباب وجزر زقر وحنيش الكبرى والصغرى في 24 ساعة فقط، كشف عن أخطاء كارثية في التقديرات والحسابات السعودية ليس فقط بشأن التصعيد البري، بل بشأن الصراع مع صنعاء بشكل عام، فهذا الانهيار لم يكن سوى نتيجة لمعطيات خاطئة اعتمدت عليها الرياض منذ اللحظة التي قررت فيها تجاهل دعوة السيد عبد الملك الحوثي في بداية العام الهجري لتحرك واسع نحو “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال”

لقد أصرت السعودية على تجاهل مؤشرات التحول الكبير الذي ظهرت في تلك الدعوة، وقادها ذلك إلى سلسلة لم تتوقف من القرارات الخاطئة، أفقدتها السيطرة على الوضع تماما، فقرار قصف مطار صنعاء في يوليو لمنع هبوط طائرة “ماهان” الإيرانية أدى إلى انهيار “خفض التصعيد” في توقيت لم تختاره الرياض، ثم قادها التمسك بسياسة المساومة والإصرار على مواجهة جهود صنعاء لكسر الحصار إلى التعرض لحظر بحري فعال مفاجئ وفعال للغاية، وقادتها محاولة التعامل مع ذلك الحظر بقصف الحديدة إلى تعريض منشآتها النفطية للخطر، وعندما ذهبت إلى التصعيد البري لم يكن ذلك قرارا محسوبا، بل قرار متسرع آخر بتفعيل ورقة لم تكن جاهزة، حيث تم تعريض القوات والعتاد لخسائر كبيرة في مرحلة الإعداد والتحضير، وهكذا لم يكن البدء باستهداف مواقع الجيش اليمني سوى حفرة أخرى وقعت فيها السعودية وهي تحاول الهروب من حفرة سابقة.

 

النتائج العكسية تتعاظم:

كانت السعودية تظن أن لديها سيطرة على إيقاع المواجهة البرية، حيث تحدث المرتزقة عن خطة تقتضي استنزاف القوات المسلحة اليمنية من خلال ضربات وعمليات محدودة على أكثر من جبهة، مع الاستعداد لضرب أي تحرك مضاد من صنعاء وإبقاءها تحت ضغط مستمر، لكن على غرار كل الخطوات السابقة، اتضح أن الحسابات الميدانية السعودية كانت خاطئة تماما، وقاد ذلك إلى نتائج عكسية كبيرة.

أول تلك النتائج العكسية كانت تطور معادلة “ضرب التحشيدات المعادية” إلى مستوى جديد من خلال إطلاق عمليات برية مضادة، وبرغم أنه من المفترض أن الخطة السعودية كانت تتوقع حدوث هذا الأمر، إلا أن هذه التوقعات كانت ترجح تحركا محدودا من جانب صنعاء، على افتراض أنها لا تستطيع التحرك على كل الجبهات، وأن تدخل الطيران الحربي سيكون فعالا في قمع هذا التحرك المحدود، بالإضافة إلى التكتيكات والقدرات الجديدة التي باتت تمتلكها المليشيات، وبالتالي سيكون هناك مجال للتحكم بتطور المواجهة البرية، بل والتحكم برد فعل صنعاء نفسها.

لكن ما حدث على الواقع هو دفع صنعاء إلى استئناف مسار تحرير الأراضي المحتلة، بعد سنوات من التزام ضبط النفس، وبتكتيكات وقدرات وخطط لم تكن الغارات والاستعدادات السعودية كافية حتى للصمود في وجهها لأكثر من أسبوع، وبدل أن يستنزف السعوديون صنعاء ويغرقونها في صراع داخلي يضعفها أو يؤدي إلى إشغالها على الأقل كما كانوا يأملون، قاموا بفتح المجال أمامها لتحقيق مكسب استراتيجي له تأثير هائل على موازين الصراع، والآن لم يعد يمكن إغلاق هذا المجال أو حتى إيقافه عن نقطة معينة.

من النتائج العكسية لقرار التصعيد البري أيضا أن السعودية أدخلت نفسها في مرحلة “التصعيد الشامل” التي توسع نطاق وشدة الضربات اليمنية على العمق السعودي، ردا على الغارات الجوية، خصوصا في ظل السقف العالي للموقف الوطني في هذا المرحلة والقدرات المتطورة التي باتت صنعاء تمتلكها، وقد قدمت العملية الواسعة التي نفذتها صنعاء ضد منشآت أرامكو في جنوب السعودية في 8 سبتمبر ما يكفي من الإشارات إلى المدى الذي يمكن أن تصل إليه التداعيات، فقد تسببت الضربات في أضرار جسيمة بالمنشآت المستهدفة وأعلنت وزارة الطاقة السعودية “توقف بعض العمليات مؤقتا” بدون تفاصيل، ما دفع أسعار النفط الخام إلى تجاوز حاجز الـ100 دولار للبرميل في ذلك اليوم.


ومن المؤكد أن الجغرافيا التي سيطرت عليها صنعاء خلال الأيام الأخيرة تشكل أثقل نتيجة عكسية لقرار التصعيد البري السعودي، فتأمين الساحل الغربي اليمني بشكل كامل، بما في ذلك الجزر، والموانئ والمطارات التي أنشأتها قوى التحالف خلال سنوات، ومضيق باب المندب نفسه، يشكل انتكاسة استراتيجية كبرى للتحالف وللمشروع الإقليمي والدولي المعادي لليمن، والذي يبحث أصلا منذ سنوات عن طريقة لتقويض النفوذ المؤثر الذي باتت صنعاء تمتلكه في البحر الأحمر، ويتطلع لإعادة احتلال الحديدة.

