نظرة على المسار “الثوري” الذي ترسمه دعوة القيادة اليمنية لحسم الصراع مع التحالف السعودي

اخترنا لك

في بيانه بمناسبة العام الهجري الجديد، وجه السيد عبد الملك الحوثي دعوة لافتة لتحرك شعبي ورسميا متكامل نحو إنهاء حالة العدوان والحصار والاحتلال التي يتعرض لها اليمن من قبل التحالف السعودي الأمريكي، وذلك بعد أكثر من أربع سنوات من “خفض التصعيد” مع الرياض، الأمر الذي مثل إعلانا صريحا عن مرحلة جديدة من المواجهة، وهي مرحلة بدا من خلال مضمون الدعوة أنها تحمل اختلافات أو تحديثات “ثورية” مهمة جدا بالمقارنة مع المراحل السابقة من الصراع مع التحالف.

ضرار الطيب- الخبر اليمني:

إعادة ضبط مشهد الصراع مع التحالف:

خلافا للتحذيرات والنصائح التي وجهتها القيادة اليمنية خلال السنوات الماضية لدول التحالف بشكل علني، والتي كانت تتناول ضرورة المضي في تنفيذ “خارطة الطريق” التي تم التوصل إليها عام 2023، أو تحذر من عواقب التورط في أي تصعيد جديد ضد اليمن، تعامل السيد عبد الملك الحوثي هذه المرة مع قضية استحقاقات الشعب اليمني والصراع مع التحالف بأسلوب آخر، يجب التوقف عند خصائصه.

كان الخطاب هذه المرة موجها للداخل، وليس لتحالف العدوان، ولم يكن الموضوع هو إبلاغ الناس بأن العملية التفاوضية مع التحالف قد وصلت إلى طريق مسدود، أو أن الأمور تقف عند مفترق طرق، أو أن هناك تصعيد عدائي قادم يجب الاستعداد له، بل كان العنوان هو التعبئة والاستعداد “لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال” وهو ما يعيد ترسيخ الصورة الأصلية لمشهد الصراع مع التحالف، والمتمثلة في حقيقة أن الشعب اليمني يتعرض لاستهداف شامل مستمر وقائم، وعليه أن يخوض المواجهة الشاملة التي يفرضها هذا الاستهداف.

هذا مهم للغاية، لأنه يُسقط صورة مغلوطة كانت قد ترسخت خلال السنوات القليلة الماضية، وبدا فيها أن مسار إنهاء العدوان والحصار والاحتلال قد اختُزل في العملية التفاوضية واتفاق “خارطة الطريق”، حيث أصبح كل شيء يتعلق بتقدم وتأخر تنفيذ هذه العملية التي تزداد تعقيدا كلما مر الوقت، إذ يقوم السعوديون والأمريكيون باستمرار بربطها بملفات إقليمية لها ثقل وتأثير كبيرين، ويستغلون الهدوء المفتوح للتفكير في كيفية الاستفادة بشكل أفضل من الوضع القائم.

تلك الصورة كانت قد رسخت انطباعا لدى الكثيرين بأن الصراع قد أصبح سياسيا بشكل كبير، وأن العملية التفاوضية لم تعد مجرد جزء من مسار “نضال” شعب يواجه عدوانا شاملا، بل أصبح النضال محكوما بالمفاوضات، كما أصبحت الملفات معزولة عن بعضها بشكل لا يمكن إنكاره، فإذا تحققت صفقة تبادل أسرى، على سبيل المثال، يضطر ملف مطار صنعاء، او ملفات أخرى، للانتظار لوقت أطول، لأن المسألة أصبحت مرتبطة بقدرة المفاوضات على إنتاج مؤشرات إيجابية دورية، والحفاظ على أمل أن تتهيأ الظروف “فجأة” للإنفراجة الشاملة المعلقة.

ربما لم تسهم حالة “خفض التصعيد” نفسها في خلق هذه الصورة بقدر ما أسهمت الإجابات المقولبة وغير الكاملة عن الأسئلة العامة بشأن حقيقة الوضع، فقد رُوج في فترات معينة -وبشكل رسمي- لفكرة أن السعودية وصلت إلى قناعة راسخة بضرورة إنهاء الحرب على اليمن، وربما يكون هذا صحيحا، لكن تقديمه كأحد عناوين عملية التفاوض على اتفاق سلام شامل لم يكن مناسبا، فقد رأينا بوضوح أن انعدام رغبة السعودية في عودة التصعيد الشامل ليس حقيقة مطلقة، ولا يعني بأي حال أنها ترغب حقا في سلام فعلي، بل لا يعني حتى توقف العمل العسكري والأمني المعادي لليمن بأشكال أخرى، وبالتالي فإن هذه الفكرة كان لها تأثير سلبي، لأنها صنعت انطباعا عاما بأن الصراع قد أصبح “تفاوضيا” بشكل أساسي.

