الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية» لتزيفتان تودوروف

هشام بنشاوي:

يشير المترجم المغربي محمد الجرطي في مقدمة هذا الكتاب، والذي يضمّ حوارات ومقالات وقراءات نُشِرت في الصحف والمجلات الفرنسية، إلى أنه في ظل عالم محتقن ومتوتِّر تؤجِّج فيه مقولة «صدام الحضارات» الصراع، انبرى الفيلسوف والمفكِّر الفرنسي/ البلغاري تزيفتان تودوروف لتفكيك الخطاب الذي يجنح إلى التبسيط والاختزال، فيشير بأصابع الاتِّهام إلى الآخر الأجنبي على أنه مصدر الخطر، خصوصاً إذا كان هذا الآخر مسلماً. إن كتاب تزيفتان تودوروف الموسوم بــ«الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات» دفاع إنساني لبناء جسور الحوار بين الحضارات، ونسف لأطروحة الصدام التي رَوَّج لها صامويل هنتنغتون بهدف إشعال فتيل الحرب بين الغرب والشرق.

وانطلاقاً من مقاربة متعدِّدة الأبعاد تتقاطع فيها حقول معرفية متنوِّعة: علم النفس، علم الاجتماع، التاريخ، الفلسفة، الأنثروبولوجيا، ينِبّه تودوروف الغرب إلى خطر الخوف المَرَضي من الآخر – خصوصاً الإنسان المسلم- لأن الإذعان لهذا الخوف الذي أضحى رهاباً يقضّ مضجع الغربيين دفعهم إلى اعتبار الآخر بربرياً، ومن ثَمَّ مارسوا ضدّه سلوكيات أكثر إغراقاً في البربرية والوحشية، وخير شاهد على ذلك ما حدث في سجنَيْ أبو غريب وغوانتانامو.

ويدعو تودوروف إلى التحلّي بالتسامح مع الآخر ومع الأقليات التي تعيش داخل الغرب، من خلال الدعوة إلى التعايش مع الثقافات المختلفة لإرساء أسس التعايش والحوار مع الآخر، ويهاجم، بعين حصيفة ورؤية ثاقبة، الشعبوية اليمينية المتطرِّفة التي استقوت، وتوطّدت بسبب خطابها المعادي للآخر، حيث تنسب علل المجتمع الغربي إلى الأجنبي المسلم، فهو يحثّ الغرب على التصدّي للشعبوية التي تغري الكتلة الجماهيرية وتجاملها بممارسة العنصرية ضدّ الأجانب عن طريق العزف على أوتار القيم الديمقراطية والمثل العليا لعصر الأنوار، ويحذِر الغرب، بل العالم أجمع، من خطاب الكونية الزائفة حيث يسعى الغرب بشكل جنوني وبطرق غير مشروعة إلى إسقاط منظوره الحضاري على الشرق على اعتبار أن حضارته هي الأرقى والأرفع منزلة، فيقصي الطرف الآخر، ويقضي على خصوصيته..نتيجة بحث الصور عن البرابرة الغيرية والحضارة

ولتحقيق هذا المبتغى، يلجأ الغرب إلى القوة العسكرية التي يُلطّفها بعبارة بلاغية توروية : «التدخُّل الإنساني» لنشر النور والحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا ما فعله الغرب في العراق وأفغانستان. لكن، كما يلاحظ تودوروف، فإن هذا التدخُّل كان مخِيّباً للآمال بسبب ما ارتكبه الجيش الأمريكي من حروب قاتلة ومدمِّرة، ويدعو صاحب «الأدب في خطر» الغرب إلى التسلُّح بالقوّة الناعمة التي تؤمن بجدوى الحوار واحترام خصوصية الآخر.

وبحسّ نقدي رفيع ونزعة إنسانية صادقة يهاجم الأصوات المتطرِّفة في الغرب التي تعادي الآخر بطريقة تنمّ عن الغطرسة والصلف. تقوِّض كتب تودوروف الآراء العنصرية للكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشي التي ترى أن «الإقدام على الحديث عن ثقافتين أمر مزعج، أما وأن نتحدث عن المساواة بينهما فذلك أمر يثير غضبي «، كما ينسف تودوروف الرؤية المتعالية للكاتب إيلي برنافي في كتابه «الأديان القاتلة»، الذي يرى أن هناك الحضارة من جهة، والبربرية من جهة أخرى، وبينهما لا مجال للحديث عن الحوار».

