مع اكتمال أول شهر من الحظر البحري الذي بدأت القوات المسلحة اليمنية بفرضه على السعودية في 20 يوليو الماضي، تكشف حصيلة النتائج عن مسار تصاعدي ملفت لتأثيرات هذا الحظر على حركة الملاحة السعودية بشكل عام، وعلى حركة صادرات “ينبع” النفطية بشكل خاص، وهو ما يبدو بوضوح أن صنعاء صممت معادلات “الحصار والتصعيد” بشكل دقيق وناجح للوصول إليه، من أجل تحقيق سيطرة قوية على مجريات وإيقاع المواجهة بشكل ينسجم مع النتائج النهائية والحاسمة المنشودة.
ضرار الطيب- الخبر اليمني:
يستعرض التقرير التالي أبرز مظاهر تصاعد تأثيرات الحظر البحري اليمني المفروض على السعودية خلال آخر أسبوعين (حتى 19 أغسطس)، استكمالا لما تم عرضه وتحليله في تقرير الأسبوعين السابقين:
التأثير على حركة الملاحة السعودية:
واصلت سفن الشحن وناقلات النفط السعودية تجنب عبور مضيق باب المندب والإبحار حول رأس الرجاء الصالح خلال الأسبوعين الأخيرين من الشهر الأول للحظر اليمني المفروض على المملكة، وأظهرت بيانات تتبع الملاحة في 13 أغسطس أسطولا مكونا من 12 سفينة وناقلة سعودية تبحر حول أفريقيا، بعد عدة محاولات لتغيير وإخفاء الوجهة على نظام التعريف الآلي.
أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن حصيلة السفن السعودية المستهدفة حتى 19 أغسطس بلغت ثماني ناقلات نفطية، تم استهدافها في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، مشيرة إلى تغيير مسار 48 ناقلة سعودية أخرى.
أفادت تقارير بأن حركة الملاحة السعودية في البحر الأحمر أصبحت تعتمد بشكل رئيسي على تكتيكات التخفي وتحويل مسار السفن والشحنات، بسبب الحظر اليمني، مشيرة إلى أن التكتيكات الأكثر نشاطا تتمثل في الجمع بين إغلاق أجهزة التعريف وإخفاء الوجهات واستخدام قناة السويس ورأس الرجاء الصالح بدلا عن مضيق باب المندب.
إن تحول هذه التكتيكات إلى “وضع طبيعي جديد” يعتبر نجاحا واضحا للحظر البحري الذي تفرضه القوات المسلحة اليمنية على المملكة في مرحلته الأولى التي يبدو أنها استهدفت حرمان السفن والناقلات المملوكة للسعودية بشكل خاص من استخدام مضيق باب المندب.
لكن في الخامس من أغسطس أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن استهداف سفينة (وفاء) النفطية السعودية شمال البحر الأحمر، وقالت إنها ستعمل على تصعيد الضربات على الناقلات السعودية في الجزء الشمالي من الممر المائي “لإغلاق كافة المنافذ عليه” وهو ما يشير بوضوح إلى احتفاظ صنعاء بخيارات لتوسيع نطاق الحظر سواء من ناحية النطاق الجغرافي للعمليات، أو من ناحية فئات السفن المستهدفة.
وقد حذرت التقارير من أن اتساع نطاق الهجمات اليمنية شمالا سيقوض التكتيكات التي تعتمد عليها حركة الملاحة السعودية بشكل كبير، وقالت شركة (ويندوارد) للمعلومات الاستخباراتية البحرية إن هذا التطور “سيجعل تحويل المسار، والذي يعتبر آخر استراتيجية تخفيف متبقية للشحن المرتبط بالسعودية، غير كاف”.
وبرغم عدم كثافة الهجمات ضد السفن السعودية في الجزء الشمالي من البحر الأحمر، فإن حركة الملاحة المرتبطة بالسعودية أظهرت تأثرا واضحا، حيث انخفضت زيارات السفن إلى ميناء ينبع، وأصبحت حركة الميناء بأكملها تعتمد على التخفي (إطفاء أنظمة التعريف الآلي للسفن).
وقد اعتبر تقييم جديد لشركة (أمبري) البريطانية للأمن البحري أن “موانئ البحر الأحمر السعودية معرضة بشكل لخطر الهجوم من قبل الحوثيين” وهو تقييم يصعب على قطاع الشحن تجاهله، خصوصا بعد أن وسعت لجنة الحرب المشتركة لقطاع التأمين منطقة المخاطر العالية في البحر الأحمر لتشمل معظم الساحل السعودي.
