موقف باكستان من التصعيد بين صنعاء والرياض: حدود الالتزام الدفاعي ومأزق تجنب الانخراط في حرب شاملة

اخترنا لك

أحمد الكمالي*- مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات :

تضع التطورات العسكرية الأخيرة بين صنعاء والسعودية باكستان أمام اختبار صعب، إذ تجد “إسلام آباد” نفسها مدفوعة بمطالبات متزايدة لتأكيد التزامها بالدفاع عن أمن السعودية بموجب اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل الموقعة بين البلدين في سبتمبر/أيلول 2025 واتفاق مكة في أغسطس/آب 2026، علاوة على العلاقات التقليدية المتينة بين البلدين، الأمر الذي قد ينجم عنه توريط باكستان بشكل مباشر في الحرب السعودية مع اليمن.

في المقابل، ليس لباكستان مصلحة وطنية حقيقية في خوض حرب من هذا النوع، فضلاً عن أن مساراتها ونتائجها تبقى غير محسوبة، وقد تعود بنتائج عكسية على باكستان أقلها تعريض مصالحها في المنطقة للخطر، بما في ذلك السفن والمصالح التجارية الباكستانية، وتقويض دورها السياسي الناشئ كوسيط دبلوماسي نشط بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة لتعريض مصالح وأولويات “إسلام آباد” القومية والأمنية للخطر وتركها مكشوفة أمام المخاطر الجيوسياسية التقليدية التي مصدرها الهند والنزاع المتصاعد مع حكومة طالبان الأفغانية.

في هذه الورقة، نحاول قراءة الموقف السياسي الباكستاني إزاء التصعيد الأخير بين صنعاء والرياض، الذي بدأ في منتصف يوليو الماضي، من خلال تتبع مواقف إسلام آباد الرسمية وتحولاتها تجاه الصراع في اليمن، بهدف التعرف على العوامل المؤثرة في الموقف الباكستاني وحدود انخراطه في الحرب، ووضع سيناريوهات محتملة لمساراته في المدى المنظور.

أولاً: الحذر الباكستاني في مواجهة الالتزام الدفاعي الناشئ

يقدم موقف البرلمان الباكستاني في أبريل/ نيسان 2015 نقطة انطلاق جيدة لفهم الموقف الحالي لإسلام آباد؛ فقد رفض حينها الانخراط في حرب اليمن ضمن تحالف “عاصفة الحزم” الذي شكلته السعودية، ودعا إلى الحفاظ على حياد باكستان في الصراع اليمني حتى تتمكن من أداء دور دبلوماسي فاعل لإنهاء الأزمة، دون أن يفوته تأكيد دعمه الصريح للسعودية، وتعهده في الوقت نفسه بالوقوف إلى جانب الرياض إذا تعرضت سلامة أراضيها أو الحرمين الشريفين للتهديد.

موقف البرلمان الباكستاني حمَّل منذ البداية معادلة مركبة تمثلت في التزام باكستان بأمن السعودية و”المقدسات”، كما جاء في البيان الصادر عن البرلمان في حينه، مع رفض المشاركة في الحرب داخل اليمن، وإبقاء مساحة للتحرك الدبلوماسي.

لكن هذه المعادلة شهدت متغيرات مهمة بين 2025 و2026، تمثلت في توقيع باكستان والسعودية اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل في سبتمبر/أيلول 2025، ثم تعزيزها باتفاقية مكة للدفاع المشترك في أغسطس/آب 2026، بمشاركة تركيا. ونصت الأخيرة على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تأكيد باكستان على الطبيعة الدفاعية للاتفاق.

ومع أن اتفاقية مكة لم يتم المصادقة عليها بعد من قبل مجلس النواب الباكستاني، وإقرار المتحدث باسم الخارجية الباكستانية أنها “اتفاقية إطارية ستستغرق آلياتها المؤسسية وقتا لتتبلور وتتطور”. إلا أن تزامن توقعيها مع اشتعال التصعيد العسكري بين صنعاء والرياض، وضَعها إعلاميا وسياسيا، تحت الأضواء وأمام اختبار عملي منذ الساعات الأولى لتوقيع الاتفاق.

