مصر والسعودية واليمن.. لماذا استدعى السيسي البرلمان الآن؟

اخترنا لك

| محمود الأسعد

شكّل إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة العربية السعودية، ودعوته مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة لمنحه التفويض اللازم في حال طلبت الرياض التدخّل المصري موقفاً صادماً يتجاوز مفهوم التضامن التقليدي مع دولة عربية بوزن السعودية، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار توقيت القرار المصري ومضمونه وسياقه الإقليمي، فإنّ ذلك سيفتح الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز العلاقة الثنائية بين القاهرة والرياض، لتصل إلى مستقبل التوازنات العسكرية في البحر الأحمر، والصراع على الممرات البحرية، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، ومستقبل الحرب في اليمن، فضلاً عن موقع مصر في معادلة الأمن الإقليمي التي تتشكّل تحت ضغط الحرب والتغيّرات المتسارعة في التحالفات.

وقد جاء الإعلان في ظلّ تصاعد الهجمات اليمنية على الأهداف السعودية بما فيها منشآت الطاقة والمرافق الحيوية وخاصة المطارات، وفي وقت تواجه فيه المملكة تحدّيات متزايدة تتعلّق بأمنها الداخلي وقدرتها على حماية بنيتها الاقتصادية والاستراتيجية، وكذلك في ظلّ التقدّم المتسارع لقوات حكومة صنعاء على الأرض واقترابها من حسم معركة تعز لصالحها، وقد أكّد السيسي أنّ أيّ تحرّك مصري سيكون دفاعياً ومشروطاً بطلب سعودي.

السؤال الرئيسي ليس ما إذا كانت مصر قادرة على المساهمة الحقيقية في الدفاع عن السعودية، بل لماذا اختارت القاهرة اتخاذ هذا القرار في هذه اللحظة تحديداً؟ وهل يتعلّق الأمر بالدفاع عن السعودية فحسب؟ أم أنّ مصر تسعى أيضاً إلى منع تشكّل ترتيبات إقليمية جديدة تُهمّش دورها، وتضع أمن البحر الأحمر في أيدي قوى أخرى، وتفتح المجال أمام “إسرائيل” لتعزيز حضورها العسكري والاستراتيجي على مقربة من الممرات البحرية المصرية؟

ووفقاً لذلك يمكن القول بأنّ القاهرة تتحرّك في لحظة تتقاطع فيها الضرورات الأمنية المباشرة مع حسابات أوسع تتعلّق بموقع مصر في النظام الإقليمي. غير أنّ فهم هذه الخطوة يتطلّب التمييز بين ما أعلنته القيادة المصرية رسمياً، وما يمكن استنتاجه من مصالحها الاستراتيجية .

لماذا الآن؟ التوقيت بوصفه رسالة استراتيجية

لفهم قرار التحرّك المصري، ينبغي وضع القرار ضمن مجموعة من المتغيّرات التي تجعل من سياسة الحياد النسبية التي تنتهجها القاهرة في ظلّ اشتعال الحروب في الإقليم خياراً محفوفاً بالمخاطر.

1. تراجع فعّالية المظلة الدفاعية السعودية

إن كان على المستوى العسكري أم على صعيد الخذلان الذي تعرّضت له السعودية من حلفائها سواء الغربيين كالولايات المتحدة وأوروبا أو الإقليميين في ظلّ تلكؤ باكستان وتركيا. من هنا، يمكن قراءة التحرّك المصري باعتباره سعياً إلى سدّ فجوة في منظومة الردع الإقليمية، أو على الأقل تقديم ضمانة سياسية وعسكرية إضافية للرياض.

لكنّ المسألة لا تتعلّق فقط بقدرة مصر على تقديم دعم عسكري، بل بطبيعة هذا الدعم وحدوده: هل سيكون دفاعاً جوياً وحماية للمنشآت؟ أم تأميناً للممرات البحرية؟ أم مشاركة في عمليات أوسع داخل اليمن؟ هذا السؤال هو الذي سيحدّد القيمة الاستراتيجية الفعلية للتفويض المصري.

2. العامل الأميركي واحتمال التدخّل الإسرائيلي

من العوامل التي تستحقّ التوقّف عندها الحديث عن احتمال دخول “إسرائيل” على خط مساعدة السعودية خاصة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّ “اسرائيل” قد تقدّم الدعم للسعودية مع ربط ذلك باتفاقات أبراهام بين السعودية و”إسرائيل”، وهو ما يعني نسفاً للشروط السعودية التي سبق وأن حدّدتها الرياض لتوقيع تلك الاتفاقيات.

وعليه فإنّ توجّه الرياض تحت ضغط الفشل العسكري أمام اليمن قد يدفعها إلى طلب دعم إسرائيلي مباشر أو غير مباشر، وهو ما يعني بالضرورة فتح الباب أمام تحوّل استراتيجي بالغ الحساسية في المنطقة، ويمنح “إسرائيل” نفوذا واسعاً في مجال التحكّم بممرات الطاقة والتجارة من الخليج إلى البحر الأحمر، وبالتالي فإنه من غير المستبعد أنّ القرار المصري جاء لقطع الطريق على التوجّه الحتمي للسعودية نحو “إسرائيل” وما يشكّله ذلك من خطر على الأمن القومي المصري .