إضافة إلى اتساع النطاق الجغرافي لعمليات وتأثيرات الحظر البحري اليمني، تزايدت مؤشرات تأثر حركة الملاحة الأجنبية المرتبطة بالسعودية، على الرغم من أن هجمات القوات المسلحة اقتصرت حتى الآن على السفن النفطية المملوكة للرياض والتي ترفع العلم السعودي، حيث أفادت تقارير بأن كوريا الجنوبية تتجه نحو الاعتماد على تحميل النفط الخام السعودي من ميناء “سيدي كرير” المصري على البحر الأبيض المتوسط ونقله عبر طريق رأس الرجاء، بدلا من الإبحار مباشرة إلى السعودية عبر مضيق باب المندب، وذلك من باب إعطاء الأولوية للسلامة.
وأعلنت ثاني أكبر مصافي النفط اليابانية اتخاذ نفس الخطوة، فيما كشفت وكالة رويترز أن شركتي (كوسكو) و(تشاينا ميرشانتس) الصينيتين العملاقتين أوقفتا إرسال ناقلات النفط العملاقة عبر باب المندب تماما، وهو ما يقوض الدعاية التي زعمت خلال الأسبوعين الماضيين بأن الصين حصلت على امتيازات خاصة من صنعاء لمواصلة التعامل مع الموانئ السعودية.
وقد جددت شركة (أمبري) التأكيد على أن السفن والشركات التي تتعامل مع الموانئ السعودية تظل معرضة لمخاطر عالية، محذرة من تكرار نفس نظام الحصار التصاعدي الذي طبقته صنعاء على إسرائيل خلال العامين الماضيين.
وتوضح هذه المؤشرات أن قطاع الشحن يستعد مسبقا للاستجابة لتصعيد درجة ونطاق الحظر اليمني على السعودية، وهو ما يعني أن السوق يتعامل مع الحظر كوضع طبيعي جديد، ولا يعلق آمالا على أي إجراءات سعودية أو دولية لكسر هذا الحظر أو إيقافه بالقوة.
فئة جديدة من السفن في قائمة الأهداف:
مثل استهداف السفينة (تهامة) في مضيق باب المندب يوم 11 أغسطس، تطورا مهما بسبب حجم الأضرار التي لحقت بالسفينة، لكن هذا التطور لم يكن مرتبطا مباشرة بالحصار المفروض على السعودية، فالسفينة لم تكن تجارية في الأساس، كما توضح القرائن، حيث نقلت “لويدز ليست” أنها كانت تحمل أسلحة للقوات المدعومة من السعودية، هو ما يعززه نشاطها الخفي الدائم، وبيانات ملكيتها وإدارتها التي اتضح أنها مضللة.
وقد كشفت مصادر مفتوحة لاحقا أن الشركة التي تملك السفينة متورطة في دعم قوات ما يسمى “المقاومة الوطنية” التي يقودها طارق صالح.
ومع ذلك، بعد هذا الهجوم أدرجت شركة (أمبري) السفن التي تنقل معدات عسكرية أو مواد مزدوجة الاستخدام إلى الموانئ اليمنية الخاضعة لسيطرة وكلاء السعودية كأهداف مرجحة.
وبعد أسبوع فقط، أعلنت القوات المسلحة عن استهداف سفينة إنزال عسكري قبالة المخا وتدميرها، وأفادت مصادر المعلومات مفتوحة بأن السفينة مملوكة لرجل أعمال يمني يدير شركة متورطة في إنشاء مشاريع عسكرية مولتها الإمارات في مضيق باب المندب والساحل الغربي، بما في ذلك مشروع المرفأ الذي كانت السفينة ترسو فيه في باب المندب.
ويشير هذا التطور إلى أن ساحة البحر الأحمر تظل مفتوحة على معطيات مختلفة، فتدمير المزيد من السفن التي لها علاقات بالأنشطة العسكرية المرتبطة بالتحالف، سيجعل شركات الشحن والتأمين أكثر حرصا على الابتعاد عن أي ارتباطات بالمملكة وموانئها.
وبالمجمل، تعكس التأثيرات الملاحية للحصار البحري اليمني على السعودية في شهره الأول، امتلاك صنعاء قدرة واضحة على تحقيق أضرار مركزة وفورية وواسعة النطاق بدون الحاجة إلى حصيلة كبيرة من السفن المدمرة، وهو ما يعني نجاحها في فرض نظام العقوبات البحرية الخاص بها كأمر واقع، لا ينتظر اعتراف السعوديين وغيرهم به.