سنخصص لهذه النقطة أوراقا خاصة خلال الأيام القادمة، وما يهمنا الإشارة إليه الآن هو أن سلسلة النتائج العكسية التي تواصل السعودية الاصطدام بها، بسبب خطأ تقديراتها قد وصلت إلى مستوى تكبد خسائر ذات تأثير “حاسم” على مسار الصراع بأكمله، ففقدان الأراضي الاستراتيجية يجعل السعودية أقل قدرة على المناورة عسكريا واقتصاديا وحتى دبلوماسيا.

ومن النتائج العكسية المهمة لقرار التصعيد البري السعودي، سد أفق أي خيارات تصعيد مستقبلية ضد اليمن، فالرهان على “الحملة البرية”، والذي تركزت جهود الباحثين والمخططين الأمريكيين والإسرائيليين والإقليميين على دراسته والترويج له خلال السنوات الأخيرة، بوصفه “الحل الأخير والأمثل” لردع صنعاء، أصبح الآن رهانا خاسرا بوضوح، وهو ما يضع هؤلاء المخططين أمام نهاية مسدود تماما فيما يتعلق بالتعامل مع صنعاء وموقعها في الصراع الإقليمي.

بعد تحرير الساحل الغربي مباشرة، كشفت تقارير أمريكية أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدخلا عسكريا مباشرا لوقف تقدم صنعاء نحو مضيق باب المندب، لكن هذا الطلب قوبل بالرفض في الوقت الحالي، واكتفت واشنطن بإبلاغ السعوديين بأنها ستواصل دعمهم استخباراتيا.

لقد أصبح الأمريكيون يدركون أن أي حملة جوية أو بحرية ضد اليمن لن تحقق شيئا، وأن تداعياتها ونتائجها العكسية ستكون كبيرة، والآن أصبح واضحا أن الحملة البرية حتى مع وجود انخراط سعودي كامل ستكون مغامرة خاسرة، وبالتالي فإن مسألة التصعيد سواء لمساعدة السعودية حاليا أو للتعامل مع أي تطور مستقبلي أصبحت أكثر تعقيدا مما كانت عليه.

ومع أن جهود السعودية لإشراك حلفاء آخرين سواء في إطار “اتفاقية مكة” أو “التحالف البحري الجديد” لم تثمر أصلا أي نتائج، فإن الفشل الأخير في الساحل الغربي سيعزز قناعة مختلف الأطراف الإقليمية والدولية بأن التورط في جهد عسكري ضد اليمن مستقبلا خيار خاطئ تماما.

ولا يعني أن هذا أن السعودية أو الولايات المتحدة أو إسرائيل لن تتخذ أي خطوات تصعيدية إضافية ضد اليمن حاليا أو مستقبلا، لكن أي خطوات ستكون محاطة بشكوك كبيرة حتى من قبل مخططيها أنفسهم، وهو ما سيؤثر على عمليات تحديد زمن ونطاق أي تصعيد، من أجل تقليل النتائج العكسية التي أصبح واضحا أنها “حتمية”.

وفي الأخير يمكن القول إن قرار التصعيد البري قد أدى إلى نتيجة عكسية أخرى تتمثل في مضاعفة تأثيرات الحظر البحري اليمني الذي كانت السعودية تأمل في تخفيفها، فاتساع نطاق الضربات على منشآت (أرامكو) ردا على الغارات الجوية سيخنق تدفقات النفط من المملكة بشكل أكبر وتجعل الاعتماد على استمرارية ما تبقى منها رهانا غير مضمونا، كما أن سيطرة صنعاء على مضيق باب المندب والساحل الغربي، وحالة “التصعيد الشامل” الذي أصبحت قائمة، ترفعان المخاطر بشكل أكبر على حركة الملاحة المرتبطة بالمملكة.

 

خاتمة:

إن الانهيار السعودي في الساحل الغربي أوضح جيدا أن الرياض تعيش حالة نموذجية من فقدان السيطرة على الوضع، وهو ما يعزز ثقة صنعاء باستراتيجياتها وخياراتها لحسم الصراع، ويشجعها على مواصلة الضغط على المملكة، وعدم ترك أي مجال أمام الأخيرة لعرقلة مسار “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال” من خلال أي اتفاقات جزئية أو تحركات تهدف لإبقاء الوضع كما هو، فضلا عن فتح ثغرة لإضعاف صنعاء.

وبرغم أن هذا الانهيار يضع السعودية أمام ضرورة التخلي عن تقديراتها الخاطئة والاقتراب بشكل جدي من مطالب صنعاء، فإنه لا توجد أية مؤشرات على ذلك حتى الآن، حيث لا تزال الرياض تعتبر أن ما تبقى لها من نفوذ في اليمن، ودعم أمريكي وإقليمي، يكفي لاستمرار المناورة، وهو ما يعني أن نضوج اتفاق سلام حقيقي لا يزال بحاجة إلى المزيد من الضغوط على السعودية.

مع ذلك، فإن نجاح صنعاء في تحقيق تواصل فعال مع خصومها المحليين لحسم معركة الساحل الغربي بشكل سريع، يشير إلى إمكانية تكرار هذا الأمر في جبهات أخرى، وهو ما قد يسهم في إنضاج تفاهمات محلية تدريجية تضغط على التعنت السعودي بشكل أكبر. 

أحدث العناوين

تقارير روسية تسلط الضوء على انكشاف الضعف السعودي

تناولت تقارير وتحليلات صادرة عن مراكز أبحاث روسية، من بينها معهد الشرق الأوسط في موسكو ومجلة السياسة الخارجية الروسية...

مقالات ذات صلة