ثانياً: التصعيد المتسارع واختبار حدود الالتزام

تكشف المواقف الباكستانية من التصعيد المتبادل بين الرياض وصنعاء عن مسار متصاعد. ففي 8 سبتمبر، أدانت باكستان الهجمات على خميس مشيط وجيزان ونجران، وأكدت دعمها لحق السعودية في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أراضيها ومواطنيها وأصولها الوطنية.

وفي 10 سبتمبر، أوضح المتحدث باسم الخارجية الباكستانية أن القيام بعمل عسكري مباشر ضد “الحوثيين” ليس مطروحا للنقاش الفعلي في الوقت الراهن، مع التشديد على الطبيعة الدفاعية لاتفاقية مكة، وعلى أن الحوار والدبلوماسية يمثلان الطريق المستدام لتحقيق السلام في اليمن.

ومع ادعاء السعودية اعتراض طائرة مسيرة أطلقها أنصار الله “الحوثيون” تجاه مكة المكرمة، اتسم الخطاب الباكستاني بنبرة أكثر حدة تجاه صنعاء، وبمزيد من التأكيد على الالتزام بالدفاع عن السعودية، كما خرجت احتجاجات بمدن باكستانية عقب ادعاء الرياض محاولة قوات صنعاء استهداف مكة المكرمة.

وفي 17 سبتمبر، تحدث وزير الدفاع الباكستاني عن أن الوقت حان لتنفيذ اتفاقية الدفاع المبرمة في مكة، مؤكدا أن حماية المملكة والمدينتين المقدَّستين تقع على عاتق بلاده حتى في غياب الاتفاقية. ثم واصلت الخارجية الباكستانية تأكيد التزامها بأمن السعودية، مع القول إن هدفها فيما يتعلق باليمن هو الوصول إلى السلام والأمن والمصالحة ومنع انتشار الأزمة إلى بقية المنطقة.

وبالرغم من النفي القطعي والواضح والسريع والمتواصل من قبل جميع المستويات الرسمية والشعبية اليمنية في صنعاء للادعاءات السعودية حول استهداف مكة المكرمة، إلا أن الخطاب الرسمي الباكستاني ما يزال حتى اليوم يتبنى الرواية السعودية، ومؤخرا وصف رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الـ 25 من سبتمبر “أمن الحرمين الشريفين بالخط الأحمر لبلاده “.

كما عقد رؤساء أركان باكستان وتركيا والسعودية اجتماعاً في الرياض لبحث الوضع الأمني والتهديدات التي تواجه المملكة، ومناقشة ما وصف بالاحتياجات العسكرية للرياض، فيما يبدو نقطة تحول أساسية في الموقف الباكستاني، فحتى منتصف سبتمبر 2026 كانت إسلام آباد تحاول الجمع بوضوح بين دعم أمن السعودية والتأكيد على التسوية السياسية في اليمن، أما بعد محاولة استهداف مكة المزعومة، فقد تراجع حضور البعد الدبلوماسي في خطاب إسلام أباد، مقابل تصاعد الحديث عن الالتزام الدفاعي تجاه السعودية، وتبني وجهة النظر السعودية بشأن التصعيد.

هذا التحول في الموقف الباكستاني لم يصاحبه إعلان رسمي عن مشاركة باكستانية مباشرة في العمليات الهجومية داخل اليمن، وبالتالي، فإن الثابت في خطاب إسلام آباد هو التزامها بأمن السعودية، بينما تكمن المعضلة في حدود هذا الالتزام، وكيف يمكن تجنب تحوله إلى مشاركة مباشرة في الحرب اليمنية، خصوصاً أن باكستان ليست الطرف الذي يرسم إيقاع التصعيد بين صنعاء والرياض أو يملك التحكم ولو جزئيَّا في هذا المسار.