السعودية وجهة غير آمنة:
بطبيعة الحال، يعكس تأثر حركة الملاحة السعودية بالحظر البحري اليمني، تغير نظرة صانعي السياسات في قطاع الشحن تجاه السعودية، وهذه النظرة تصوغها بشكل أساسي شركات التأمين التي تحدد مستوى المخاطر المرتبطة بالوجهات والمسارات الملاحية، والأقساط المترتبة على هذه المخاطر.
لقد أوضحنا سابقا أن تفاعل شركات التأمين البحري مع الحظر اليمني كان فوريا وتصاعد بسرعة، لصالح ترسيخ نظام العقوبات البحرية اليمنية كأمر واقع، وقد وصل هذا التفاعل إلى حد توسيع نطاق منطقة المخاطر العالية في البحر الأحمر لتشمل معظم الساحل السعودي بما في ذلك مينائي جدة وينبع، الأمر الذي أدى ارتفاع أقساط تأمين مخاطر الحرب للرحلات المرتبطة بهذه الموانئ بشكل كبير.
وخلال الأسبوع الأخير، أعلنت العديد من شركات التأمين إلغاء تغطية مخاطر الحرب للرحلات التي تعبر مناطق الخطر في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وأفادت (لويدز ليست) بأن هناك “استبعاد شامل للسفن المرتبطة بالسعودية” من برنامج جديد لتغطية مخاطر الحرب في البحر الأحمر، ما يعكس تفاعلا مستمرا ومتصاعدا مع الحظر البحري اليمني، حيث تسعى الشركات كما يبدو لاستباق تعرض السفن المرتبطة بالسعودية لأضرار جسيمة، ما قد يترتب عليه تعويضات كبيرة.
هذا التفاعل يثبت أن إعلان السعودية عن تشكيل تحالف بحري، لم ينجح في تغيير تقييمات شركات الشحن والتأمين للمخاطر المرتبطة بالموانئ والملاحة المرتبطة بالسعودية، بل ربما كان تأثيره عكسيا، حيث أصبح السوق يعرف عن تجربة أن أي تدخل عسكري لإجبار صنعاء على رفع حظر بحري، سيساهم على الأرجح في تأجيج التصعيد بشكل أكبر وتوسيع نطاق وشدة هذا الحظر.
خنق صادرات “ينبع” النفطية:
مثلت حركة صادرات النفط السعودية مرآة واضحة لتراكم وتصاعد تأثيرات الحظر البحري اليمني بسرعة خلال شهره الأول، فبحلول الأسبوع الثالث من الحظر، أظهرت بيانات شركات التتبع الرائدة أن انخفاض صادرات ميناء (ينبع) الذي أصبح المنفذ الرئيسي لتصدير النفط السعودي منذ إغلاق مضيق هرمز، تجاوزت بكثير النسب المقدرة في الأسبوعين السابقين والتي كانت تتراوح بين 30 و40%.
بحسب بيانات شركة (كبلر) فقد هبطت صادرات ينبع النفطية في الأسبوع الذي بدأ في 3 أغسطس بنحو 56%، من 4.04 مليون برميل يوميا إلى 1.78 مليون برميل يوميا.
وبحسب بيانات شركة (فورتيكسا) بلغت نسبة الانخفاض في صادرات ينبع خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحظر وصلت إلى أكثر من 52%، من 5 ملايين برميل يوميا تقريبا إلى 2.38 برميل يوميا، وهو ما يعني فقدان 2.62 مليون برميل يوميا.
تعود التقديرات المتفاوتة لحجم الصادرات الحالية إلى صعوبات رصد عمليات التحميل الفعلية في ميناء ينبع، بسبب قيام جميع الناقلات بإطفاء أجهزة التعريف الآلي الخاصة بها، لتقليل مخاطر التعرض للعقوبات والهجمات اليمنية.
من الواضح أن السعودية تحاول الاعتماد على حركة الناقلات الخفية لتمرير المزيد من الصادرات وتخفيف تأثيرات الحظر، لكن البيانات تشير إلى أن هذه الطريقة لا تحقق سوى نتائج محدودة، فمعظم الناقلات التي تقوم بالتحميل في ميناء ينبع بشكل سريع تنقل النفط إلى ميناء “عين السخنة” المصري على البحر الأحمر من اجل ضخه عبر خط أنابيب (سوميد) شمالا، لأن أغلب المشترين أصبحوا حريصين على تجنب التحميل في الموانئ السعودية، كما هو واضح.
