أبو بيروت:
تتسارع التحولات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وحوض النيل بشكل يضع الأمن القومي المصري أمام تحديات غير مسبوقة. وفي ظل تشابك المصالح والتحالفات الإقليمية الجديدة، يثور تساؤل جوهري حول طبيعة التحركات المصرية: ما الذي يمنع الجيش المصري، الذي تأسس بنيانه الحديث على عقيدة واضحة تعتبر إسرائيل التهديد الإستراتيجي الأول، من اتخاذ إجراءات حاسمة — سياسية واقتصادية وليست بالضرورة عسكرية — لتفادي تداعيات التحالفات القائمة بين الكيان الصهيوني وقوى إقليمية مثل الإمارات، السعودية، وأثيوبيا؟
فبينما تشهد الملاحة في البحر الأحمر اضطرابات مستمرة تؤثر بشكل مباشر ومؤلم على عوائد قناة السويس، يبرز تساؤل ملح حول غياب المرونة الدبلوماسية والاستخباراتية. لماذا لا تبادر المخابرات المصرية بربط جسور تواصل وتنسيق — ولو تحت الطاولة — مع جماعة “الحوثيين” في اليمن كخطوة براغماتية لتأمين الملاحة في مضيق باب المندب؟ إن غياب مثل هذا التواصل يترك شريان مصر الاقتصادي الأهم رهينة للتصعيد، دون استغلال أوراق الضغط السياسي المتاحة.
على جبهة أخرى، يمثل السعي الإثيوبي للتواجد في “صوماليلاند” (أرض الصومال) وإيجاد ممر مائي يطل على البحر الأحمر طعنة واضحة للمصالح المصرية، بتنسيق وتماهٍ مع الرغبات الإسرائيلية. وهنا يبرز تساؤل عن حدود الردع؛ لماذا لا تتحرك القوات المسلحة المصرية لمنع هذا التواجد الإثيوبي الذي ينقل التهديد من منابع النيل إلى الممرات البحرية اللصيقة بالأمن القومي المصري؟
أمام المحاولات المستمرة لتصفية القضية الفلسطينية، يواجه النظام المصري مسؤولية تاريخية لاتخاذ خطوات جادة لمنع تهجير الفلسطينيين بشكل قطعي، وإحباط الأطماع التوسعية الإسرائيلية التي تستحضر أدبيات “إسرائيل التوراتية” من النيل إلى الفرات. إن منع هذا المخطط يتطلب تفعيل عناصر القوة الشاملة لمصر وتثبيت الموقف الرافض لأي تغيير ديمغرافي على الحدود السيناوية.
كما يطرح الواقع الداخلي تساؤلاً مشروعاً حول مدى قدرة الجيش المصري على خوض “حروب وجودية” في المرحلة الراهنة. فبعد سنوات طويلة من الانكفاء على الداخل، والراحة العسكرية النسبية، والانغماس في إدارة مفاصل الاقتصاد الوطني (والذي تشير تقديرات تحليليلة إلى هيمنته على حصة واسعة من الأنشطة الإنتاجية والخدمية)، ، يخشى مراقبون أن يكون هذا التوجه قد جاء على حساب الكفاءة القتالية والجاهزية الميدانية المطلوبة لمواجهة تهديدات وجودية حقيقية.
ثمة إشارات مقلقة تستدعي التساؤل عما إذا كانت القيادة المصرية واعية تماماً لأبعاد التحالف الإستراتيجي غير المعلن الذي يضم الإمارات، المغرب، السعودية، الأردن، وقوات حفتر في ليبيا مع إسرائيل، برعاية أمريكية كاملة. إن هذا المحور يمتلك أدوات ضغط اقتصادية مرعبة؛ ماذا لو قررت دول الخليج فجأة سحب ودائعها بمليارات الدولارات من البنك المركزي المصري ونقل استثماراتها الهائلة إلى بلدان أخرى؟ إن هذا السيناريو يعني انهياراً فورياً للمنظومة المالية المصرية، مما يجعل القرار السياسي مكبلاً برغبات الممولين.
تُجمع المؤشرات على أن مصر مقبلة على حصار اقتصادي وسياسي ممنهج، قد يليه تصعيد عسكري تدريجي يهدف إلى شل قدراتها وتجريدها من أوراق قوتها التاريخية المتمثلة في قناة السويس ونهر النيل العظيم.
خلف هذا المشهد المعقد، يبدو أنه لا خيار أمام الجيش المصري والدولة المصرية سوى:
• تصويب البوصلة الإستراتيجية وإعادة ترتيب الأولويات وفقاً للمهددات الحقيقية.
• الخروج من العباءة الأمريكية التي تسعى تاريخياً لتطويع القدرات المصرية لصالح أمن الكيان الصهيوني.
• مراجعة الاتفاقيات الأمنية والعسكرية — المعلنة منها والسرية — واستعادة استقلالية القرار الإستراتيجي قبل فوات الأوان.
كاتب من تونس


