لماذا تفضل السعودية المزيد من التصعيد ضد اليمن رغم انعدام المكاسب؟

اخترنا لك

يعكس التصعيد العسكري الجديد الذي دشنته السعودية بهجوم معلن رسميا على مضيق باب المندب، استمرار الرياض في الهروب من المطالب اليمنية ومطاردة فكرة الحصول على “صفقة مناسبة” من خلال التصعيد، وهي مطاردة جرت المملكة خلال ثلاثة أشهر إلى سلسلة من الخطوات المتهورة المتتابعة التي لم تسفر حتى الآن عن تحقيق أي مكسب، بل أدت إلى نتائج عكسية واضحة، الأمر الذي يكشف عن مأزق استراتيجي كبير لا تزال السعودية تراهن على إمكانية الخروج منه، عبر نفس الطريق الذي قادها إليه!

ضرار الطيب:

تصعيد “استعادة المعنويات”:

في الخامس من أكتوبر، أعلنت السعودية عن بدء تصعيد عسكري واسع ضد اليمن بمشاركة 100 طائرة حربية، بهدف استعادة المناطق التي حررتها صنعاء مؤخرا في الساحل الغربي، وعلى رأسها مضيق باب المندب، وذلك بعد ثلاثة أشهر من الإصرار الإعلامي على إنكار الدور العسكري المباشر للرياض في التصعيد ونسب الغارات الجوية لـ”طيران يمني” لا وجود له.
قُدم هذا التصعيد إعلاميا وكأنه خطة مدروسة ومنظمة للحسم، لكن خارج نطاق الدعاية كان كل شيء يشير إلى أنه مجرد حلقة إضافية من سلسلة القرارات السريعة الخاطئة التي بدأت بقصف مطار صنعاء في يوليو الماضي، وهي السلسلة التي استمرت بسبب أمرين أساسيين: الأول هو إصرار الرياض على رفض مطالب إنهاء العدوان والحصار والاحتلال، والثاني هو عجزها عن السيطرة على تداعيات هذا الموقف، حيث أصبحت السعودية بحاجة دائمة للانتقال إلى مستوى جديد من التصعيد للتعامل مع التداعيات العكسية للمستوى السابق.

من أبرز ما يوضح ذلك توقيت التصعيد الجديد، حيث جاء بالتزامن مع وصول القوات المسلحة اليمنية إلى منزل رشاد العليمي في إطار انهيار متسارع للمليشيات المدعومة من السعودية داخل مديريات “الحجرية”، وهو ما مثل “هزيمة” صاخبة للسعودية بعد فترة قصيرة فقط من هزيمتها في الساحل الغربي، الأمر الذي جعلها مضطرة إلى التحرك بشكل عاجل لاستعادة “المعنويات” قبل استعادة المناطق.

هذا ما أكدته بوضوح الحملة الإعلامية الضخمة التي رافقت التصعيد، حيث تم ضخ كمية هائلة من الأكاذيب بشأن تمكن قوات “العمالقة” المدعومة من السعودية من الوصول إلى كامل المناطق التي حررتها صنعاء في الساحل الغربي، بما في ذلك المخا، خلال ساعات قليلة جدا، مع نشر مشاهد مروعة لدهس أسرى بالمدرعات في إطار محاولة لصناعة صدمة تعزز صورة “هجوم ساحق وحاسم”.

لقد كتب بعض النشطاء الموالين السعودية حينها صراحة بأن الوقت ليس وقت التأكد من المعلومات، بل وقت استعادة المعنويات التي كانت قد انهارت تماما، وهو ما يشير إلى أن اختيار توقيت التصعيد لم يكن يستند إلى خطة عملياتية مدروسة بقدر ما استند إلى حاجة عاجلة لاستهداف صورة الهزيمة التي كانت قد ترسخت تماما لدى أتباع السعودية.

في الميدان كان كل ما حدث هو هجوم من أطراف لحج على منطقة “ذو باب” القريبة من باب المندب، وبرغم أنه تم إثبات زيف كل الادعاءات بشأن تقدم القوات التابعة للرياض على مناطق الساحل والمضيق، فإن وسائل الحملة الدعائية السعودية لم تتوقف، وظلت قناة “الجزيرة” القطرية تتحدث عن السيطرة على المخا لأيام، وهو ما يعكس بوضوح أولوية الأهداف المعنوية في قرار التصعيد السعودي.