ويستعين تودوروف بآراء أنثروبولوجيين يتَّسمون بنزعة إنسانية، كالفرنسي كلود ليفي ستروس الذي يرى «أن الحضارة تراث إنساني مشترك»، وهذا ما يتردَّد صداه في كتب تودوروف التي تدعو إلى الحوار، وتحمل الحكمة والنصيحة للغرب كي يكفّ عن احتقار الآخر، ولرجال السياسة كي يعملوا على وقف التدخُّل العسكري المدمِّر الذي يذكي جذوة الصراع، ويشعل نار الكراهية، فالخير عنده لا يُفرض بالقوة، بل بالحوار والاقتراح.

ولا غرو أن يعتبر تودوروف اليوم – حسب مترجم الكتاب ومعده- من أبرز المفكِّرين المعاصرين الذين قاموا بإثراء الفكر الإنساني، حيث تُرجمت أعماله إلى لغات متعدِّدة؛ وذلك لما تحمله من رؤية مرجعية فكرية لا غنى عنها في تحليل القضايا الراهنة. إنه الكاتب الكوني، والمفكِّر العالمي، وواحد من نخبة المثقَّفين الذين بصموا التاريخ بمواقف جريئة من أجل بناء جسور الحوار بين الثقافات المختلفة عن طريق نقد مكامن الانحراف في الفكر الغربي، لكشف تشوُّهاته وتحيُّزاته المغرضة التي تتعارض مع الجوهر الإنساني المؤمن بالحوار والتعايش مع الآخر، بغضّ النظر عن اللغة والدين والعرق.

الخوف من البرابرة

يعتبر تودوروف أن الحرب ضدّ الإرهاب برَّرت العديد من الجرائم التي ارتُكِبت بضمير مرتاح، خصوصاً الشرعية التي تَمَّ إضفاؤها على التعذيب من قِبَل الديمقراطيات الغربية. ويحذِّر من «الخوف من البرابرة هو شعور يوشك أن يجعلنا برابرة»، فضلاً عن هذا، هناك ضرورة أخرى تتمثَّل في الرجوع إلى تاريخ الأفكار؛ تودوروف ليس الأحسن والأفضل إلا حين يتناول القضايا الكبيرة والمفاهيم المشحونة بحمولة فكرية (البربرية، الهويّة الجماعية، الثقافة، الحضارة، القيم الأخلاقية، الإرهاب، حقوق الإنسان، حرّيّة التعبير)، حيث يزيل عنها الغشاوة واللبس لتستعيد صفاءها وأَلَقها. وينبغي على المرء، بعد قراءة «الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات « لتودوروف، أن يغوص ثانية -بشكل عميق- في قراءة كتابه الآخر «نحن والآخرون»، الذي يُعَدّ رحلة موسوعية شاملة حول التنوُّع البشري في الفكر الفرنسي، من مونتين إلى كلود ليفي ستروس. إن كتاب تودوروف دعوة للحوار بين الثقافات «كل ثقافة لا تتجدَّد وتتغيَّر هي ثقافة ميتة «، بتعبيره. فبناء جسور الحوار بين البشر والحقول المعرفية، احترام تعدُّد الهويّات، تلك هي الأنماط التي يدعو إليها تودوروف في كتابه «الخوف من البرابرة»، وهو يصبو، في هذه الفترات العصيبة التي تمرّ بها البشرية، إلى أن يمنح الناس قوّة جديدة كفيلة بدحر الخوف وإسقاط عوائق الحوار بين الحضارات.

