ما الذي تقوله خريطة السيطرة الميدانية في اليمن مع اقتراب التصعيد من شهره الخامس؟

اخترنا لك

برغم أنه لم يمر سوى أقل من أربعة أشهر حتى الآن على انهيار خفض التصعيد بين صنعاء والسعودية، وأقل من ذلك على اشتعال المواجهات البرية، فقد تغيرت خارطة السيطرة الميدانية في اليمن بشكل كبير ومؤثر لصالح صنعاء، الأمر الذي يعكس حالة عجز سعودية واضحة عن التحكم في مجريات المواجهة، وهي الحالة التي يجسدها أيضا التراكم المتسارع لتداعيات الصراع العكسية على الاقتصاد السعودي، ومع إصرار الرياض على التصعيد فإن المزيد من الأسئلة تثار حول طبيعة رهاناتها وأهدافها، الأمر الذي يسلط الضوء على ما يبدو أنه فوضى واضحة وفقدان تام للاتزان والموضوعية في التقديرات والرؤى التي تعتمد عليها المملكة.

ضرار الطيب- الخبر اليمني:

انهيار سعودي في اليمن:

كان من الواضح أن قرار الذهاب نحو التصعيد بدلا عن قبول مطالب صنعاء (إنهاء العدوان والحصار والاحتلال)، سينطوي على خسائر وتكاليف مرتفعة لا بد للرياض من أن تختار مسبقا تحملها، باعتبار أنها ستظل عند مستوى معين، وستكون ثمنا لشيء أكبر قيمة، لكن من الواضح الآن أن هناك العديد من الخسائر والانتكاسات لم تكن متوقعة من قبل السعودية، وأن الأخيرة لم تنجح أصلا في إرساء ميزان فعلي لـ”المكاسب والخسائر”، لأنها حتى الآن لم تحقق أي مكسب، إلا إذا كان تجنب القبول بالمطالب اليمنية بالنسبة لها إنجازا بغض النظر عن أي شيء آخر.

لا يستطيع أحد القول إن هزيمة السعودية في الساحل الغربي في سبتمبر كانت متوقعة في أي سيناريو سعودي، فقد كانت تلك الجبهة أساسية لخطة استنزاف صنعاء والضغط عليها بريا من أجل التراجع عن مطالبها والعودة إلى طاولة المساومات، ولكن يبدو أن السعودية اختارت أن تقفز ببساطة على تلك الانتكاسة، وتعتبر أن التصعيد الحقيقي بدأ بعدها، وفجأة أصبح الهدف العملياتي الأساسي للتصعيد هو “استعادة” باب المندب، وعندما تعذر تحقيق هذا الهدف، وكانت صنعاء قد نجحت في تأمين ريف تعز، أصبح هناك هدفا رئيسيا آخر يتمثل في منع دخول القوات المسلحة إلى مدينة تعز، لكن هذا الهدف أصبح الآن أقل قيمة بعد تأمين العديد من المناطق الجديدة في محافظة لحج، بل أن السيطرة على المرتفعات والجبال الحاكمة في لحج تقضي على هدف “استعادة” باب المندب بشكل تام وتجعل تحقيقه مستحيلا.

وأكثر من ذلك، يؤكد التقدم الجديد في لحج أن الهزائم السعودية في الساحل الغربي وريف تعز لم تكن ناتجة عن “ظروف استثنائية خاصة” بل عن انهيار واضح لأساسات السيطرة السعودية على الجغرافيا اليمنية، بما في ذلك المصالح الخاصة والولاءات الطائفية والسياسية، ما يعني أن انضمام المزيد من المناطق إلى الخارطة الحرة أصبح وضعا طبيعيا جديدا، وأن النفوذ السعودي في اليمن يتجه نحو التقلص والاقتصار على “بؤر” محدودة تخضع لاستثناءات مؤقتة.

لقد تجاوز الأمر حدود عنوان “الكر والفر” الذي يروجه أتباع السعودية، فمنذ سبتمبر، نجحت صنعاء في استعادة أكثر من 8 آلاف كيلو متر مربع من الأراضي اليمنية الاستراتيجية التي تقع في عدة محافظات، شمالية وجنوبية، وذات تضاريس متنوعة، ولم يعد هناك أي تفسير “عملياتي” مقنع لما يحدث سوى الحقيقة التي تتمثل في رفض أبناء هذه المحافظات للسعودية وأتباعها، وهو أمر لا تستطيع الرياض أن تفعل أي شيء حياله، فالقصف يزيد موقفها سوءا، و”إرهاب المجتمع” لا ينجح سوى في المناطق التي فقد فيها المجتمع سلطته وتأثيره على المليشيات المسيطرة، وهي مناطق محدودة للغاية.

ولا يقتصر تأثير تغير خارطة السيطرة الجغرافية على امتلاك صنعاء موقعا قتاليا متقدما وميزات عملياتية إضافية، بل يؤثر على السعودية كـ”قوة” تسعى لاكتساب الاحترام والسمعة من خلال البطش والهيمنة والنفوذ، وكـ”مشروع” سياسي، وحتى كـ”اقتصاد” يقوم على قدرة التحكم في المتغيرات وتشكيل الخرائط وفقا للمصالح.