وكعادة كل القرارات السابقة، بدأت التداعيات العكسية للتصعيد الجديد تظهر سريعا، حيث وسعت صنعاء وكثفت ضرباتها على العمق السعودي وعلى القوات الموالية لها، وبدأت بترسيخ معادلة جديدة على الساحة تتمثل في فرض حظر جوي على المملكة، كما واصلت تقدمها المتسارع فيما تبقى من مديريات تعز، وحتى لحظة الكتابة أصبح تواجد الجماعات الموالية للسعودية منحصرا في مدينة وتعز وجبل صبر، وهو ما يعني أن الرياض تواجه “هزيمة” جديدة في الأفق، وأن قرار التصعيد الجديد كان صفقة سيئة جدا قايضت السعودية فيها ساعات من “الأدرينالين” المصطنع، بمطاراتها التي أصبحت تصنف ضمن أكثر المطارات اضطرابا في العالم، والمزيد من منشآتها النفطية المهمة كمصفاة “رابغ” التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 400 ألف برميل يوميا، والتي وصل ارتفاع أعمدة الدخان المتصاعدة منها إلى 60 كيلو متر بعد استهدافها في اليوم الأول من التصعيد.

 

الأهداف السعودية متأخرة عن الواقع:

بالطبع، لم يكن قرار التصعيد مرتجلا بالكامل، لكنه لم يكن خطة مدروسة بالكامل أيضا، فالخطة الأساسية التي اعتمدت عليها الرياض في البداية كانت إدارة التصعيد من بعيد، وإظهار وكلائها المحليين في الواجهة، حتى على مستوى تنفيذ القصف الجوي، غير أن صنعاء أفشلت هذه الخطة من خلال الضربات الاستباقية على القوات البرية التابعة للسعودية، ومواصلة استهداف منشآت (أرامكو) وناقلات النفط السعودية، بالإضافة إلى السيطرة على الساحل الغربي، وهو ما دفع الرياض إلى اللجوء إلى خطة بديلة نوقشت في فترة زمنية محدودة.

حتى لو كانت خطة التصعيد الذي أعلن في الخامس من أكتوبر معدة منذ يوليو، فإن صدمة الساحل الغربي وما تلاها قد أربكت هذه الخطة تماما، فالقتال الذي ربما كانت السعودية تريد خوضه للسيطرة على مناطق جديدة، أصبح هدفه “استعادة” مناطق فقدتها الرياض مؤخرا، وإذا كانت الغاية المرسومة للتصعيد هي الحسم، فقد تحولت الآن إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه.

بعد هزيمة السعودية في الساحل الغربي، ناقشت تحليلات أمريكية مقترح إطلاق عملية عسكرية لاستعادة المناطق، لكن الغاية التي حددها هذا المقترح هي صناعة توازن لدفع صنعاء نحو قبول اتفاق، وهو هدف لم يُشرح بالشكل الكافي، حيث اعتمد على فرضية أن صنعاء ستقبل بوقف إطلاق النار فقط للحفاظ على الوضع السابق وعدم خسارة المزيد، رغم أن هذا المقترح صمم بشكل أساسي لتجنيب السعودية خطر الانزلاق في حرب طويلة عالية المخاطر، وقد أشير بوضوح إلى أن هذا المقترح ليس حلا سحريا، وليس خاليا من الخسائر والتضحيات الكبيرة، ولكنه “البديل الوحيد” عن الإذعان لمطالب صنعاء.

وقبل إعلان التصعيد بأيام فقط كشفت تقارير أمريكية أن السعودية تعتزم فعلا المضي في هذا الاتجاه، وهو ما يشير – بجانب التوقيت- إلى أن قرار التصعيد كان يستهدف “البقاء في المعركة” والتعامل مع التداعيات العكسية للقرارات السابقة التي استندت كلها إلى فكرة مقاومة مطالب صنعاء بالقوة.

لكن الآن وقد ذهبت السعودية فعلا إلى هذا “البديل الوحيد” فإنها تكتفي حتى الآن بالخسائر والتضحيات بدون تحقيق أي مكاسب.

