أظهرت التطورات المتسارعة للمرحلة الجديدة من الصراع بين صنعاء والرياض، أن الأخيرة لا تزال ترفض التخلي عن تصورات مرحلة “خفض التصعيد”، بسبب مزيج من سوء التقدير ورفض التغيير الذي فرضته صنعاء، وبينما يجبر هذا الموقف السعودية على التأرجح بين خياري “الاحتواء” والتصعيد الشامل، فإن التأثيرات الفورية والمتصاعدة بسرعة لمعادلات “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، تشير إلى أن الرياض تحشر نفسها بين “معضلات” لا حل لها، وليست خيارات حقيقية، لأن تحولا كبيرا في مسار الصراع قد وقع بالفعل، ولم يعد بالإمكان إنكار أو “مساومة” هذا التحول، فضلا عن إلغاءه بالقوة.
ضرار الطيب- الخبر اليمني:
سوء التقدير السعودي:
كان يفترض أن الحظر البحري الذي أعلنته قوات المسلحة اليمنية وبدأت ترسيخه باستهداف السفن السعودية، قد أوصل إلى الرياض رسالة واضحة هي أن الصراع قد دخل مرحلة مختلفة تماما لا تمتلك فيها صنعاء أدوات جديدة فحسب، بل تتبنى موقفا حاسما تجاه كل الملفات، وأن العودة إلى مرحلة “خفض التصعيد” أصبحت غير ممكنة، لأن معادلات بحجم الحصار البحري، أكبر من أن تُستخدم لتحقيق هدف متواضع مثل تحسين شروط التهدئة، كما أن محاولة كسر هذه المعادلة بالقوة ستشعل حربا واسعة، ولن تنجح، ويمكن ببساطة العودة إلى تجربة الأمريكيين المريرة في البحر الأحمر.
لكن من الواضح أن الرياض لم تستغل سنوات خفض التصعيد لتنمية مهاراتها في التقاط الرسائل، بل يبدو أنها لا زالت مفتونة بفكرة أنها قد نجحت في تحويل الصراع إلى “أزمة” قابلة للإدارة من خلال سياسات “الاحتواء” والمساومة، وهي فكرة مغلوطة تماما، لأن استمرار مرحلة خفض التصعيد لأكثر من أربع سنوات لم يكن سببه دهاء السعودية، بل خيارات صنعاء نفسها، بما في ذلك خيار إعطاء الأولوية للصراع مع الأمريكيين والإسرائيليين.
لقد تجلى هذا التقدير الخاطئ في طريقة تقييم السعودية للرد “المتواضع” على استهداف مطار صنعاء، حيث يبدو أنها وثقت في التحليلات الاستخباراتية الأولية التي اعتبرت أن الأمور لن تنزلق بالضرورة نحو تصعيد كبير، وهي نظرة ركزت على جزء واحد من المشهد، وتجاهلت الجزء الآخر وهو تغير طريقة صنعاء في التعامل مع الأمور، فمعادلة (الحصار بالحصار) التي تطورت من استهداف مطار أبها إلى حظر الملاحة السعودية واستهداف السفن المرتبطة بالمملكة، لم تكن مجرد “مناورات” عسكرية من صنعاء، بل كانت تجسيدا لتحول متسارع وكامل في مشهد الصراع، بشكل يجعل الرياض تقف دائما بين خياري: التصعيد الكبير، أو القبول بالواقع الذي تفرضه صنعاء.
ولعل أول ما على السعوديين فهمه بشأن هذا التحول هو أنه لا توجد فيه مساحات واسعة وآمنة لـ”جس النبض”، فبمجرد أن استهدفوا محافظة الحديدة، فيما اعتبروه خطوة “متناسبة” مع إجراءات معادلة “الحصار بالحصار”، كان عليهم أن يواجهوا بعد ساعات قليلة معادلة يمنية جديدة عنوانها (التصعيد بالتصعيد) والتي تجسدت في حرائق هائلة داخل منشآت أرامكو بجيزان وينبع، وهو رد لم يتعودوا على تلقيه -في السابق- إلا ضمن اشتعال كبير قائم للمواجهة، وليس في بداية ما يعتقدون أنه جولة من تبادل الضربات المحدودة.