وفي هذا السياق تظهر بيانات شركة (فورتيكسا) أن صادرات النفط من ميناء “سيدي كرير” ارتفعت خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحظر بنحو 830 ألف برميل يوميا، وبما أن الصادرات النفطية السعودية تمثل 90% من هذا الرقم، فهذا يعني حجم الشحنات الإضافية التي حاولت السعودية تمريرها عبر خط الأنابيب لتخفيف آثار الحظر اليمني، لا تصل حتى إلى 750 ألف برميل يوميا، وهو ما يترك نحو 1.9 مليون برميل يوميا في رصيد العجز عن التصدير.
ومن غير المرجح أن يتم تخفيف هذا العجز بشكل مؤثر من خلال بقية الشحنات التي يتم تحميلها سرا من ميناء ينبع ونقلها عبر قناة السويس، فهذه الرحلات نادرة، لأنها عالية المخاطر وتخضع لقيود تأمينية مشددة يترتب عليها تكاليف كبيرة للغاية، كما أن قيود قناة السويس تمنع عبور ناقلات النفط العملاقة بحمولة كاملة، وهو ما يعني أن فائدة هذه الرحلات منخفضة بالمقارنة مع مخاطرها وتكاليفها.
وقد كشفت وكالة “بلومبرغ” قبل أيام أن مصافي التكرير الآسيوية رفضت استلام شحنات النفط المقررة لشهر سبتمبر القادم من ميناء “ينبع” على البحر الأحمر، بسبب صعوبة العثور على سفن مستعدة لتحمل المخاطر العالية المرتبطة بالحظر البحري اليمني، وأشارت الوكالة إلى أن بعض المصافي طالبت شركة (أرامكو) بتحميل الشحنات من ميناء “سيدي كرير” المصري، لكن الشركة السعودية لا تتيح هذا الخيار للجميع، وهو ما يوضح أيضا أن حجم التدفقات الإضافية التي يجري ضخها إلى الميناء المصري محدودة جدا، وأن الشركة تحاول جاهدة ألا يتحول يصبح ميناء ينبع مهجورا.
وبالتوازي مع ذلك، كشفت وكالة رويترز أن (أرامكو) عرضت على عملاء آسيويين تحميل شحنات نفطية لشهر سبتمبر من سفن موجودة قبالة الفجيرة الإماراتية، خارج مضيق هرمز، ما يعكس تصاعد ضغط انخفاض صادرات البحر الأحمر على المملكة إلى حد اللجوء إلى الحلول اليائسة التي كانت في غنى عنها.
موثوقية (أرامكو) على المحك:
إن الانخفاض المتزايد للصادرات النفطية سيقود بلا شك إلى امتلاء الخزانات وبالتالي خفض الإنتاج، وهو تأثير خطير، لأنه حتى لو وجدت السعودية طرقا لتمرير المزيد من البراميل فإن استعادة مستويات الإنتاج تستغرق وقتا أطول، كما اهتزاز ثقة العملاء بشركة (أرامكو) وباستمرارية تدفقاتها من البحر الأحمر واتجاههم للبحث عن بدائل سيفاقم المشكلة بشكل كبير وعلى نحو طويل الأمد.
بعد ثلاثة أسابيع فقط من تحذيرات السوق من أن الحصار البحري اليمني قد يؤدي إلى إعادة النظر في جدوى الاعتماد على تدفقات النفط السعودي من ينبع إلى آسيا، ونتيجة لانخفاض الصادرات السعودية بشكل حاد، ظهرت أول المؤشرات الملموسة المتعلقة بهذه التحذيرات، حيث لجأت شركة (أرامكو) إلى اعتماد آلية بيع جديدة للعملاء الآسيويين، بنظام “كل حالة على حدة”، الذي تقوم فيه الشركة بمنح الحصص الشهرية للعملاء المرتبطين بعقود مزمنة، بشكل انتقائي بناء على مناقشات فردية مع العملاء.
هذه الآلية تضع العملاء الذين لم يستلموا حصصهم أمام تساؤلات جدية بشأن موثوقية (أرامكو) وتدفقات ينبع، ووفقا لوكالة رويترز، فحتى العملاء الذين مُنحوا حصصهم، يشعرون بعدم يقين بشأن استلام الشحنات، وهو ما يجعل مسألة البحث عن بدائل أكثر إلحاحا بالنسبة للمشترين الآسيويين، لأن عملية شراء النفط السعودي أصبحت تنطوي على أكثر من تحدي، بدءا من ضمان الحصول على الحصص، مرورا بضمان خروج الشحنات من البحر الأحمر، وصولا إلى آلية النقل الجديدة التي تنطوي على تأخيرات كبيرة وتكاليف إضافية عالية.
وقد ذكرت وكالة “بلومبرغ” أن بعض المصافي الآسيوية تفكر في التخلي عن شحناتها الشهرية من صادرات ينبع، بسبب التكاليف العالية التي يفرضها تحويل مسارات النقل.