يتَّسم تودوروف بمواقف إنسانية تؤمن باحترام معتقدات الآخرين. تجلّى هذا الموقف في قضية الرسوم الكاريكاتورية عن الرسول الكريم (ص) وكلمة البابا راتيسبون، حيث ثار تودوروف على ما وصفه بــ «خطف التنوير» من قِبَل «المدافعين المحافظين في الثقافة الغربية السامية» الذين ينصِّبون أنفسهم -بكثير من الادّعاء، دون أي تخوُّف من إفساد التوافق السائد – إلى جانب الحرّيّة ضدّ ظلام القوى الرجعية»، وتحذوه رغبة عارمة في أن أن يكفّ الفرنسيون والأوروبيون والغربيون عن تغذية المقولة الشهيرة «صدام الحضارات»، التي يزعمون أنهم يطعنون في صحَّتها، كما يدَّعون أنهم تحرَّروا منها، وتجاوزوها، ويسخر في كتابه «الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات» كل موهبته الفذّة، وقناعته التي يستشعرها المرء في كل صفحة من كتابه، كما يوظِّف ثقافته الفلسفية لتطهير وطرد هذا الخوف من «البرابرة المتخِلّفين»، الذي غزا الولايات المتحدة الأمريكية، والغرب بكامله، بسبب أو بذريعة أحداث الحادي عشر من سبتمبر. هذا الخوف الذي قاد الغرب إلى التخندق في نزعة مانوية، وإلى شَنّ حرب ضدّ الرعب بناءً على مواقف وذرائع يشوبها الكثير من الالتباس والغموض، بحيث أصبح الغرب لا يرى المسلمين إلا من خلال الإسلام، كما عجز عن التمييز بين الإسلام والإسلام المتطرِّف، والإسلام المتطرِّف والإرهاب. الشيء الذي جعل الغرب لا يفكِّر إلا في استخدام القوة كَرَدّ فعل على هذه البربرية المزعومة، فامتنع بذلك عن كل تحليل أو إجراء سياسي. في الوقت نفسه، يعِبّر المحِلّل الأمريكي فريد زكريا في كتابه «عالم ما بعد أمريكا « عن دهشته في رؤية الدولة الأقوى في العالم تعيش في براثن الخوف من كل شيء، ومن الآخرين أيضاً.

ويُسْعف تودوروف الحظّ ليجعل كل قارئ يتميَّز بالإخلاص وحسن النيّة، يقوم بتفكيك الاستعمال الاستفهامي التخيُّلي الخادع لعبارة «برابرة متخِلّفون» المستخدمة تاريخياً -يعدّ المرء دوماً بربرياً متخِلّفاً مقارنة مع الآخر-، كما يفسِّر تودوروف أن «الهويّات الجماعية» اتَّسمت تاريخياً، بالتعايش بحيث لم تتوقَّف عن التفاعل والاغتناء القائم على روح المقايضة والتبادل، فضلاً عن هذا، إنه يرى أن الحرب التي تجري رحاها في العالم والتي تبدو حرباً لا مناص منها، يمكن للمرء أن يتجنَّبها، خصوصاً، إذا عرف كيف يذِلّل العقبات، ويدرأ المخاطر حين يتعلَّق الأمر بالعلاقة المتأجِّجة للإسلام مع الغرب.

القوة الناعمة :

في كتابه «أعداء الديمقراطية الحميمون» يعتبر تودوروف أن قوة دولة ما أو مجموعة من الدول لا تتحدَّد بالقدرة العسكرية، بل بتكامل مجموعة من العوامل كالقدرة على التأثير، تعزيز القيم، والقوة الجاذبة، التحلّي بسلوك الإقناع بدل الإلزام، الحوار بدل الإكراه، والجذب بدل التحريض، فموارد القوة الناعمة – على عكس القوّة الخشنة التي تحيل على العمل العسكري والإكراه والهيمنة الاقتصادية – هي الثقافة، القيم السياسية، وكيفية تطوير سياسة التعاون البنّاءة القائمة على تعدُّد الأقطاب، وتمثل القوة الناعمة حقيقة جوهرية ذات رسالة كونية ينبغي تقديمها للعالم، و تتطلَّع هذه القوة الناعمة إلى فرض نفسها على العالم كسلطة أخلاقية عن طريق سياسات التعاون، الدبلوماسية الوقائية، وأيضاً المساعدة على الإنماء والتطوُّر، ويكمن التأثير في إنتاج المعايير، في تنظيم العولمة، وفي نهج مقاربة للعلاقات الدولية التي تنتصر للقانون والنظام عن طريق رفض تطبيق ارتكاس هوبز القائم على سياسة فرض الأمر الواقع، ويتمّ تحقيق توازن القوى عن طريق ما يسمّى القوّة الناعمة، أي التوازن بين خصائص القوة الناعمة وخصائص القوة الخشنة (القوة العسكرية).

ويؤكِّد تودوروف على أهمّيّة تحسين النظام الاجتماعي في النموذج الديمقراطي، فهو الشيء الذي يتضمن المراقبة والحظر والحكم، وهذا هو الشيء الضروري، خاصة في الجمهوريات التي تحكمها المصالح الخاصة، ويسود فيها الإخلال بأمانة الوظيفة، حيث يتمّ النزوع إلى اختزال الديمقراطية في الفعل الانتخابي ورفض التركيز على نوعية النقاش (التعدُّدية)، نشاط المؤسَّسات (الفصل بين السلطات)، نشاط المجتمع في علاقته بهذه المؤسَّسات.