توضح التقارير أن الرياض ما زالت تعمل على حشد المزيد من الجهود من أجل تحسين فرص تحقيق تقدم ميداني، بما في ذلك إشراك باكستان وتركيا بشكل مباشر في الجهود العسكرية على الأرض، والعمل على استقدام مقاتلين من سوريا، وهو ما يشير إلى أنها اضطرت لإعلان التصعيد قبل أن تستكمل تجهيزاتها، وذلك بسبب ضغط المتغيرات، فجاءت البداية الصاخبة للتصعيد والتي كان يفترض البناء عليها لاستعادة الموازين، خالية من أي مكسب ميداني حقيقي، بل ظهرت النتائج العكسية على الفور.

يشبه هذا ما حدث للخطة السابقة التي لم تجد فيها الرياض مساحة كافية لتحشيد وتنظيم القوات التابعة لها بسبب ضربات صنعاء الاستباقية، وعندما انطلقت المواجهة البرية انهارت هذه القوات سريعا.

لقد أشارت معلومات إلى أن قوات سعودية وباكستانية (وتحدث البعض عن مقاتلين سوريين) كانت هدفا للضربة التي نفذتها قوات صنعاء على معسكر بدر في عدن يوم 7 أكتوبر، وكانت تقارير قد تحدثت قبلها بيومين إلى أن طائرات باكستانية حملت معدات عسكرية إلى مطار عدن، كما أعلنت صنعاء عن استهداف تحشيدات سعودية في مأرب والجوف وفي الحدود الجنوبية للمملكة، إلى جانب استهداف التحشيدات المتجمعة في أطراف محافظة لحج.

وهذا يعني أن تحركات السعودية لتعزيز صفوفها من أجل التصعيد البري الشامل وتحقيق مكاسب ميدانية مكشوفة ومعرضة للقصف اليومي، وبحلول الوقت الذي يفترض أن تصل فيه إلى حالة “الجاهزية” ستكون قد أنهكت، بل ربما تلجأ السعودية إلى تكرار نفس الخطوة مرة أخرى: إطلاق ما توفر من القوات تحت ضجة إعلامية جديدة وعدم انتظار الوصول إلى الجاهزية المنشودة، وذلك للتعامل مع ضغط تسارع انتصارات ومكاسب صنعاء، فحتى الآن كان وضع السعودية يمثل حالة نموذجية من فقدان السيطرة على الوضع، تظهر بشكل متكرر، وتجبرها على اللجوء باستمرار نحو خطوة تصعيدية جديدة مرتجلة وسريعة فقط لتجنب الاعتراف بالهزيمة والفشل.

 

معضلة “البيت الزجاجي”:

لكن حتى إن تمكنت السعودية بطريقة ما من تحقيق هدف السيطرة على بعض المناطق في الساحل أو في جبهات أخرى، فإنها ستواجه تحديا صعبا يتمثل في الحفاظ على هذه المناطق واستثمارها ذلك بالشكل الذي يضمن دفع صنعاء نحو القبول بالتفاوض، فإلى جانب الصعوبات والتكاليف العملياتية، تحتاج السعودية لأن تكون منفتحة على قبول تضحيات هائلة، فهي كما يشير المحللون “بيتا زجاجيا” بالفعل فيما يتعلق بتلقي الضربات، ولديها الكثير من نقاط الضغط الضاغطة، والتي لا يمكن تغطيتها من خلال أي تقدم ميداني محدود في اليمن.

من الصعب على السعودية أن توازن بين تعرض إنتاجها النفطي لخطر التوقف التام أو الانخفاض بشكل كبير (وهو أمر تستطيع صنعاء تحقيقه بسهولة) وبين استعادة السيطرة على مضيق باب المندب أو حتى المخا، فصنعاء استطاعت أن تفرض حظرا بحريا فعالا على المملكة وأن تهزم البحرية الأمريكية بدون السيطرة على هذه المناطق، لكن كم تستطيع أن السعودية تصمد بدون إنتاج نفطي؟!

في الثامن من أكتوبر كثفت صنعاء ضرباتها على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وأصابت طائرة تابعة للخطوط الجوية السعودية، ما أدى إلى إلغاء مئات الرحلات المجدولة من وإلى مطارات الرياض وجدة والدمام، بينما كانت مطارات ينبع وأبها ونجران وجيزان مشلولة، وفي اليوم نفسه وجهت صنعاء تحذيرا لافتا للعاملين في المنشآت النفطية السعودية في إشارة إلى التوجه نحو شن ضربات أعنف.