ثالثاً: محددات الموقف وحدود الانخراط

السعودية:قوة دفع نحو انخراط باكستاني غير محسوب

السعودية هي العامل الأكثر دفعاً نحو الانخراط الباكستاني في التصعيد القائم مع اليمن، وذلك بالنظر إلى طبيعة العلاقات الأمنية والاقتصادية التاريخية بين البلدين. فالمملكة شريك اقتصادي وداعم مهم لباكستان، تستضيف أكثر من مليونَي باكستاني يقيمون على أراضيها، وتقدِّم دعماً ماليَّاً ونفطيَاً واستثماريَّاً متنوعاً لإسلام آباد، ويتنوع هذا الدعم السعودي بين تقديم ودائع مالية للبنك المركزي الباكستاني كان آخرها منحة مالية بـ3 مليارات دولار تم الإعلان عنها في منتصف أبريل الماضي، بالإضافة إلى التمويل النفطي مؤجَّل الدفع، ومؤخراً وقَّع الطرفان اتفاقية إطار للتعاون الاقتصادي تشمل استثمارات سعودية في قطاعات متنوعة كالزراعة، الموانئ، الطرق، المطارات، والطاقة وغيرها..، وذلك يتيح للرياض ممارسة نفوذ وضغط سياسي فاعل على السياسة الباكستانية.

وتُعد العلاقات الأمنية أحد أوجه الشراكة التقليدية بين البلدين، وقد عززت اتفاقيات الدفاع الأخيرة هذا البعد، بالتزامن مع حاجة الرياض إلى شركاء أمنيين في ظل تفكك تحالفها السابق المشكل في حرب اليمن، بل وتحول علاقتها ببعض الدول المشاركة فيه إلى علاقة صراع كما حصل مع الإمارات. بالإضافة إلى انكشاف هشاشة مظلة الحماية الأمريكية خلال التطورات الإقليمية المرتبطة بحرب إيران.

ومنذ أبريل الماضي، أصبح التواجد العسكري الباكستاني في الأراضي السعودية، معلن بشكل واضح، مع وصول قوة مكونة من 8 آلاف جندي وسرباً من الطائرات المقاتلة من نوع ” JF-17″، وطائرات مسيرة، ونظام دفاع جوي من طراز HQ-9 صيني، إلى المملكة، بحسب وكالة “رويترز”.

لكن هذه العلاقة لا تعني أن المصالح الباكستانية تتطابق بالكامل مع خيارات الرياض العسكرية، فإسلام آباد لا تواجه في اليمن تهديداً مباشراً لأمنها القومي يفرض عليها خوض الحرب، كما أن الانخراط في حرب بعيدة جغرافيَّاً قد يُعرض قواتها المشاركة ومصالحها وسمعتها وتوازناتها الإقليمية للخطر.

وبالمجمل، تَدفع العلاقة مع السعودية باكستان نحو الانخراط أكثر في الصراع، بينما تفرض عوامل أخرى قيودا وكوابح معتبرة على تحويل هذا الالتزام إلى حرب مباشرة، وعليه فإن اتجاه السياسة الباكستانية نحو الانخراط الهجومي في العمليات العسكرية من عدمه يرتبط بقدرتها على مقاومة الضغوط السعودية، وتوضيح المخاوف من عواقب القفز نحو المجهول والتورط في حرب عمرها نحو اثني عشر عاماً، وهو ما يبدو أن “إسلام أباد” تحاول القيام به بالفعل من خلال الاكتفاء بتأكيد التزاماتها الدفاعية تجاه الرياض، بما يعني ضمنيَّاً عدم الاستعداد للتورط في عمليات هجومية في اليمن.