3. سقوط المعادلات القديمة

يبدو أنّ القاهرة باتت تدرك بأنّ المعادلات التي حكمت أمن الخليج والبحر الأحمر خلال السنوات الماضية لم تعد كافية لضمان الاستقرار في ظلّ الحرب الأميركية الإيرانية التي من المرجّح أن تنتهي بخروج القوات الأميركية من المنطقة، وضياع الأمن القومي العربي بين القوى الطامحة في الإقليم والتنافس الشديد فيما بينها للسيطرة والنفوذ، وفي المقابل لا تستطيع مصر التعامل مع هذه التطوّرات باعتبارها شأناً سعودياً داخلياً، لأنّ تداعياتها قد تصل إلى قناة السويس، وأسعار الطاقة، والتجارة الخارجية، وتوازنات القرن الأفريقي.

وهنا تظهر أهمية التوقيت: كلما تأخّر الدور المصري، ازدادت احتمالات تشكّل ترتيبات إقليمية جديدة من دون مشاركة مصرية مؤثّرة فيها.

إذاً يمكن الاستنتاج بأنّ التحرّك المصري لا يرتبط فقط بحماية السعودية والدفاع عنها بل يتعدّى ذلك لحماية موقع مصر وأمنها القومي والاقتصادي ودورها الجيوسياسي، وإذا كان الأمن السعودي واستقرار المملكة في الخليج يرتبط بالفعل بمصالح مصر مباشرة فإنّ القاهرة أيضاً تجد نفسها أمام فرصة لاستعادة دورها الذي غابت عنه لسنوات طويلة تحت ضغوط الاقتصاد والمال والاضطرابات على حدودها .

بين الدفاع عن السعودية والانزلاق لحرب مفتوحة والدور السياسي، تواجه مصر معضلة استراتيجية واضحة. فالدفاع عن السعودية قد يبدأ تحت عنوان حماية المنشآت والمجال الجوي والممرات البحرية، لكنه قد يتوسّع تدريجياً إلى المشاركة في عمليات عسكرية داخل اليمن، وهذا هو الفارق بين الدفاع عن دولة حليفة والانخراط في حرب إقليمية طويلة، وعليه فإنّ مصر ستكون أمام ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: تدخّل محدود ومضبوط

قد يقتصر الدور المصري على تقديم دعم دفاعي، أو تعزيز حماية الملاحة، أو المساهمة في منظومات الإنذار والمراقبة والتنسيق البحري، ومثل هذا السيناريو يسمح للقاهرة بإظهار التزامها تجاه السعودية، مع تقليل احتمالات التورّط في مواجهة برية واسعة. كما يتيح لمصر الاحتفاظ بمسافة سياسية عن تفاصيل الصراع اليمني الداخلي، الذي تتداخل فيه حسابات محلية وإقليمية معقّدة.

الاحتمال الثاني: التوسّع التدريجي في العمليات العسكرية

على الرغم من استبعاد هذا الاحتمال فإنّ الحسابات قد تتغيّر إذا تطوّرت الحرب إلى مستويات أكثر خطورة ممّا هي عليه الآن، أو توسّعت إلى مواقع أكثر حساسية، أو تعرّضت الملاحة في باب المندب للخطر . عندها قد تواجه القاهرة ضغوطاً للمشاركة في عمليات أوسع، سواء لتأمين الموانئ أو حماية خطوط الملاحة أو دعم القوات المناهضة للحوثيين.

غير أنّ التجربة اليمنية منذ عام 2015 تقدّم درساً مهماً: التفوّق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، كما أنّ توسيع العمليات قد يخلق خصوماً إضافيين ويطيل أمد الصراع. وقد أظهرت التطوّرات الأخيرة أنّ القوات الحوثية ما زالت قادرة على استهداف بنية تحتية حيوية رغم سنوات من الحرب والضربات العسكرية.

الاحتمال الثالث: التدخّل العسكري بغرض الوصول إلى حلّ سياسي

وهو الاحتمال الأكثر ترجيحاً في ظلّ انهيار الخيارات السياسية السعودية تحت ضغط العجز العسكري، فمن غير المستبعد أنّ التحرّك العسكري المصري بصبغة دفاعية يهدف إلى محاولة فرض الركون إلى الحلّ السياسي أو تحسين شروطه، إذا ما أخذنا بالاعتبار أنّ العلاقات المصرية الإيرانية بدأت تتحسّن في الآونة الأخيرة، ويمكن أن تؤدّي مصر دوراً محورياً في الوساطة إلى جانب إيران بعد أن تثبت حضورها على الأرض، ولا سيما أنّ واقع الميدان في الداخل اليمني وصل إلى حدود قريبة من الخارطة التاريخية للتقسيم الذي كان قائماً قبل إعلان الوحدة بين الشمال والجنوب، وأنّ تجاوز تلك الحدود سيفتح المجال لتغييرات جديدة ستعيد خلط الأوراق الإقليمية من جديد .