ووفقا لوكالة (ستاندرد آند بورز غلوبال) فإن سعر استئجار ناقلة نفط عملاقة لنقل شحنة نفط سعودية عبر طريق رأس الرجاء الصالح وصل في 5 أغسطس إلى ما يعادل 74.8 دولار للطن المتري الواحد، مقارنة بنحو 64 دولار على طريق باب المندب، وهو ما يعني زيادة قدرها أكثر من 10 دولارات لكل طن متري واحد (تحمل ناقلة النفط العملاقة ما قد يزيد عن 320 ألف طن متري).
خلال أول أسبوعين من الحظر، أفادت تقارير بأن المشترين الآسيويين طالبوا شركة (أرامكو) بتخفيضات تصل إلى 10 دولارات لكل برميل، مراعاة للتكاليف الإضافية التي يفرضها تحويل مسار شحنات النفط القادمة من ينبع، لكن تطور الوضع إلى حد عدم تمكن بعض المشترين من الحصول على حصصهم، يعني أن خيار الاعتماد على تدفقات النفط السعودية أصبح غير مأمون، حتى مع الاستعداد لدفع التكاليف الإضافية.
الكلفة العالية تضبط إيقاع المواجهة:
من الواضح أن خنق صادرات النفط السعودية كان هدفا رئيسيا للحصار البحري الذي تفرضه صنعاء على المملكة في شهره الأول، فقد كانت جميع السفن السعودية التي تعرضت للهجمات ناقلات نفط، وكذلك جميع السفن التي أعلنت صنعاء عن تحويل مسارها.
ويشير اختيار منشآت أرامكو كوجهات شبه حصرية لعمليات الرد العسكري على غارات الطيران السعودي وانتهاكاته للأجواء اليمنية، حتى الآن، إلى حرص صنعاء الكبير على تحقيق تكامل دقيق بين معادلات التصعيد والحصار، على نحو يخدم هدف خنق تدفقات النفط السعودية في المقام الأول.
وقد تم تحقيق هذا التكامل بالفعل، فبعد أن تسبب هجوم يوم 25 أغسطس الماضي في إغلاق مصفاة شركة (أرامكو) بجيزان، والتي تبلغ طاقتها الإنتاجية 400 ألف برميل يوميا، حتى منتصف أغسطس، تسبب هجوم ثان نفذته القوات المسلحة في 10 أغسطس بحرائق جديدة دفعت نحو تمديد إغلاق المصفاة أسبوعين إضافيين.
وقد كشفت صور فضائية نُشرت يوم 18 أغسطس عن أضرار إضافية لحقت بالمصفاة جراء الهجمات المستمرة، ما يرجح تمديد الإغلاق مرة أخرى.
ويعكس اختيار هذا الهدف حرص صنعاء على استثمار مواطن القوة في أساليب الحرب الحديثة التي تجيدها، بما في ذلك أسلوب تحقيق الأضرار الكبيرة والمؤثرة بمستوى منخفض نسبيا من التكلفة، حيث استطاعت القوات المسلحة الجمع بين الحظر البحري بصورته الأوسع التي تشمل منع وتقييد الحركة الملاحية السعودية بشكل عام، وفي الوقت نفسه خنق صادرات النفط السعودية بشكل خاص، وذلك خلال فترة زمنية قصيرة وفي المرحلة الأولى فقط من معادلات “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.
إن التركيز على خنق صادرات النفط السعودية بشكل رئيسي، يضع الرياض أمام كلفة لا تُحتمل سواء لخيار التصعيد الشامل، أو حتى لخيار إبقاء الوضع كما هو عليه، وهذه سيطرة مبكرة على زمام فرض المعادلات والتحكم بإيقاع المواجهة، حيث يبدو بوضوح أن صنعاء حريصة على عدم ترك أي ثغرة أمام السعودية لإطالة أمد الصراع أو الالتفاف على واقعه كما حدث في مرحلة “خفض التصعيد”.
وقد عكس تردد السعودية الواضح في استخدام الخيارات العسكرية المباشرة، أو حتى خيار تحريك الوكلاء المحليين بشكل واسع (حتى الآن على الأقل) حيرة واضحة من جانب الرياض في التعامل مع الكلفة العالية المرتبطة بخيارات المواجهة.
وتنسجم استراتيجية “رفع الكلفة على السعودية” بشكل تام مع منطق المرحلة الجديدة التي أطلقتها القيادة اليمنية تحت عنوان “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال”، حيث لا يوجد ما هو أفضل من توظيف كابوس انهيار تجارة النفط للتأثير على مواقف دولة كالسعودية.