إيران والوساطة الباكستانية: عامل ضبط

إيران دولة جارة لباكستان، وتتداخل معها في ملفات أمن الحدود وقضايا أمن إقليمي متبادل، وتربطهما علاقات سياسية واقتصادية متشابكة، فيما تسعى إسلام آباد إلى ترسيخ دورها الدبلوماسي في الوساطة بين طهران وواشنطن. ومن الطبيعي، أن إسلام آباد لا ترغب بأن تتحول من موقع الوسيط الدبلوماسي إلى طرف منخرط في صراع لا يمثل تهديداً مباشراً لمصالحها.

مع الأخذ في الاعتبار أن التحرك الدبلوماسي الذي تقوم به إسلام آباد لا يمثل مساراً منفصلاً عن التزامها الأمني تجاه السعودية، إذ يمكن أن يكون إحدى الأدوات التي تحاول باكستان من خلالها إدارة هذا الالتزام ومنع توسعه. وهذا ما يؤكده نقلها رسالة سعودية إلى طهران في سبتمبر الماضي لكبح هجمات صنعاء، وفق ما نقلته رويترز، وكان رد طهران بأنها” لا تسيطر على أنصار الله”.

وعموما فإن استثمار باكستان لدبلوماسيتها النشطة من أجل تقليص حدود التزاماتها الدفاعية عن الرياض، ودرء خطر المشاركة المباشرة في حرب ليست حربها، يظل أمراً محدوداً للغاية طالما هي تتبنى الموقف السياسي السعودي من اليمن، وتُسخِّر قنواتها الدبلوماسية لمجرد تمريره كما هو دون محاولة التأثير فيه.

اليمن والملاحة الباكستانية: كلفة الانخراط العالية

يشكل العامل اليمني قيداً آخر لباكستان، فالموقف الذي تبناه البرلمان الباكستاني عام 2015 لم يكن قائما فقط على حسابات العلاقة مع السعودية، وإنما أيضاً على رفض تحويل باكستان إلى طرف في حرب داخل اليمن، فعدم وجود تهديد مباشر للأمن القومي الباكستاني، يعطي إسلام آباد مشروعية قانونية وأخلاقية للتورط بالحرب في اليمن، كما أن الخسائر المحتملة والتداعيات السياسية والأمنية تحد هي الأخرى من اندفاع إسلام آباد نحو المشاركة المباشرة في الحرب.

وينطبق الأمر نفسه على الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، فحماية الملاحة يمثل مصلحة أمنية واقتصادية لباكستان، لكن في الوقت نفسه، قد تصبح تلك المصلحة أكثر عرضة للخطر إذا تحولت باكستان إلى طرف مباشر في التصعيد من خلال استهداف صنعاء للسفن التجارية الباكستانية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. وهذا العامل يمكن أن يدفع باكستان نحو الاكتفاء بتقديم دعم دفاعي غير واسع داخل الأراضي السعودية، والإبقاء على مشاركتها في ” التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات” عند حدودها الراهنة، وعدم المشاركة في عمليات برية أو هجومية ضد قوات صنعاء داخل اليمن أو في المياه اليمنية الإقليمية.

أولويات باكستان الأمنية

تعطي العقيدة العسكرية الباكستانية أولوية لصراعها التاريخي الممتد والمتجدد مع الهند، وفي مايو 2025،  اندلعت مواجهات عنيفة بين البلدين كادت تتحول إلى حرب شاملة، وليس هناك ما يمنع تجدد مثل تلك المواجهات في أي وقت، وإذا أضيف إلى الخطر الهندي التقليدي الحاكم للسياسات الباكستانية منذ استقلال هذا البلد، التوتر العسكري والأمني المستمر على الحدود مع أفغانستان، فإن من الممكن القول إن باكستان غير قادرة على توجيه مواردها وقدراتها العسكرية والأمنية، خاصة الصواريخ الاعتراضية، خارج الحدود التي ترسمها جغرافيا الجوار الملتهبة بالتحديات ذات الأولوية لأمنها القومي دون أن ترتكب مقامرة تاريخية خطرة وغير محسوبة.