حتى لو كان هناك وجود لأزمة الثقة في الليبرالية، للحَدّ من صلاحيات السلطة، فإن ثمة -أيضاً- أزمة ثقة ديمقراطية، لكي نكون متشدِّدين وصارمين إزاء السلطات، كما أن هناك أزمة ثقة شعبوية، لفضح ونبذ السلطات بطريقة منهجية، فمن غير المستحسن وضع حَدّ للديمقراطية التي تحتاج إلى إعادة التنظيم والقيام بتسويات من أجل الانتعاش.

يمنح هذا الكتاب لفرضيات توكفيل الاتّساق النظري الكامل. لا شكَّ، أن المسألة التي تميَّزَ فيها توكفيل، بوصفه صاحب رؤية ثاقبة، هو قدرته على التوقُّع بشكل مسبق للتأثيرات الوخيمة في مسألة المساواة الاجتماعية غير أن كتاب «أعداء الديمقراطية الحميمون»، قد يعتقد المرء أن رتابة المجتمعات والانتصار العالمي للشعبوية يؤكِّدان توقُّعات تودوروف المتشائمة.

سقوط الجدران

يشير «ذاكرة الشر، إغواء الخير» إلى أننا ندرك مآل سقوط جميع الجدران لا يشكِّل إلا قدراً صغيراً من العزاء للذين يعانون تحت وطأتها اليوم، ويجب أن نأخذ في الحسبان مدى تأثير هذه الجدران على حياة الإنسان وهو حَيّ، ولا على مستوى التاريخ أو بدرجة أقلّ، فيما يتعلَّق بتآكلها الطبيعي.

لقد سقط جدار برلين بعد أربعين عاماً بعد تطويق الاتحاد السوفييتي لمناطق نفوذه بعد الحرب العالمية الثانية. أربعون سنة من الاختناق وضيق الأنفاس داخل سجن مفتوح، في الوقت الذي لا يملك فيه الإنسان سوى حياة واحدة، وليس بمقدورنا أن نتغاضى عن وجود السجن، ونحيا بانتظار التغيير، لا سيّما بالنسبة إلى الذين كانوا يرزحون تحت وطأة هذا الوضع، وينتابهم الشعور بأن الأمر سيدوم لقرون، وينبه إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن النشأة داخل الجدران تشوِّه الإنسان من الداخل، فينتهي به المطاف إلى نسيان أن هناك حياة خارج السجن، وفي أحسن الأحوال يتأجَّج داخل المرء المطوَّق بالجدران شعور بالكراهية يدمِّر الذات، الشيء الذي يجعل الإنسان يفقد القدرة على تمييز الألوان؛ ولذلك ليس هناك ما يدعو للاطمئنان.. فالجدران، حتى لو تحوَّلت إلى أنقاض، تبقى حَيّة أكثر من حياة البشر.

ولأن الجدران ترمز إلى الخوف من الآخر، هناك فئة من الجدران تسم عصرنا الحديث : الجدران المناهضة للمهاجرين. وهذا النوع من الجدران متأصل بشكل جوهري في العولمة، وذلك ما يشكل تناقضا في طبيعتها، ويعتقد تودوروف أن إقامة هذه الجدران هو رد فعل الأغنياء إزاء تداعيات العولمة على الفقراء، علما أن جوهر الجماعات البشرية والحيوانات الراقية يكمن في القدرة على إقامة علاقات مع مجموعات غريبة عنها تكون من جنسها نفسه. ويبقى الخوف هو رَدّ فعل ممكن في هذه الظروف، ولكنه ليس رَدّ الفعل الوحيد. فحين تنسج جماعة بشرية روابط مع جماعة أخرى، ويحدث أن تتضارب مصالحهما فإن خيار الانفصال أو الهروب أو إقامة جدار فاصل هو الحلّ الممكن.

وعلى ضوء تضارب المصالح، يمكن للطرفين الانخراط في عملية مفاوضات؛ وهذا يتطلب تنازلات من الجانبين، ويكتسي التفاوض أشكالاً عديدة هدفها النهائي تجنُّب القطيعة والحرب والخضوع، فبدل الخوف من الآخر يجب التشبُّث بالتفاوض لأنه جوهر النوع البشري؛ وذلك لكونه يحثّنا على الحوار والأخذ بعين الاعتبار البعد الزمني، الماضي كما المستقبل.

 

نزوى

الخبر اليمني/أٌبجدية

قد يعجبك ايضا