| د. إدريس هاني
نحن أمام حيرة حقيقية، تسعى إدارة ترامب لإخفائها عبثا بافتعال خرجات توحي بالاطمئنان ووضوح الرؤية. الحقيقة هي أن اضطراب الخطاب وتضارب السرديات يعد مؤشرا على حيرة من شأنها تعميق الهوة بين الحكومة والكونغرس، بعد سحب صلاحية الاستفراد بقرار الحرب من الرئيس، بعد تصويت مجلس النواب على وقف العمليات القتالية، وذلك تنفيذا لصلاحية الحرب لعام 1973، التي تفرض طلب التفويض من الكونغريس في حال تجاوزت العمليات 60 يوما، القضية لا تقف هنا، بل تشير إلى حالة الانقسام التي يعكسه قرار مجلس النواب ب215 صوتا مقابل 208 . ومن جهة أخرى يعكس طبيعة الهوة التي بدأت تتشكل بين ترامب ونتنياهو، على إثر المكالمة الأخيرة لثني نتنياهو عن القيام بهجوم قد يربك المفاوضات، ما يؤكد على وجود تضارب في حسابات الحليفين رغم وحدة الأهداف، وهو إحدى إنجازات الصمود الإيراني. فلا يمكن لواشنطن أن تتحمل عبىء الكيان إلى الأبد، وهو موقف ورأي تشكل من داخل واشنطن: وليام بلوم في الدولة المارقة وهنتنغتون في صدام الحضارات، نموذجين، وقريبا سنشهد نوبة من التوحد قد تدفع بترامب إلى قلب الطاولة على حليفه. كل شيء إذن متوقع في حرب حمقاء بلا أفق، فحين تشتد الحرب، فحتما ستظهر مكامن الخلل ومواطن العوار، كما سيرفع الستار عن جنود الخفاء، وما أكثرهم في هذه المنطقة.
وجه آخر من وجوه الحيرة تلك، هي حيرة من كانوا ينتظرون انهيار آخر قلاع الصمود، طمعا في مكاسب وهمية كنواطير في محمية إمبريالية، لذا تراهم إذا ما ضربت طهران قيل إنه مجرد خلط الأوراق، وإن هي تريثت، قيل أين الوفاء؟ إنها مكرورة قصة جحا والحمار!
المتفرجون الكيديون لهم منطق يختلف عن منطق اللاعبين في الميدان، وداء الايرانوفوبيا المزمن لا زال يسكن الضلوع.
إن صمود طهران، هو صمود مركب، لأنها منذ أربعين عاما ونيف وهي تواجه الحصار الغربي كعقوبة على اختياراتها واستقلالها، ولأنها لم تشركهم في مكتسبات ثورتها الشعبية وتقرير مصيرها، كما واجهت حصارا إقليميا وظفت فيه الطائفية توظيفا منكرا وخسيسا تواطأت فيه عبثا غالبية النظم والتنظيمات؛ لقد صمدت أمام حصار مركب، لكنها لم تستسلم، وقد عشنا ورأينا انقلاب الصورة وتبخر الأوهام وتساقط القطا.
وفي الوقت الذي يلوح فيه الاحتلال بأن عهد السيطرة على قرار الحرب لا زال ساريا، وكأن لا شيء تغير في المعادلة، وفي سياق تصعيد ظن المرجفون كعادتهم أنه يمثل النهاية، شهدت ليلة الإثنين الماضية صبيبا صاروخيا موجعا في عمق الكيان. لقد انتهت لعبة التحكم بالخرائط وخرق الارتباط بين الساحات. لم تنته الحكاية، فالحرب اليوم قائمة، والاقتصاد العالمي على كف عفريت، والممرات المائية تحت السيطرة، وعهد الصبر الاستراتيجي ولى، وجسور الثقة تهشمت، ولا أحد سيغير هذه المعادلة، فالإيراني صبور غير مستعجل، وصموده التاريخي لا تحدده نزوة انتخابية، كما أن رجل البازار يحسب أفضل من المقاول المقامر، كما أن الأفق الذي يتطلع إليه الإيراني هو أوسع من حجم طاولة مفاوضات مقصوفة الرقبة.