يضاف إلى ذلك، أن الانخراط في حرب اليمن قد يفتح نقاشات وصراعات داخلية وقد يرفع وتيرة الخطاب الساخط من التبعية السياسية والارتهان للأجندة الخارجية، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات أمنية واقتصادية وسياسية عديدة على الصعيد الداخلي، تتمثل أبرز عناوينها في خوضها عمليات عسكرية ضد حركة “طالبان باكستان” والحركات الداخلية في إقليم “بلوشستان”، ومواجهة اقتصادها أزمة مالية تتطلب دعماً مالياً مستقراً للحفاظ على قيمة العملة، وكذلك استمرار الاحتجاجات من قبل أنصار رئيس الوزراء الأسبق عمران خان المعتقل في السجون الباكستانية منذ 2023.

في المقابل، فإن تردد باكستان في توسيع التزامها الأمني تجاه السعودية قد يدفع الرياض إلى استخدام ورقة الدعم الاقتصادي ضدها، وقد يُستثمر من قبل خصوم إسلام آباد في الإقليم، ويترتب عليه كلفة اقتصادية وسياسية وأمنية أخرى، وهو ما يجعل العامل الداخلي والتنافس مع الهند، عاملاً ضاغطاً في الاتجاهين رغم عدم تماثلهما، فعلى افتراض أن باكستان وضعت حدوداً لالتزاماتها الأمنية لا تتفق مع ما تأمله الرياض، فإنَّ الأخيرة ليست في موقع يُمكِّنها من تصفية الحسابات مع حلفائها الإقليميين، وهذا ما تشير إليه محاولاتها للتقارب مع الإمارات في الآونة الأخيرة.

وعلى أية حال، يمكن فهم الموقف الباكستاني باعتباره محاولة لإدارة تناقض بين اتجاهين: التزام دفاعي قابل للتوسع تجاه السعودية، وكوابح سياسية وأمنية وإقليمية تمنع تحوِّل هذا الالتزام إلى مشاركة في حرب مفتوحة.

رابعاً: السيناريوهات المحتملة

يمكن تصور مسارات مستقبلية للموقف الباكستاني عبر عدة سيناريوهات، باعتبارها مسارات مشروطة بتطورات التصعيد العسكري المتبادل بين صنعاء والرياض، وبالمتغيرات الإقليمية المحيطة، وذلك على النحو الآتي:

1-استمرار الاحتواء دون تدخل مباشر

وفقا لهذا السيناريو تستمر باكستان في إدانة الهجمات على السعودية ودعم حقها في الدفاع عن نفسها بغرض احتواء الضغوط السعودية، مع الإعلان عن تفعيل آليات الاتفاقيات المشتركة في إطار دفاعي، والحفاظ على قنوات التواصل مع إيران، والدفع نحو التسوية السياسية في اليمن من خلال الوساطة كمسار مواز، حيث تملك إسلام آباد، بالتنسيق مع تركيا ودول أخرى فاعلة في المنطقة، مساحة لطرح مقاربة واقعية على الرياض، مبنية على الجمع بين استمرار تأكيد الدعم السياسي والدفاعي، وحثها على الذهاب نحو خفض التصعيد مع اليمن.

ويعني هذا السيناريو ببساطة، استمرار التأكيد على الالتزام الدفاعي الجديد دون العودة إلى حياد 2015، ودون الانتقال إلى العمليات المباشرة في حرب اليمن.

2-الانخراط الدفاعي والمساهمة العسكرية المحدودة

تنتقل باكستان إلى مستوى أكثر تقدمَّا من الدعم الدفاعي للسعودية، من خلال نشر منظومات دفاعية، أو تقديم التدريب والاستطلاع والخدمات الفنية، بما يتوافق مع الطبيعة الدفاعية المعلنة للاتفاقيات، مع وجود احتمالات للانزلاق نحو مواجهات ذات طابع هجومي محدود خارج إطار الالتزام الدفاعي لاعتبارات عملياتية في المقام الأول. ويضع هذا السيناريو- الذي تفيد مؤشرات عدة على وجوده أو التحضير له- القوات والمقدرات الباكستانية في دائرة الاستهداف اليمني المحتمل، لكنه يظل مختلفاً عن المشاركة في العمليات المباشرة المتقدمة.