مخاطر التدخّل المصري

لا شكّ بأنّ التدخّل المصري الذي يفرضه الأمن القومي والاقتصادي والدور الجيوسياسي لمصر إلى جانب الواجب القومي الذي تفرضه علاقاتها مع السعودية لن يجعل مصر بمنأى عن المخاطر المحتملة، وكما أنّ هذا التحرّك يشكّل فرصة لمصر لاستعادة دورها التاريخي في الإقليم ودورها القيادي في العالم العربي، فإنه قد يشكّل فرصة لأعداء مصر أيضاً للتحرّك بالاتجاه المعاكس، خاصة إذا أخطأت القاهرة وتورّطت في الحرب على اليمن وتحوّل دورها المحتمل من الدفاع إلى المشاركة في العمليات العسكرية في الداخل اليمني.

وعليه فإنّ على مصر أن تضع في حساباتها وخاصة في ظلّ التحوّلات العالمية المتسارعة وما يحاك في الخفاء من خطط أنّ العديد من أعدائها يتربّصون بها، وعلى رأسهم “إسرائيل” وغيرها التي قد تجد تورّط مصر في هكذا معركة فرصة لتحريك جبهات أخرى محيطة بمصر من ليبيا إلى السودان وجنوب السودان والقرن الأفريقي وانتهاء بالملف الفلسطيني وسيناء، ولا نستثني المؤامرات التي تخصّ العبث بالداخل المصري، ولعلّ في حديث الرئيس السيسي عن الالتزام بالدستور وانتهاء ولايته في العام 2030 ما يشير إلى تحوّط استباقي لجبهته الداخلية.

وإلى جانب ذلك لا يمكن إهمال العبء الاقتصادي الذي يمكن أن يتسبّب به القرار المصري بالدخول في الحرب السعودية اليمنية خاصة أنّ الاقتصاد المصري ليس في أفضل حالاته.

والجانب الأخير الذي لا يمكن استبعاده على الرغم من ضعف الاحتمال بالوصول إليه متعلّق بالردّ اليمني على أيّ تورّط مصري في الحرب على اليمن، وما قد يتسبّب به من انعكاسات سلبية على الاقتصاد والداخل المصري، وحتى على الشارع المصري نفسه، وهو ما عبّر عنه رئيس البرلمان في صنعاء في رسالته التي وجّهها لرئيس البرلمان المصري والتي تضمّنت التذكير بالهواجس والنتائج التي يمكن أن تترتّب على القرار المصري مع التذكير بالدور القومي العروبي والتاريخي لمصر .

إذاً يمكن الإجمال والقول بأنّ المخاطر التي قد تنتج عن التحرّك المصري مرتبطة بنسبة كبيرة بتطوّرات القرار المصري واحتمالية تورّط القاهرة في الحرب على اليمن بدلاً من التزام الدفاع عن السعودية.

الخروج من المأزق

إذا كان القرار المصري الذي عبّر عنه الرئيس السيسي شرّاً لا بدّ منه، فإنه وكما ذكرنا يمكن تحويله لفرصة سياسية تستطيع مصر من خلالها تحقيق الأهداف المتناقضة المتعلّقة بأمنها القومي واستعادة دورها ونفوذها وحماية حليفها السعودي وإعادة بناء نفوذها الإقليمي، ويتطلّب عصفاً استراتيجياً وسياسياً إبداعياً جديداً يقوم على طرح مبادرة سياسية بالتوازي مع قرار التحرّك العسكري للدفاع عن السعودية بالتنسيق والتعاون مع إيران.

ومثل هذه المبادرة قد تلقى دعماً أوروبياً وخليجياً وعربياً، وحتى دولياً من قبل القوى الكبرى كالصين وروسيا والهند  وحتى الولايات المتحدة التي تبحث عن مخرج لها من المأزق الحالي في المنطقة، كما أنه من غير المستبعد أن تتحوّل مبادرة كهذه في حال نجاحها إلى أساس يمكن الاستناد إليه للتوصل إلى اتفاق أوسع يتعلّق بالحرب الأميركية الإيرانية، بما يضمن الوصول إلى ترتيبات تتعلّق بالأمن الإقليمي وأمن الملاحة والطاقة تمتد من البحر البحر الأحمر إلى الخليج مروراً بمضيقَي باب المندب وهرمز.

في نهاية المطاف، فإنّ السؤال الأهمّ ليس ما إذا كانت مصر ستدخل الحرب، بل ما إذا كانت ستنجح في تحويل التدخّل العسكري إلى فرصة لإعادة بناء دورها السياسي، قبل أن تتحوّل فرصة التدخّل إلى عبء استراتيجي يصعب الخروج منه.

أحدث العناوين

Video | Sana’a Military Media Shows the Efficiency of “Rajum” Drones in Striking Fixed and Moving Targets

The Military Media of the Yemeni forces in Sana'a distributed on Sunday new filmed scenes documenting qualitative offensive operations...

مقالات ذات صلة