بالمثل، ربما كان الحديث المتكرر عن وجود ضغوط أمريكية تمنع السعودية من إبرام اتفاق شامل صحيحا، لكن تجاهل حقيقة اختيار السعودية للقبول بهذه الضغوط كل مرة مع مؤشرات وجود تبادل أدوار منسق بين السعوديين والأمريكيين كان له تأثير غير إيجابي، فالسعودية لم تثبت عمليا أنها “ترغب” حتى في مواجهة الضغوط الأمريكية، رغم أن ذلك من مسؤوليتها أصلا، كما أن التقليل من شأن هذه المسؤولية يفتح مخرجا مريحا للرياض التي تسعى في الأساس لتقديم نفسها كـ”وسيط” وستكون سعيدة بأن تلعب دور “الضحية” أيضا، وهكذا فإن عدم توضيح مسألة الضغوط الأمريكية بشكل كامل، قد خلق بالفعل انطباعا بأن مسألة إنهاء الحرب والاحتلال والحصار، أصبحت مسألة تعقيدات دبلوماسية معينة تتعلق بظروف سعودية.

لم تكن خيارات القيادة اليمنية العليا هي من صنعت الصورة المغلوطة حول الصراع ولا العملية التفاوضية نفسها، ولا الهدنة، بل كانت الفجوة التي سُمح لها بأن تتضخم إعلاميا وسياسيا بين واقع ما قبل هدنة 2022 وما بعدها، وكذلك ما بين ما هو ملموس على الأرض وما يلوح في الأفق المفتوح نظريا أمام عملية السلام.

ويمكن الاعتراف بأن هناك أيضا فجوة “شكليةط ظهرت بين النظرة الحكومية الرسمية لمسألة الصراع مع تحالف العدوان السعودي، والنظرة الشعبية، فبينما ظلت التصريحات الرسمية النادرة أصلا، تدور حول “خارطة الطريق”، وبعض التفاهمات التي يتم الإعلان عنها أحيانا ثم تتأجل مثل صفقات تبادل الأسرى، كان انطباعات الجماهير تتشكل وفقا للأوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة المستمرة، والسلوك السعودي السلبي الملموس، والشعور بأن العدوان متواصل بأشكال أخرى غير القصف، ورغم أن مواقف السيد عبد الملك الحوثي كانت دائما تعيد ضبط المشهد وترسخ الخطوط العريضة للموقف، إلا أن التوضيحات والتحديثات والمواكبة المطلوبة من المسؤولين كانت شبه معدومة في الوقت الذي تتزايد فيه هواجس وتساؤلات الناس.

ومن أجل ذلك، جاءت دعوة القيادة الأخيرة لـ”التعاون” و”تظافر الجهود” في إطار التحرك المقبل، لتلغي هذه الفجوات تماما، وتعيد ترسيخ التماسك الكبير الذي لطالما كان من أبرز نقاط قوة الجبهة الداخلية على مدى السنوات الماضية.

مسار “ثوري” للحسم:

في إطار إعادة ضبط مشهد الصراع مع تحالف العدوان السعودي، فإن التفاصيل الشاملة لحالة العدوان والحصار والاحتلال القائمة التي استعرضتها دعوة القائد الأخيرة، بما في ذلك السيطرة على الثروات الوطنية، وتجيش التكفيريين والمرتزقة، وانتهاك السيادة، والمؤامرات المتنوعة ضد الشعب اليمني، والأهداف التي تضمنتها الدعوة، كتحقيق الاستقلال والحرية والخلاص من التبعية، وتحقيق النهضة الكبرى، لا تضعنا أمام خيار سياسي محدود يحتاج إلى تأييد واستعداد شعبيين، بل أمام ما يمكن وصفه بـ”ثورة” شاملة لا يركز مسارها على دفع الأعداء نحو تغيير مواقفهم التفاوضية بشأن السلام، بقدر ما يركز على الأهداف النهائية الكبرى.

إن نص الدعوة يقدم بوضوح مسار تحرك متكامل يتجاوز قواعد الاشتباك والتفاوض التقليدية التي قد تصطدم بقيود وعوائق متعددة.. مسار يتبنى “تغيير الوضع القائم” كبرنامج سياسي وعسكري وأمني واقتصادي واعلامي واجتماعي أساسي، ينخرط فيه الجميع بشكل واسع ومستمر، وليس كـ”ورقة ضغط” أو تصعيد طارئ ومحدودة يمكن أن يحتويه العدو بحيل وألاعيب مباشرة أو غير مباشرة.

هذا المسار لا يتعامل مع مطالب الشعب اليمني كملفات سياسية عالقة تخضع لأخذ ورد وتجزئة وتأجيل وتعقيدات دبلوماسية في سبيل حلحلتها، بل كحقوق مطلقة وملحة للغاية يجب انتزاعها بكل السبل المتاحة الممكنة، والمشروعة بالطبع، وهو ما يعني عدم الاكتفاء بآليات العمل التي كانت تهدف سابقا لتغيير موقف العدو ودفعه نحو النزول عن الشجرة في هذا الملف أو ذاك، إذ يبدو أن القيادة تدعو الآن إلى مسارات تترافق فيها الضغوط الموجهة نحو العدو، والمفاوضات، مع خطوات عملية هامة لتغيير الوضع العام، وفرض ما يمكن من الحلول والبدائل بأي ثمن، مع حماية هذه الحلول والبدائل بإجراءات ومعادلات ردع تراعي المصلحة الوطنية، ولا تتقيد بأي اعتبارات متعلقة بتعقيدات وضع العدو وأعذاره.

