| حسني محلي
من دون الدخول في تفاصيل الحملة الانتخابية التي وصلت تكاليفها إلى 12 مليار دولار، يعترف الجميع أنّ السبب الأهمّ نفسياً في سقوط تحالف ترامب – نتنياهو في انتخابات الثلاثاء هو ردّ فعل الناخب الأميركي على سياسات القتل والإجرام التي ينتهجها الثنائي ضدّ الشعب الفلسطيني في غزة ثم إيران ولبنان. ومع أنّ استطلاعات الرأي ترى في ارتفاع أسعار البنزين بانعكاسات ذلك على غلاء المعيشة اليومية والواقع الاقتصادي، وسببه أيضاً العدوان على إيران، فالجميع يعرف جيداً أنّ سياسات ترامب ضدّ إيران وعدوان “تل أبيب” الإجرامي على غزة بدعم من ترامب كان حديث الإعلام الأميركي الشريف، وبالتالي الشارع الأميركي الذي تأثّر بهذا الحديث وأحاديث شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من مساعي اللوبي اليهودي لعرقلة ذلك بعد أن خصص من أجل ذلك مئات الملايين من الدولارات.
وهو ما كان واضحاً خلال الحملة التي تعرّض لها عبد الرحمن السيد ( عبدول) في ميشيغان وأدم حموي في نيوجيرسي، فأصبح السيد أول مواطن مسلم يدخل مجلس الشيوخ في تاريخ أميركا، فيما أصبح حموي الرجل المسلم الأول الذي دخل مجلس النواب بعد أن تبنّيا وبشكل علني وصريح مواقف تضامنية مع الشعبين الفلسطيني والإيراني وضد الثنائي ترامب – نتنياهو .
وجاء فوز السيد وحموي وأمثالهما في مجالس الولايات ومعهما رشيدة طليب وإلهام عمر التي استهدفها ترامب شخصياً وأمر قوات الأمن بمداهمة منزلها، ليثبت أيضاً فشل اللوبيات اليهودية بكلّ إمكانياتها المادية والسياسية والأمنية والإعلامية الضخمة في التأثير على قناعات الشارع الأميركي وخاصة جيل الشباب الذي بات يكره “إسرائيل”.
وجاء فوز عبد الرحمن السيد ليثبت هذه الحقيقة حيث استنفرت كلّ اللوبيات اليهودية ومعها الرئيس ترامب ونائبه فانس كلّ إمكانياتهم لسدّ الطريق على السيد الذي هزمهم جميعاً بعد أن كان واضحاً في أحاديثه وتعليقاته ضدّ العدوان الإسرائيلي على غزة والأميركي على إيران.
وأدّى موقف السيد وأمثاله دوراً مهما في التأثير على قناعات الشارع الأميركي في رفض كلا العدوانين حيث أثبتت استطلاعات الرأي أنّ أكثر من 60% من المواطنين الأميركيين يعترضون على العدوان الأميركي على إيران، وأنّ نسبة أعلى من ذلك تعترض على سياسات نتنياهو ضدّ الشعب الفلسطيني، وترى في ذلك نهجاً عدوانياً يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي استهدف الأطفال والنساء والعزّل. كما تراجعت شعبية المؤيدين لترامب إلى 30%.
والأهمّ من كلّ هذه النسب أنّ ما لا يقلّ عن 45% من المواطنين الأميركيين قالوا خلال استطلاعات الرأي المذكورة أنهم باتوا يكرهون اليهود لأنهم يؤيّدون جرائم “إسرائيل” بحقّ الشعب الفلسطيني في فلسطين وبالتالي عدوانها الهمجي على لبنان و إيران.