ويشمل هذا السيناريو نشر قوات أو قدرات لحماية الحدود والمنشآت السعودية، أو مشاركة طيارين باكستانيين في عمليات عسكرية مرتبطة بالدفاع عن تلك المناطق دون تجاوزها إلى الأراضي اليمنية، وهذا سيناريو تدعمه إلى حدٍّ ما مخرجات اجتماع رؤساء الأركان الثلاثي (السعودية، تركيا، باكستان) في الرياض بتاريخ 25 سبتمبر، لذلك فهو السيناريو المرجح.

وبما أن المناطق الحدودية بين اليمن والمملكة تمثل مسرحاً قتالياً متداخلاً في حال اشتعال التصعيد، فإن الفصل بين حدود الدفاع والهجوم في هذا المستوى يصبح أكثر صعوبة. وبذلك يَنقل هذا المسار باكستان عمليا إلى مستوى المشارك بالحرب حتى لو ظل عنوانه الدفاع عن الأراضي السعودية.

3- المشاركة في العمليات الهجومية داخل اليمن

في هذا السيناريو، تنتقل باكستان إلى المشاركة في عمليات داخل الأراضي اليمنية، سواء عبر نشر قوات، أو تدريب قوات يمنية موالية للرياض، أو تنفيذ غارات جوية على الأراضي اليمنية. وعند هذه النقطة لا يعود الحديث عن التزام دفاعي فقط، بل عن تحول باكستان إلى طرف مباشر في الحرب. واحتمالات حدوث هذا السيناريو مرتبطة بحدوث تطورات عسكرية نوعية في مسار المواجهات بين صنعاء والرياض، كنجاح قوات صنعاء في إحداث اختراقات جغرافية داخل الأراضي السعودية.

الخلاصة

تكشف قراءة الموقف الباكستاني أن إسلام آباد لم تعد أمام المعادلة نفسها التي حكمت موقفها من الحرب في اليمن عام 2015، فقد انتقلت العلاقة مع السعودية من التزام سياسي بالدفاع عن أراضيها إلى إطار دفاعي أكثر مؤسسية، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالها إلى المشاركة المباشرة في الحرب اليمنية.

ومن ثم، فإن المعضلة الباكستانية لا تكمن في الالتزام بأمن السعودية بقدر ما تكمن في حدوده، وفي قدرة إسلام آباد على الوفاء بتعهداتها الدفاعية دون الانجرار إلى حرب لا تبدو مصالحها الوطنية مهيأة لتحمل كلفتها ونتائجها. فمثل هذا الانخراط قد يشتت أولوياتها الأمنية والقومية، ويعرض مصالحها للخطر، ويضعف دورها السياسي الناشئ كوسيط يسعى إلى التقليل من احتمالات تجدد الحرب الأمريكية على إيران وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.

وتظل علاقات باكستان بإيران، ودورها الدبلوماسي، وحساباتها الداخلية والإقليمية، كوابح أمام توسيع نطاق هذا الالتزام. ويبقى التحدي أمام صانع القرار الباكستاني هو منع تحول الالتزام الدفاعي إلى انخراط مفتوح في الحرب اليمنية، والإبقاء على مساحة للمسار الدبلوماسي قبل أن تصبح خيارات التصعيد أكثر كلفة وأقل قابلية للضبط والتحكم.

*صحافي وباحث سياسي.

أحدث العناوين

الطقس المتوقع خلال ال24ساعة القادمة

الطقس المتوقع خلال ال24ساعة القادمة بمشيئة الله تعالى خلال الفترة من الساعة 16:00 تاريخ 04/10/2026م حتى الساعة 16:00 تاريخ05/10/2026م وفقا...

مقالات ذات صلة