ماكرون وعقدة “السامية”: حين تُطوع اللغة لتبرير الإبادة وتزييف التاريخ

اخترنا لك

أبو بيروت:

في سقطة سياسية وأخلاقية جديدة، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخطاب يفيض بالانحياز الأعمى، مجدداً فيه عزفه على وتر “معاداة السامية” كذريعة لإدانة المقاومة الفلسطينية، بل والذهاب بعيداً بوصف “طوفان الأقصى” كتمظهر عسكري لهذه المعاداة. إن هذا الخطاب لا يعكس جهلاً بالتاريخ فحسب، بل يمثل إمعاناً في تبني الرواية الصهيونية على حساب الحقائق الإنسانية والقوانين الدولية.
تزييف المفهوم وسرقة “السامية”
يتجاهل ماكرون في خطابه حقيقة أن “السامية” في أصلها اللغوي والعرقي تشمل العرب قبل غيرهم؛ فهم أبناء سام بن نوح، وهم أصحاب الأرض والحضارة الضاربة في عمق التاريخ. إن حصر السامية في الحركة الصهيونية هو تزييف للمفهوم، وتغطية على حقيقة أن الكيان القائم في فلسطين ليس إلا مشروعاً استعمارياً استيطانياً إحلالياً، لا يختلف في جوهره عن الاستعمار الفرنسي للجزائر، والذي جابهه الأحرار والمقاومون حتى نالوا استقلالهم.
إن هؤلاء الذين يدافع عنهم ماكرون ليسوا “ساميين” بالمعنى الحضاري، بل هم نتاج أزمات أوروبا التاريخية التي مارست ضدهم العنصرية والاضطهاد، ثم قررت تصدير مآسيها إلى قلب الوطن العربي ليدفع الفلسطينيون ثمن جرائم لم يرتكبوها.
انحياز العواطف وازدواجية المعايير
من المثير للدهشة أن “يرف جفن” الرئيس الفرنسي لقتلى من المستعمرين المسلحين في السابع من أكتوبر، بينما يلوذ بالصمت العجز أمام استشهاد أكثر من 70 ألف مدني فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، في أكبر إبادة جماعية تُبث على الهواء مباشرة في التاريخ الحديث. هذا الانحياز الفاضح يسقط القناع عن شعارات “حقوق الإنسان” التي تتغنى بها باريس، ويكشف عن وجه “استعماري” كامن يرى في دماء الفلسطينيين درجة أدنى من دماء حلفائه.
التناقض القيمي والسياسي
ماكرون، الذي وصل إلى السلطة عبر “صفقات” السياسة والمال، والذي أثار الجدل بخياراته الشخصية والسياسية التي تصدم القيم الفطرية للشعوب(تزوج من امراة في سن امه صفعته امام العالم)، يحاول اليوم تنصيب نفسه وصياً على “الطهارة السياسية” بمطالبته بإقصاء من يصفهم بـ “معادي السامية” من مناصب الدولة( وهو الذي عين سابقا رئيس حكومة مثلي واقعا وقانونا )إنها محاولة لترهيب الفكر الحر في فرنسا، وتكميم أفواه الذين يرون في الصهيونية خطراً على السلم العالمي.
لقد اعتاد ماكرون على استغلال الكفاءات المنحدرة من أصول “سامية” وأفريقية لبناء اقتصاد دولته، بل واستخدم تفوق الرياضيين من ذوي البشرة السمراء لتلميع صورة فرنسا عالمياً (كما حدث في مونديال 2018)، ليعود وينقلب عليهم بنبرة عنصرية عند الإخفاق، مما يؤكد أن نظرته لهذه الفئات هي نظرة “نفعية استعلائية”.

لعنة غزة ومزبلة التاريخ
إن التاريخ لا يرحم الذين يباركون الإبادة أو يبررونها بليّ عنق الحقائق. وكما أطاحت “السترات الصفراء” بوقار النخب الفرنسية سابقاً، فإن التمادي في دعم الصهيونية قد يولد موجة من “السترات الحمراء” التي لن تكتفي بالتظاهر، بل ستجرف النخب التي رهنت قرار فرنسا للوبي العولمة والصهيونية، لتعود صور المفكرين الأحرار -أمثال روجيه غارودي- لتتصدر المشهد كرموز للحقيقة الضائعة.
ختاماً، إن لعنة غزة وصمود أهلها ستلاحق كل من تخاذل أو تواطأ. وماكرون، الذي يظن أنه يحمي كرسيه بإقصاء خصومه تحت لافتة “معاداة السامية”، سيجد نفسه غداً في زوايا النسيان، بينما تظل فلسطين شاهدة على أن الحق لا يموت، وأن الاستعمار، مهما تدثر بعباءة الحداثة، يبقى وصمة عار في جبين الإنسانية.

أحدث العناوين

قائد أنصار الله: وثائق إبستين فضحت “محضن الصهيونية” وكشفت تورط نخب غربية وعملاء في طقوس شيطانية

قال قائد حركة أنصار الله، عبدالملك الحوثي، إن وثائق جيفري إبستين المسربة شكلت كشفاً صادماً لحقيقة النخب السياسية في...

مقالات ذات صلة