ولكن لفهم ضيق مساحة المناورة، ينبغي على السعوديين أولا الإقرار بحقيقة أن طبيعة الصراع قد اختلفت كثيرا، وهو ما لا توجد حتى الآن أية مؤشرات على أنهم يدركونه بالشكل الكافي، الأمر الذي يرجح اصطدامهم مجددا بنتائج سوء التقدير.
قد يرى البعض أن التصريحات السعودية المتكررة حول دعم المملكة لـ”التهدئة” وتشغيل مطار صنعاء، تشير إلى حرص من الرياض على إبقاء نافذة للوصول إلى تفاهمات جديدة، لكن حتى إن صح هذا فإنه لا يعتبر بالضرورة مؤشرا إيجابيا، لأن هذه التصريحات تشير إلى إصرار واضح على إعادة عجلة الصراع إلى مرحلة “خفض التصعيد” ليس بوصفها مدخلا للسلام، بل باعتبارها مساحة آمنة تقيد خيارات صنعاء وتتيح للسعودية المماطلة واستخدام الاستحقاقات اليمنية كأوراق مساومة عند الحاجة.
إن استهداف ميناء الحديدة، قدم صورة واضحة عن طبيعة الأرضية المهتزة التي تقف عليها السعودية، فهي ترغب في اتخاذ إجراءات للتصدي لتحركات صنعاء، ولكنها في الوقت نفسه تخشى أن يتسع نطاق التصعيد وتزداد شدته، غير أن سوء فهمها لطبيعة موقف صنعاء يجعلها تخطئ في اتخاذ القرار المناسب، حيث تصطدم في النهاية بأن ما تعتبره هي خطوة ومحسوبة “ومتناسبة” تشكل بالنسبة لصنعاء تصعيدا كبيرا ينبغي أن يقابل بالمثل.
وينسحب هذا على الموقف الدبلوماسي، فبينما ترى الرياض أن الحديث عن إمكانية تشغيل مطار صنعاء ضمن تفاهم جزئي محدود، يشكل إغراء لصنعاء، فإن الأخيرة تعتبر هذا استفزازا ومحاولة للتشبه بإسرائيل في الإصرار على التحكم بحركة تنقلات اليمنيين، ولهذا من غير المرجح أن يكون هناك أي تأثير للمفاوضات إذا لم تدرك السعودية أن سقف موقف صنعاء الآن هو الحلول النهائية، وليس تحسين شروط التهدئة.
وإلى أن تدرك السعودية طبيعة الواقع الجديد الذي أصبح يدور فيه الصراع، أو تتوقف عن إنكار هذا الواقع، فلن يكون أمامها سوى الغرق في معضلة “احتواء” الجبهة اليمنية، أو التوجه نحو التصعيد الشامل.
معضلتي “الاحتواء” و”التصعيد الشامل”:
كان توقيع هدنة 2022 والدخول في مرحلة خفض التصعيد من أوضح مظاهر سياسة “الاحتواء”، لكن الآن تواجه السعودية صعوبة كبيرة في تطبيق نهج مماثل، لأنها ببساطة لا تقرأ الوضع بشكل صحيح، فهي تبحث عن وصفة سحرية لـ “صفقة محدودة” يمكن أن تغري صنعاء بالعودة إلى التهدئة، وفي نفس الوقت لا تمثل تراجعا كبيرا في الموقف السعودي، والمشكلة التي يفترض أن تنبه السعوديين إلى خطأ تقديراتهم هي أنهم لا يملكون وقتا كافيا ومساحة مناورة واسعة للتوصل إلى هذه الوصفة، ففي السابق كان الوسطاء يستطيعون إقناع صنعاء بالموافقة على تمديد التهدئة لإنجاح المساعي الدبلوماسية، لكن هذه “الميزة” قد استنزفت تماما، والآن تواجه السعودية حصارا فعالا على موانئها، يجعلها تحت ضغط متزايد.