 

تحمل الخسائر بلا هدف:

تعيش السعودية حالة نموذجية من فقدان السيطرة على الوضع في اليمن، وهو ما يجعلها محشورة على الدوام في مربع “الاستجابة” للمتغيرات التي تفرضها صنعاء، وعادة ما تكون هذه الاستجابة ارتجالية ومتسرعة بسبب ضغط الوقت.

وحتى إذا افترضنا أن السعودية لا تكترث كثيرا لفقدان الأرض، وأنها تعتبر القتال داخل اليمن فرصة لإطالة أمد الصراع واستنزاف صنعاء قدر الإمكان، فإن السرعة التي تتقدم بها صنعاء بشكل مدروس ومنظم مع نجاحها في الاحتفاظ بالمناطق التي تقوم بتأمينها، تؤكد أن هذه النظرة السعودية ليس لها معنى، لأن المكاسب التي تحققها صنعاء أعلى قيمة من “الوقت” الذي تكسبه السعودية، كما أن الأخيرة تتكبد خسائر أخرى إلى جانب الأرض.

لقد فتح الهجوم الذي شنته القوات المسلحة على مطار الملك خالد الرياض يوم 10 أكتوبر، بوابة جحيم على الاقتصاد السعودي، وخلال أسابيع قليلة تحول إغلاق المطار إلى فاتحة لأزمة كبيرة وغير متوقعة، حيث تم إلغاء وتأجيل جميع الفعاليات والأحداث والمؤتمرات التي كانت ستستضيفها المملكة منذ ذلك الوقت حتى العام القادم، بما في ذلك مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (دافوس الصحراء) الذي يعتبر حجز زاوية في جهود المملكة للتحول الاقتصادي وصولا إلى بطولة (كأس آسيا) التي كانت أكبر حدث رياضي ستشهده البلاد، وتم إغلاق المركز المالي الرئيسي في الرياض والذي يضم الكثير من الشركات الأجنبية العملاقة، وسجلت البورصة السعودية خسائر فادحة.

تعكس هذه الخسائر امتداد تداعيات الحرب إلى “الاقتصاد غير النفطي” للمملكة والذي كان يعوّل عليه كثيرا لتخفيف الضغوط التي يتعرض لها القطاع النفطي والتي تزايدت أيضا في الوقت نفسه، فقد وصلت الهجمات اليمنية في نهاية أكتوبر إلى مصفاة (رأس تنورة) التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 550 ألف برميل يوميا، وتحدثت أنباء عن توقف عملها لنحو أسبوعين، وذلك بعد أيام من اندلاع حريق في حقل الشيبة الاستراتيجي الذي ينتج مليون برميل يوميا، بسبب هجوم يمني.

وبرغم التقارير التي تتحدث عن زيادة تدفقات النفط السعودية ووصولها إلى مستوى ما قبل الحرب، فإن الحظر اليمني المفروض على المملكة في البحر الأحمر لا يزال مؤثرا بشكل واضح على مبيعات (أرامكو)، فقد انخفضت واردات اليابان من النفط الخام السعودي بأكثر من الثلثين في سبتمبر نتيجة تعقيدات وتكاليف الطريق البديل عن مضيق باب المندب.

وبينما تتحمل صنعاء الحصار والقصف وهي توسع مكاسبها الاستراتيجية على الأرض وتفرض المزيد من معادلات الضغط المؤثرة على السعودية، فإن الرياض لا تحقق أي شيء مقابل خسائرها، وهو ما يعني أحد أمرين: إما أنها اقتنعت تماما بفكرة عدم وجود خيار آخر، وأصبحت ترى موقفها “صمودا” هدفه منع الخصم من تحقيق أهدافه مهما كان الثمن، وهو ما سيكون انفصالا فاضحا عن الواقع، أو أنها تعول على تطورات إقليمية قادمة.

مؤخرا، تحدثت العديد من التقارير عن احتمالية تجدد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل بعد الانتخابات النصفية الأمريكية، وليس من المستبعد أن ترى السعودية في هذا الانفجار فرصة، فهي لا زالت تعتقد أن الضغط على إيران يمكن أن يؤثر على صنعاء، رغم كل الدلائل الواضحة ضد ذلك، كما أنها قد ترى إمكانية للحصول على مساعدات أمريكية وإسرائيلية أكبر في حال تجدد الصراع الإقليمي، بالإضافة إلى إمكانية تجنب التعامل مع مطالب صنعاء من خلال ربط ملف اليمن باتفاق إقليمي شامل، وهي طبعا حسابات غير دقيقة وعالية المخاطر، لكن في ظل حالة الإصرار السعودي الأعمى على التصعيد، فلا يمكن استبعاد وجود هذه الحسابات.