لعل أقرب مثال لتوضيح هذا المسار “الثوري” هو الموقف الإيراني خلال الجولة الأخيرة من الصراع مع العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة، حيث لم تنتظر طهران إقرار الأمريكيين -عن طريق المفاوضات أو الضغوط- بحقها في السيطرة على مضيق هرمز، ولم تتأثر بالضغوط الإقليمية والدولية والضجة التي أحدثها شركاء وأتباع الولايات المتحدة في المنطقة والعالم بشأن هذا الملف، بل مضت في ترسيخ سيطرتها على المضيق المائي كوضع طبيعي جديد، ودافعت عن هذا التوجه بحزم، ولم يكن أمام الولايات المتحدة في النهاية سوى الإقرار به.

لقد فعلت صنعاء أيضا مثل ذلك خلال معركة “طوفان الأقصى” عندما صنعت وضعا جيوسياسيا جديدا في البحر الأحمر، لا يزال قائما إلى اليوم، وقد استخدمت من أجل ذلك كل الوسائل المتاحة والمشروعة، ونجحت في تحقيق هدف فرض حصار بحري خانق على الأعداء وتأسيس آلية متماسكة وطويلة الأمد لممارسة عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على الأعداء، وأنهت حقبة طويلة من الهيمنة الأمريكية والغربية على أحد أهم الطرق البحرية على مستوى العالم، ولم تكن الاتفاقية السريعة التي أبرمتها الولايات المتحدة في مايو 2025 مع صنعاء لوقف إطلاق صنعاء، مدخلا لترسيخ هذا الواقع، بل كانت إقرارا متأخرا بثبوته واستحالة تغييره.

ومن خلال هذه الأمثلة يمكن ملاحظة أن المسار الثوري لتغيير الوضع القائم، يغير أيضا طبيعة المفاوضات مع الأعداء، حيث تكون فيها مساحة المراوغة من جانب الأعداء ضيقة جدا، لأن الوضع الجديد يكون قد أصبح منجزا بشكل لا رجعة فيه.

الدور الجماهيري:

إن مبدأ “التعاون الشعبي والرسمي” الذي ترسخه دعوة السيد عبد الملك الحوثي في المسار الثوري لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال، يحمل أهمية بالغة، ففي هذا المسار لا يقتصر الدور الجماهيري على تأييد خيارات الجانب الرسمي فقط، بل تشكل الجماهير جبهة فعلية رئيسية ذات تأثير مباشر وملموس.

لقد أسهم الحضور الشعبي الإيراني في الساحات خلال المعركة الأخيرة، وحتى الآن، بشكل مباشر في إسقاط هدف تغيير النظام الإيراني، واستبداله، حيث لم تنسف الجماهير الإيرانية فقط الصورة المزيفة التي روجها الأمريكيون والإسرائيليون بشأن وجود “ثورة” للإطاحة بالحكومة الإيرانية، بل حاصرت عمليا المجموعات العميلة لواشنطن وتل أبيب داخل الجمهورية الإسلامية، وجعلتها معزولة تماما، وعاجزة عن القيام بأي نشاط، أو حتى الترويج لأي تحرك، وقد عكس الانخراط الواسع في مسار التعبئة العامة لمواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، والخروج اللافت لحماية البنى التحتية الإيرانية التي هدد ترامب بتدميرها، والمطالب الشعبية الصريحة بالتصعيد وأخذ الثأر من الأمريكيين والإسرائيليين، الانخراط “الثوري” الكامل للشعب الإيراني في المعركة.

وفي اليمن، حيث يعتمد التحالف السعودي بشكل كبير على أدواته المحلية، وتمارس الولايات المتحدة نشاطا دعائيا مكثفا لاستهداف الجماهير وتعميق الاستقطاب الداخلي وتوظيفه، هناك بالفعل ضرورة ملحة لانخراط ثوري كامل من الجانب الشعبي في مسار إنهاء العدوان والحصار والاحتلال الذي دعت إليه القيادة العليا، وللشعب اليمني تجربة مميزة في هذا السياق، حيث كان انخراطه في معركة مواجهة التحالف السعودي خلال السنوات الماضية هائلا وضخما للغاية، كما كان حضوره في معركة إسناد غزة مؤثرا للغاية، وهو ما تسعى القيادة للبناء عليه في المرحلة المقبلة.

أحدث العناوين

3 شهداء وإصابات باعتداءات الاحتلال المستمرة على قطاع غزة

استشهد ثلاثة مواطنين وأصيب آخرون، اليوم الاثنين، باستهداف من طائرات الاحتلال الإسرائيلي وسط مدينة غزة، مع استمرار خروقات وقف...

مقالات ذات صلة