لهذا فشلت المفاوضات السابقة مع السعودية!

اخترنا لك

|  أنس القاضي

تتعامل الرياض مع المفاوضات مع صنعاء بوصفها آلية لاختبار مدى استعداد أنصار الله للقبول بعلاقة تبعية، وإمكانية احتوائهم ضمن أدوات نفوذها في اليمن، فتصورها للتسوية ما يزال محكوماً بهذا الرهان، وهو ما يفسر طول أمد الحرب رغم تعدد جولات التفاوض والتفاهمات من العام ٢٠١٥م إلى العام ٢٠٢٦م.

تمنح المفاوضات الرياض، بما تتضمنه من مناقشات وانتظار لتنفيذ الالتزامات، ثم الدخول في مباحثات جديدة حول إجراءات التنفيذ، وقتاً إضافياً لإعادة بناء قوتها وتعديل موازين القوى، فيما تظل القضايا الأساسية، كالتدخل العسكري والحصار والحرب الاقتصادية، معلقة، وتتراكم كلفة الانتظار على المجتمع اليمني، مع رهان الرياض على تحوّل هذه الضغوط إلى انفجار داخلي، بالتزامن مع خطاب إعلامي يحرض على صنعاء.

ويظهر هذا السلوك في التعامل مع هدنة العام ٢٠٢٢م وتفاهمات خارطة الطريق في العام ٢٠٢٣م، فإلى جانب المتغيرات الإقليمية التي أثرت في الموقف السعودي من تنفيذ خارطة الطريق، والمتعلقة بطوفان الأقصى اكتوبر٢٠٢٣ وإزاحة الإمارات من عدن يناير ٢٠٢٦، استثمرت الرياض فترة التفاوض والتعطيل في ثلاثة مسارات متوازية.

تمثل المسار الأول في دعم حكومة العليمي التابعة في عدن بالقدر الذي يحافظ على بقائها وقدرتها على الاستمرار ونقل البنوك ومقرات المكاتب الدولية من صنعاء، مع إبقاء اعتمادها على الإسناد السعودي وعجزها عن القيام بأي تحرك مستقل ضد صنعاء سلما أو حربا.

واتخذ المسار الثاني شكل تشديد الضغوط والعوائق الاقتصادية على صنعاء، عبر إجراءات تُقدَّم بوصفها قرارات صادرة عن حكومة عدن، بالتوازي مع العقوبات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية بطلب من الرياض، بما يفاقم الضغوط على الاقتصاد في مناطق حكومة صنعاء ويزيد كلفة استمرار الوضع القائم.

وتمثل المسار الثالث في بناء تشكيلات عسكرية من المرتزقة اليمنيين مرتبطة بالسعودية مباشرة، خارج حتى وزارة دفاع حكومة العليمي”الشرعية المزعومة”، مثل قوات الطوارئ وقوات درع الوطن، بما يمنح الرياض أدوات عسكرية خاصة بها، تستخدمها في تعديل موازين القوى مع صنعاء ومع الانتقالي، وتعزز من خلالها قدرتها على التحكم بمعسكر ما تُسمى “الشرعية” وقد تجلى ذلك في الاطاحة بالانتقالي يناير ٢٠٢٦.

وقد استمر هذا السلوك خلال الفترة من العام ٢٠٢٢م إلى العام ٢٠٢٦م، وظهرت آلية استهلاك الوقت حتى في مباحثات الأسرى التي سبقت عودة التصعيد في يوليو الماضي، إذ استغرقت ترتيبات الإعلان عن المواعيد وتعليقها ومناقشة القوائم قرابة شهر، بما يوضح كيف يمكن أن تتحول الإجراءات التفصيلية إلى عملية تفاوضية ممتدة تؤجل النتائج.

وتشير محصلة هذه المسارات إلى توظيف سعودي للمفاوضات في تحسين موازين القوى لمصلحتها، بالتوازي مع اختبار قابلية صنعاء للاندماج في منظومة النفوذ السعودي، وتصبح التفاهمات، ضمن هذا المنطق، مرحلة مفتوحة لإعادة تشكيل البيئة اليمنية استباقاً للتسوية، ويظل تنفيذ الالتزامات مرتبطاً بما تأمل الرياض تحقيقه من إعادة إنتاج هيمنتها على اليمن.

ويكمن جوهر المشكلة في تصور السعودية لطبيعة الطرف الذي تفاوضه، فهي تتعامل مع أنصار الله بوصفهم قوة يمنية تسعى إلى احتوائها، فيما تتقدم صنعاء بقيادة أنصار الله بمطالب تتعلق بسيادة الدولة اليمنية والتزامات السعودية الناشئة عن قيادتها العدوان العسكري منذ العام ٢٠١٥م، وهو اختلاف يمس أساس التفاوض والنتيجة المنتظرة منه.

ويبدو أن الرهان السعودي ما يزال معقوداً على قبول أنصار الله موقعاً داخل شبكة التبعية التي أدارتها المملكة عبر اللجنة الخاصة وعلاقاتها بالقوى اليمنية الأخرى، وعندها تستطيع الرياض تقديم نفسها وسيطاً بين أطراف متصارعة مرتبطة بها، توزع بينها الدعم والنفوذ والحصص، وتحتفظ بموقع المرجعية العليا في تقرير الشأن اليمني.

وتصطدم هذه الرؤية بسياسة صنعاء القائمة على التعامل مع السعودية بوصفها دولة قادت الحرب على دولة أخرى ذات سيادة، وتترتب عليها التزامات تجاه اليمن، فيما تسعى الرياض إلى حصر التفاوض في تسوية خاصة مع مكوّن يمني،

ويعني استمرار هذا الخلاف الجوهري تعثر الوصول إلى السلام، فالتقدم في التفاصيل يظل هشاً ما دامت السعودية تتمسك بتسوية تحفظ لها أدوات الهيمنة على القرار اليمني وتبرمها مع مكون يمني، وتتيح لها الظهور بوصفها وسيطاً، مع التنصل من مسؤولياتها كطرف أساسي في الحرب على الجمهورية اليمنية.

ومع ذلك فإن معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد القائمة منذ يوليو الماضي ستعيدها إلى جادة الصواب؛ فاليوم لم تعد المماطلة واستمرار وضع لا سلم ولا حرب وضعا مريحا للمملكة -كما كان سابقا- بل منهكا وخسارة وكلفة تتضاعف يوما فيوم!

 

*من صفحة الكاتب في منصة إكس

أحدث العناوين

حماس في ذكرى وعد بلفور: الشعب الفلسطيني متمسك بأرضه وحق العودة

أكدت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، اليوم الاثنين، في بيان بمناسبة الذكرى الـ109 لوعد بلفور، تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وحقوقه...

مقالات ذات صلة