في تصريحات تكشف انتقال الصراع من طابعه “الأمني المؤقت” الذي تروجه حكومات الاحتلال إعلامياً، إلى “صراع وجودي” يرتكز على عقيدة توسعية صريحة، كشف وزير مالية الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش عن رؤية استراتيجية تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية، واضعاً “إعادة رسم الخرائط” كمعيار وحيد لوقف الحرب، في إعلان علني ينزع كل الأقنعة عن مشروع “إسرائيل الكبرى”.
فلسطين المحتلة- الخبر اليمني:
في تصريحات نقلتها القناة السابعة الصهيونية اليوم، أكد سموتريتش أن الأولوية القصوى لحكومته “السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي العربية” على مختلف الجبهات المشتعلة، معتبراً أن هذا هو “العامل الأهم في الصراع”.
وبجرأة تجردت من أي اعتبارات إنسانية، أوضح الوزير المتطرف أنه “لا يولي أهمية لعدد القتلى في صفوف الأعداء”، بقدر تركيزه على “المكاسب الميدانية عبر توسيع الرقعة الجغرافية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية”، متبنياً منطقاً استيطانياً صرفاً مفاده أن “الخصوم لا يركزون على عدد الضربات أو الخسائر البشرية، بل على مسألة فقدان الأراضي”.
وكشف “سموتريتش” عن خلافات حادة مع رئيس حكومته “بنيامين نتنياهو” حول تفاصيل الإدارة، لكنه أوضح أن الرؤية العليا للجبهات موحدة: “يجب أن تنتهي الحرب بإحداث تغييرات في حدود إسرائيل”. وتشمل هذه الرؤية التوسعية جبهات قطاع غزة ولبنان وسوريا، بالإضافة إلى “تعزيز السيطرة” في الضفة الغربية، في مخطط يهدف إلى استباحة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية تحت راية “الأمن”.
لا تأتي تصريحات “سموتريتش” من فراغ، بل تتقاطع مع مناخ سياسي صهيوني يغذي طموحات المتطرفين. فقبله، كان نتنياهو قد صرح في مقابلة مع قناة “آي 24 نيوز” بأنه يشعر بأنه في “مهمة تاريخية وروحية”، مؤكداً ارتباطه الوثيق برؤية “إسرائيل الكبرى”.
وهذا المصطلح، الذي يمتد بجذوره إلى ما بعد حرب 1967، يطرح سياقاً جغرافياً يتجاوز الحدود المسيطر عليهاظ، ليشمل مناطق شاسعة من النيل إلى الفرات، مستنداً إلى سرديات مشوهة تطمح لفرض واقع جديد.
وتبدو تصريحات “سموتريتش” بمثابة “إعلان نوايا” يفضح ازدواجية الخطاب الإسرائيلي الذي يخفي القصد التوسعي خلف غطاء “الحرب الدفاعية”. فما يحدث اليوم هو تكرار لسيناريو 1967، عندما استغلت إسرائيل حالة الحرب لاحتلال القدس والضفة وغزة وسيناء والجولان.
لكن الفارق اليوم أن المتطرفين يعملون علناً، مدعومين بـ”لوبي استيطاني” قوي، يسعى لاستثمار حالة الفوضى الإقليمية والانشغال العالمي لحسم مشاريع الضم والتوسع قبل أن تهدأ الجبهات.
الأهم في هذه التصريحات أنها تخبر العرب بكل وضوح: “المعركة ليست على غزة أو لبنان، المعركة على الخريطة بأكملها”. وإذا كان سموتريتش لا يهتم لعدد القتلى، فهذه رسالة واضحة بأن كل المجازر مرخصة في سبيل “إسرائيل الكبرى”.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل استوعبت الأنظمة العربية هذه الحقيقة بعد؟ أم أنها لا تزال تراهن على “تهدئة” تتيح للعدو الوقت الكافي لتغيير الجغرافيا والسيادة؟
في المحصلة، فإن ما كشف عنه “سموتريتش” ليس رأياً شخصياً لوزير متطرف، بل هو “الملخص التنفيذي” لسياسة الاحتلال تجاه الأراضي العربية.
الاستيطان في الضفة، و”المنطقة العازلة” في غزة، والوجود في جنوب لبنان، وضم الجولان، كلها فصول من ذات الرواية: “إسرائيل” هي المشروع التوسعي الأخير في الجزيرة العربية، وكل الأطراف العربية مجرد “عقبات لوجستية” يجب إزالتها. والعالم الذي يكتفي بالإدانة، هو شريك في إبادة الجغرافيا قبل البشر.
التصدي لهذا المشروع لا يحتاج فقط إلى مواقف دبلوماسية أو إدانة عاجزة، بل إلى وعي عربي إسلامي جماعي بأن الخطر وجودي والأرض ليست مجرد رمز، بل هي “المعركة الأخيرة” التي لن يبقى بعدها شيء اسمه “فلسطين” أو “لبنان” أو “سوريا” إذا استمر التمدد الصهيوني دون رادع.