لقد واجهت الرياض خلال ثلاثة أشهر ونصف العديد من الانتكاسات والنتائج العكسية التي كانت كافية لدفعها نحو تغيير تفكيرها، لكنها أبدت عنادا عجيبا في الاعتراف بخطأ تقديراتها، وإصرارا متزايدا على مواصلة المواجهة، فحتى بعد التقدم السريع الذي حققته القوات المسلحة اليمنية في محافظة لحج، والذي أفشل محاولة السعودية لاختزال المعركة في مدينة تعز لاستنزاف صنعاء وإيقاف مكاسبها، كان أول ما فكرت به الرياض هو الذهاب نحو المزيد من التصعيد، حيث قامت بقصف محطتي وقود لشركة النفط اليمنية في ذمار والحديدة، واستهدفت رصيف ميناء “رأس عيسى” وسفينتين تجاريتين كانتا راسيتين فيه، وعدة شاحنات نقل، وهو ما يعكس رغبة واضحة في صناعة أزمة إمدادات داخل المناطق الحرة، على الرغم من أن هذا الأمر سيستدعي تصعيدا جديدا من قبل صنعاء.

وتشير مساعي الرياض الحثيثة للحصول على كل ما يمكن من المساعدات “الدفاعية” من شركائها وحلفائها، إلى أنها حريصة على أن تمتلك وقتا كافيا لمواصلة التصعيد، باعتبار أن الأنظمة الدفاعية ستقلل الخسائر التي يمكن أن تجعل الوقت مكلفا بشكل لا يحتمل.

ولكن بغض النظر عما إذا كانت السعودية تكابر فقط، أو أنها تنتظر تحولا ما، فإن قدرتها على “التحمل” والاستمرار، لا تتوقف فقط على الإمكانات الدفاعية، بل تتعلق أيضا بقواعد الاشتباك التي تفرضها صنعاء، إذ يبدو أن السعودية تختبر إمكانية التكيف مع مستويات الردود اليمنية العابرة للحدود، فهي لا تزال تنجح في تصدير ملايين البراميل من النفط الخام يوميا، وحتى مع إغلاق مطار الرياض لا يزال بعض الأجانب حريصين على مواصلة زيارة المملكة لإظهار نوعا من الدعم الذي يفترض أن “تقدره” المملكة، لكن هجوما مدمرا ومفاجئا مثل ذلك الذي وقع يوم 14 سبتمبر 2019 سيجعل مهمة “التحمل” أصعب بكثير مما هي عليه الآن، وهو أمر وارد حدوثه في أي لحظة، خصوصا مع استمرار الجرائم السعودية الوحشية بحق المدنيين، فليس هناك بالفعل قاعدة اشتباك تنص على أن تدمير منشأة نفطية رئيسية لا يحدث إلا عندما تلقى قنبلة نووية على صنعاء، أو شيء من هذا القبيل.

ومع ذلك، فحتى بقاء الوضع كما هو عليه الآن لا يعني أن فكرة “التحمل” السعودية سديدة، لأن المسار الحالي يقود إلى مضاعفة مكاسب صنعاء على الأرض، وهو ما يعني الخسائر التي تتحملها الرياض حاليا لا تهدف سوى لتأجيل القبول بشروط صنعاء فقط، وجعل الخروج من اليمن أكثر كلفة مما يجب أن يكون عليه.

خاتمة:

من الواضح أن صنعاء ستواصل تغيير خارطة السيطرة الجغرافية في كل المناطق التي تتمكن من التنسيق مع مشايخها وأبناءها طالما استمر الصراع، وبالمقابل، يبدو أن أقصى ما يمكن للرياض تحقيقه هو وضع عوائق (مؤقتة بطبيعة الحال) أمام سيطرة صنعاء على مناطق معينة من خلال استخدام السكان كدروع بشرية كما يحدث في مدينة تعز، ولكن هذا لن يشكل “ورقة” فعالة بيد السعودية طالما أن صنعاء تواصل التقدم في مناطق أخرى والمحافظة على المناطق التي تسيطر عليها.

ومع استمرار تقدم القوات المسلحة اليمنية وضرباتها على المنشآت السعودية، من المرجح أن تلجأ الرياض إلى خطوات تصعيدية إضافية على مستوى القصف الجوي والحصار، وهو ما قد يضعها أمام ردود تهز قدرتها على “التحمل” بشكل غير متوقع.

وبالطبع سيكون تجدد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل-إن حدث- تطورا مهما في المشهد، وسيسلط المزيد من الضوء على طبيعة رهانات السعودية، لكن في كل الأحوال ليس من المرجح أن تستفيد السعودية الكثير من هذا التطور، سواء على مستوى خارطة السيطرة في اليمن، أو على مستوى مطالب وشروط السلام، لأنها حتى إن حصلت المزيد من المساعدة الأمريكية والإسرائيلية، فستكون تحت ضغط إضافي كبير بسبب الهجمات الإيرانية والوضع في مضيق هرمز، ما سيجعل وضعها أكثر هشاشة.

أحدث العناوين

بلومبرغ: هجوم برج أرامكو بالرياض يثير مخاوف الشركات الأجنبية تجاه الاستثمار في المملكة

أفادت وكالة "بلومبرغ" الأمريكية، الأحد، بأن هجوما لقوات صنعاء ألحق أضراراً بمكاتب شركة أرامكو داخل مركز الملك عبدالله المالي...

مقالات ذات صلة