ويرى المراقبون في هذه النسب تحوّلاً استراتيجياً مهماً سيغيّر من دون شكّ القناعات الراسخة لدى غالبية الشعب الأميركي فيما يتعلّق بالعلاقة العضوية سياسياً وأمنياً بين أميركا و”إسرائيل”، وبين الإنجيليين الأميركيين واليهود بعقيدتهم الصهيونية التي ساعدتهم في السيطرة على الدولة والشعب الأميركي طيلة السنوات الماضية. كما أثبتت نتائج انتخابات الثلاثاء أنّ هذه السيطرة لم تعد بالقوة التي ساعدت “تل أبيب” لتمرير كلّ خططها ومشاريعها في أميركا التي لم تعد أميركا التي كانت عليها قبل طوفان الأقصى، والأهمّ قبل العدوان الصهيو – أميركي على إيران خاصة بعد أن فشلت واشنطن و”تل أبيب” في كلّ مؤامراتهما الإقليمية الحقيرة بالتواطؤ مع حكّام المنطقة لتركيع الشعب الفلسطيني الذي صمد وما زال بفضل صمود الدولة والثورة والشعب الإيراني الذي انتصر على الثنائي ترامب – نتنياهو في عقر دارهما.
وكان ذلك بفضل أرواح الشهداء الذين دافعوا بدمائهم الطاهرة عن كرامة وشرف دولهم وشعوبهم في إيران ولبنان وفلسطين واليمن، ووصلت هذه الأرواح إلى كلّ أرجاء القارة الأميركية فحرّكت ضمائر الشعب الأميركي الذي لم ينخدع بأكاذيب اللوبيات اليهودية وأبواقها الإعلامية التي لم تعد تستطيع تجاهل اعترافات ترامب ونائبه فانس، فيما يتعلّق بنتائج الانتخابات حيث قالا إنّ السبب الأهمّ في الهزيمة هو سياسات واشنطن الخاصة بإيران والمنطقة عموماً.
وهو ما أثبتته كلّ استطلاعات الرأي التي رأت في سياسات ترامب المتغطرسة في السياسة الداخلية وخاصة استهدافه للصحافيين ومحاولاته للسيطرة على المحاكم، وهو ما يتناقض مع الدستور والقوانين، السيب الآخر الذي دفع الناخبين الأميركيين إلى التصويت تأييداً لمرشحي الحزب الديمقراطي واعترض في غالبيته منذ البداية على سياسات ترامب العدوانية ضدّ إيران التي سبق للرئيس أوباما أن وقّع معها على الاتفاق النووي عام 2015 وعلى الرغم من مساعي اللوبيات اليهودية لعرقلة ذلك.
فجاء الرئيس ترامب وألغى هذا الاتفاق في 8 أيار/مايو 2018 بعد أشهر من اعترافه بالقدس عاصمة لـ “دولة إسرائيل اليهودية” في 6 كانون الأول/ديسمبر 2017 . وأثبت بذلك تحالفه العضوي الاستراتيجي مع الكيان العبري الصهيوني الذي أثبته مرة أخرى منذ دخوله البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2024.
حيث أضاء الضوء الاخضر للكيان المذكور لتدمير غزة وسوريا ولبنان والعدوان على إيران التي لولا صمودها الأسطوري لكانت المنطقة في خبر كان، ليس فقط بسبب خطط ومشاريع الثنائي ترامب – نتنياهو بل أيضاً بسبب تواطؤ حكّامها الذين فوجئوا بصمود إيران دولة وشعباً.
ففي الوقت الذي كانوا هم وأسيادهم في “تل أبيب” وواشنطن يراهنون على إسقاط النظام في طهران فإذ بأنظمتهم تهتزّ معاً بعد أن فشلوا في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وإيران بسبب صمود شعوب هذه الدول وتضامن شعوب العالم وقواها الشريفة جميعاً. فأسقطت معاً الثنائي ترامب- نتنياهو بعد أن أثبتت للعالم برمّته أنّ تضحياتها لم تذهب ولن تذهب سدى بل هي ستساهم في تحقيق الهدف الأكبر ألا وهو إقناع العالم برمّته أنّ جميع مشكلاته سببها واحد ألا وهو التحالف الصهيو – أميركي ومن معه من العملاء والخونة في كلّ مكان.
وباتوا جميعاً مكشوفين في كلّ مكان ونهايتهم باتت قريبة وحتمية كحتمية زوال الكيان العبري، وهو ما أثبتته انتخابات أميركا التي صنعت هذا الكيان الذي أصبح عبئاً وعليها أن تتخلّص منه وقبل أن يراهن البعض على زوالها هي أيضاً!.
المصدر: “الميادين نت”