 وأفادت تقارير بأن العديد من الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في مركز الملك عبد الله المالي بالرياض قامت بإجلاء موظفيها.

هذه التضحيات لا يمكن للسعودية أن تعتمد فيها حتى على الدعم الإقليمي والدولي، فحتى في سيناريو “حرب دولية على اليمن” لا يوجد ما يضمن الحسم الذي تحتاجه السعودية لتجنب تعريض اقتصادها لخطر الانهيار.. إن “بيتها الزجاجي” ببساطة لا يمكن حمايته أبدا، ولهذا السبب في الأساس نوقشت فكرة “التصعيد الواسع” كمدخل لتحقيق توازن ميداني يساعد على العودة إلى صفقة خفض تصعيد، وليس للتخلص من التهديد.. لكن الفكرة لم تكن متماسكة بما يكفي لإيجاد طريقة مضمونة لتحقيق المكسب الميداني، ثم تحويله إلى مكسب دبلوماسي، وتجاهل هذا الأمر يمثل مخاطرة هائلة بالنسبة للسعودية.

 

أفق التصعيد:

إن التصعيد الحالي يقود السعودية إلى مسارين محتملين: الأول هو الفشل تحقيق أي مكسب ميداني، مع تكبد خسائر كبيرة نتيجة “المحاولة”، وهو ما سيضع الرياض مرة أخرى أمام ضرورة فعل أي شيء لتجنب القبول بمطالب صنعاء، وقد يكون القرار الخاطئ القادم هو الأكثر كارثية، كاللجوء إلى حيلة استهداف المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة من أجل حشد المزيد من الدعم، ويعني ذلك إطالة أمد التصعيد وتوسيع نطاق تداعياته بشكل كبير.

والمسار الثاني هو النجاح في تحقيق بعض المكاسب، لكن عدم القدرة على ترجمتها إلى صفقة دبلوماسية مناسبة، لأن صنعاء قد غادرت تماما مربع المساومة، ولديها مساحة مناورة عسكرية أكبر بكثير من أي وقت مضى للضغط على السعودية، وبالتالي سيكون على الرياض إما أن تستسلم لمطالب صنعاء، وتفكر في كيفية إيجاد مساحة مناورة حذرة في هذا الاستسلام (وهو أمر صعب للغاية)، أو المضي نحو الاحتفاظ بالمكاسب وتوسيعها على أمل الحسم أو تغيير موقف صنعاء، وهو ما يعني إطالة أمد التصعيد والتضحية بالاقتصاد والنفط.

حاليا لا يوجد أي مؤشر على أن السعودية تضع في حسبانها اللجوء إلى التفاوض بدون تحقيق مكاسب ميدانية، وليس من الواضح ما إذا كانت تعتقد بإمكانية حسم الصراع مع صنعاء عسكريا (مع أن عادتها في سوء تقدير الوضع تجعل هذا الاحتمال واردا) ولكن فكرة دفع صنعاء للقبول بـ”هدنة” جديدة أو اتفاق خارج إطار المطالب الرئيسية، تمثل فخا قاتلا.

إن إصرار السعودية على مطاردة هذه الفكرة قد جرها خلال ثلاثة شهر إلى تصعيد شامل خسرت فيه الكثير، ولم تستطع أن تحقق فيه أي شيء باستثناء تجنب القبول بالمطالب اليمنية، وهذه المكابرة تفوت على الرياض فرصة التوقف عند النتائج ودراستها بموضوعية، لأنه طالما ظل الهدف الرئيسي هو مقاومة مطالب صنعاء، فإن الاتجاه سيكون إجباريا نحو المزيد من التصعيد، باعتباره الوسيلة الوحيدة لهندسة صفقة دبلوماسية مناسبة، وهذا يعني القفز على حقائق كثيرة، والوقوع في تقييمات مغلوطة لأسباب الفشل، ما يجعل الاصطدام بالمزيد من النتائج العكسية حتميا.

أحدث العناوين

مع دخول قوات صنعاء إلى أحياء مدينة تعز.. شركات الصرافة ترفض العملة الجديدة

تتصاعد حالة الإرباك والتخبط الاقتصادي داخل مدينة تعز بالتزامن مع التقدم الميداني اللامتوقف لقوات صنعاء ودخولها الأحياء الغربية للمدينة؛...

مقالات ذات صلة