لقد حققت طهران من خلال هذه الحرب انسجاما داخليا غير مسبوق، ولا أحد ممن ذرف يوما دموع التماسيح على “أميني”، تحركت مشاعره تجاه مقتل تلاميذ مدرسة ميناب، ولا أثار فضولهم كما أثاره من قبل، خروج الشعب وهو يؤازر قادة الدولة في هذه المعركة. لقد انتهت المسرحية وانكمشت الألسن السائبة، وهو ما يؤكد أن الحرب المركبة تحتوي أيضا على استراتيجيا التباكي وفسحة للتمسرح والبهللة.
هناك قواعد اشتباك في طور التشكل، وهذه حرب الكبار التي تتجاوز مفاعلها وحقائقها أدوات تحليل صيصان الهزيمة، فالمطلوب هو أن يصمتوا قليلا إن لم يصمدوا. ورغم تلوث البيئة السياسية الإقليمية وتشقلب إعلامها النزق، فإن حربا كهذه تتجاوز كل التوقعات التي ينتجها خيال سيكوباتولوجي.
إن صليات إيران الصاروخية الموجهة نحو الكيان، ليست وفاء فقط لضاحية الصمود والجنوب النازح، بل هي تصحيح لمقروئية مشهد لطالما عانى من سطوة الاختزال. فطهران لم تخف يوما دعمها للمقاومة اللبنانية، فهي تدعم جنوبا مقاوما ولا تتدخل في سياسات البلد. هذا أمر واضح لا غبار عليه، وسيكون من عجائب الأمور الحديث عن سحب سلاح مقاومة وتسليمه لجيش ممنوع من التسلح وغير مسموح له بنيويا بمواجهة الاحتلال. متى يا ترى تنتهي هذه المغالطة البلهاء؟!
تساند طهران بالعلالي مقاومة تقع على خط التماس مع الاحتلال، فليس ما وراء الجنوب سوى الاحتلال، فما هي المصلحة التي تتحدث عنها السردية الكيدية، في استخفاف بليد بالرأي العام؟! فلا توجد أطماع إيرانية في نفط لبنان أو الطمع في ممر استراتيجي هناك. إن تاريخ العدوان على الجنوب بدأ قبل الحدث الإيراني(1979)، وتوالى في محطات تزخر بها ذاكرة الكفاح الوطني ضد العدوان. ففي بلد الرحابنة، لماذا تفضل السياسة هناك عزف النشاز؟!
السؤال الذي يجب أن يطرحه من يستبقون الأحداث ولا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب- كما يقول أهل الجنوب- من الموقف الإيراني من هذه الحرب: ماذا سيكون وضع العرب إذا ما تحقق إتفاق بين الطرفين، حيث لا بديل عنه في أفق تعقد المشهد الدولي؟ ما هي صورة الوضع بعد أن تضع الحرب أوزارها؟ إن واشنطن لم تحترم حتى وساطاتهم، هي لا تريد من العربي أن يكون حتى محايدا.
وحتى الآن، الحرب هي تقنية وسيبرانية، فما الذي أخر النزول إلى الأرض؟ إن مثل هذا لو حصل فسيحدث تحولا كبيرا على امتداد خريطة المواجهة، لن يكون في صالح قوى فقدت القدرة على المخاطرة، حيث بنت عقيدتها الجديدة على صفر ضحية.
ومع أننا ندرك جيدا بأن هناك ما ينتظر طهران وكل المحور من جولات تشنيع قادمة، تشويشا على احتفالها بصمودها، فذلك لن يغير من المعادلة الصعبة، فالمقاومة لا تنتظر صك غفران من أحد، هناك مسلسل انتصار دشنته المقاومة عام 2000، وعززته عام2006، وليس بعيدا أن يتأكد قبل متم 2026! لكن، ومهما طال أمد الحرب واستطال، فالأمل قريب، وقريب جدا…أقول: جدا…!
*كاتب مغربي