لقد انخفضت شحنات ينبع النفطية بنسبة 40% في أول أسبوع من الحظر البحري، وفقا لبيانات شركة (ويندوارد) وتم الإعلان عن ضرب أربع سفن سعودية حتى الآن، والحل البديل المعقد، المتمثل في نقل النفط إلى ميناء عين السخنة، وضخه عبر أنابيب (سوميد) إلى الموانئ المصرية على البحر الأبيض المتوسط ثم تحميله ونقله عبر طريق رأس الرجاء الصالح، يضيف نحو 9 دولارات على كل برميل (نحو 18 مليون دولار لكل رحلة لناقلات النفط العملاقة) وأكثر من شهر لكل رحلة بحرية إلى آسيا، كما أن هذا الحل لا يستطيع استيعاب كامل الكميات التي كانت تُصدر عبر ميناء ينبع قبل الحظر.
وفي الوقت نفسه، فإن قيام شركات التأمين بإلغاء تغطية مخاطر الحرب للسفن المرتبطة بالسعودية، وخطر اتساع نطاق وشدة الحظر نفسه، يصعب تماما عملية التكيف مع هذا الحل المرهق أصلا، ما يعني أن انخفاض صادرات النفط، وبالتالي انخفاض الإنتاج، أصبح أمرا واقعا وحتميا طالما استمر الحظر اليمني.
وحتى بدون هذه التحديات، فإن معادلة “التصعيد بالتصعيد” التي انطلقت بعد قصف الحديدة، أصبحت تضغط بشدة على صادرات النفط السعودي قبل خروجها من المملكة، فقد تم إغلاق مصفاة جيزان بالكامل بعد ثلاثة أيام من الحرائق المستمرة جراء الهجمات اليمنية، وهو ما يعني فقدان طاقة إنتاجية قدرها 400 ألف برميل يوميا، وصادرات وصلت إلى 170 ألف برميل يوميا في شهر يونيو من المنتجات البترولية المتنوعة التي كانت ستصطدم بطبيعة الحال بالحظر البحري، نظرا لأن جزءا كبيرا منها كان يمر عبر مضيق باب المندب لتعويض المشترين الآسيويين عن انقطاع تدفقات مضيق هرمز.
وبعد إعلان صنعاء عن استهداف خطوط إمداد ونقل النفط السعودي من الشرق إلى ينبع (بما في ذلك منشأة بقيق المهمة كما يبدو) في إطار الرد على انتهاك الأجواء اليمنية من قبل طائرة مسيرة تركية تابعة للجيش السعودي، أصبح واضحا أن معادلة “التصعيد بالتصعيد” ليست مصممة فقط للرد على كل اعتداء بشكل صارم، بل أيضا للتكامل مع معادلة “الحصار بالحصار” في جعل هذه المرحلة من الصراع بشكل عام مكلفة للغاية بالنسبة للسعودية.
وبالتالي، بما أي إجراءات عسكرية يتم توظيفها في إطار مساعي السيطرة على الوضع، أو حتى لإظهار “رد فعل” رمزي، ستنفجر بشكل صادم في وجه السعوديين، فإن المنطق يقول إن سياسة الاحتواء الآمنة تقتصر الآن على “تحمل” الحظر فقط، بانتظار التوصل إلى الصيغة الدبلوماسية السحرية لإقناع صنعاء بالعودة إلى “خفض التصعيد”، على أمل ألا يتسع نطاق معادلة “الحصار بالحصار” وألا يستمر قصف المنشآت النفطية كرد على استمرار “حالة” العدوان نفسها.
ولكن لأن الرياض ليست مغرمة كثيرا بالمنطق كما يبدو، فقد ترى أن الضربات التي تتلقها المنشآت النفطية لا زالت محكومة بسقف معين يمكن السيطرة عليه أو تحمله، وأنه يمكن تحقيق توازن ما من خلال توظيف المرتزقة المحليين أو تشكيل تحالفات إقليمية ودولية، أو توظيف تطورات معينة في الوضع الإقليمي، وهو ما سيكون إمعانا في سوء تقدير العواقب الوخيمة التي تجمع عليها كل السيناريوهات، إذ من المؤكد بشكل واضح أن المنشآت الحيوية داخل المملكة ستتلقى المزيد من الضربات الكبيرة ردا على أي تحرك عسكري ضد اليمن، حتى ولو كان دون مستوى التصعيد الشامل، وأن صادرات النفط السعودية ستواجه ضغطا متزايدا حتى لو امتنعت الرياض عن القيام بأي إجراء عسكري، وهذا ثمن لا يوجد أبدا ما يشير إلى أن السعودية تستطيع تحقيق إي إنجاز “يعوضه” فضلا عن أي يفوق قيمته ضمن سياسة الاحتواء.
والحقيقة أن معضلة الاحتواء هذه يمكن أن تسهل على الرياض تقدير حسابات خيار “التصعيد الشامل”، إذا اختارت بمعجزة ما أن تتعاطى مع الوضع بمنطقية، فحتى السيناريوهات المتفائلة بالنسبة للسعودية في هذا السياق، والتي تزعم أن التصعيد يمكن أن يؤدي مثلا إلى السيطرة على مناطق جديدة على الأرض، أو تصفية قادة بارزين في الجبهة اليمنية الوطنية، لا تستطيع أن تضمن عدم حصول نتائج عكسية هائلة جدا، مع أن هذه السيناريوهات لا تضمن أصلا إمكانية تحقيق مثل تلك الإنجازات الميدانية أو إمكانية استثمارها والاحتفاظ بها.
ثمن “الإنكار والمساومة”:
في ظل إصرار السعودية على إنكار الواقع الجديد للصراع والذي يتمحور حول الحسم والحلول النهائية، فإن السؤال الرئيسي الذي يطرح حول الموقف السعودي ليس: كيف يمكن للرياض التغلب على صنعاء؟ بل: ما مدى قدرة المملكة على تحمل أضرار الحظر اليمني إلى حين التوصل إلى صفقة دبلوماسية؟ وما مدى قدرتها على تحمل ارتفاع درجة الضرر الاقتصادي بشكل هائل مع كل إجراء عسكري جديد ضد صنعاء؟!
لقد أصبح الضرر الاقتصادي المستمر (على الأقل) أمرا واقعا لا يمكن التخلص منه، وسيكون التعويل على إمكانية تجريد صنعاء من قدرتها على استهداف المنشآت السعودية أو إجبارها على رفع الحصار البحري بالقوة، سذاجة فاضحة من قبل الرياض التي لم تفشل فقط بنفسها في تحقيق ذلك، بل شاهدت الأمريكيين والإسرائيليين يفشلون أيضا.
إن محاولة مقاومة الواقع الجديد، ولو حتى من خلال محاولة “مساومته”، لم تعد تنطوي على “توازن” انتهازي ما بين المكسب والخسارة، فكل يوم يمر الآن يكبد الاقتصاد السعودي خسائر ملموسة، وهذا ثمن تخطئ الرياض إذا اعتقدت أنها تدفعه مقابل “صفقة جيدة”، فهي تدفعه في الحقيقة مقابل تأجيل الإقرار بالواقع الجديد فقط، لأن صنعاء نفسها اليوم لا تستطيع أن تقبل بأية حلول غير نهائية، ولم يعد أمامها مساحة للاكتفاء بما دون إنهاء الوصاية السعودية، فكيف بالسعودية نفسها!
مع ذلك، تعلمنا التجارب أنه من غير المرجح أن ترى الرياض الأمر بهذا الوضوح في الوقت الحالي، لأنها تعودت على أن تكون الطرف الذي يمارس الحصار ويدمر مصالح الآخرين، ونظرا للخسائر الكبيرة التي تكبدتها جراء اشتراكها في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والتي لم تؤثر كثيرا على موقفها الاستراتيجي، فإنها قد لا تبدأ بالتعاطي مع معادلات صنعاء بالشكل المطلوب، إلا بعد أن تواجه انهيارا صاخبا لاستثماراتها المتعلقة بالرهان على الموقف الأمريكي والإسرائيلي وعلى المرتزقة وعلى الحيل الدبلوماسية، وهو ما يبدو أن صنعاء قد استعدت له مسبقا.


