ملك الغابة محض رأس بلا أنياب

اخترنا لك

لطالما كانت أميركا بارعةً في تجارتين: تجارة التّهديد وتجارة الحماية، ومن خلال تسويق ذاتها باعتبارها “فتوّة العالم” استطاعت ليّ ذراع كلّ شيءٍ لمصلحتها، وسار العالم إلى لحظته الرّاهنة على النّحو الذي أراده فتوّة العالم، فيما وُضعت العدالة وقواعد الإنصاف وقوانين الاقتصاد وعلم المنطق على الرّف.

لا يستمدّ الدولار قوّته، على سبيل المثال، من علم الاقتصاد بقدر ما يستمدّه من “هيبة الفتوة” واستسلام الخائفين منه، وأميركا- كما تعلمون- أكبر مدينٍ في العالم، كما أنّها لا تقوم في العادة بتسديد ما عليها من ديون، وثمّة سببٍ وحيدٍ يدفع العالم للاستمرار في إقراضها، أو حتى منحها الهبات بلا مقابل:أنّها فتوّة العالم.

على أن فتوّة العالم بدا عاجزًا تمامًا، وأمام كافة النّاس، عن حماية ذاته في أرامكو، ولأن العالم يعرف تمامًا مدى أهميّة أرامكو لأميركا فإنّ الاستنتاج كان بالغ البساطة:

أميركا لا تملك من الدفاعات ما يؤهلها لحماية ذاتها.

الاستنتاج أعلاه هو محور أحاديث وسائل الإعلام في العالم منذ الرابع عشر من سبتمبر وحتى الآن، والأميركيّون يحاولون لملمة هيبتهم المبعثرة بقدر ما يستطيعون، لأن أميركا قد صوّرت ذاتها باعتبارها ملك الغابة.

وهاهو ملك الغابة يبدو أمام العالم الآن محض رأسٍ بلا أنياب، ولا مخالب، ولا عيون.

ولأنّ أميركا تستميت في الدّفاع عن ذاتها فإنّ وسائل الإعلام فيها تحاول حشد الإجابات لسؤالٍ قاتل:

لماذا فشلت منظومات الدفاع الأميركية في صدّ الهجمات على واحدةٍ من أهم معاقلها في الشرق؟

هذا هو السؤال الأهم في وسائل الإعلام الأميركية، وهي بعمومها تتجه في البدء للقول بأن أرامكو سعوديّة، حتى يصبح الحديث- بالطّبع- أسهل، وحتى يتم تركيز اللوم على واحدةٍ من جواري “الفتوّة”، مع الإبقاء على هيبته- بقدر الإمكان- في مأمن.

ولأنّ التبريرات متشابهة فيمكنكم الاطلاع- على سبيل المثال على مقالٍ منشور في صحيفة CNBC ذائعة الصيت، وهي إذ تتساءل عن أسباب فشل “السعودية” في صدّ الهجمات على أرامكو فإنها تسوق تبريراتها على النحو الآتي:

التبرير الأول: رغم وجود منظومات دفاعية متطورة حول الحقول المستهدفة، منظومات باتريوت الأميركية و”سكاي جارد” الفرنسية بالإضافة إلى منظومة “ثاد”، إلّا أنّها لم تستطع صدّ الهجمات لأنها مصممة لصدّ الصواريخ البالستية الكبيرة المحلقة ضمن مدى رأسي مرتفع، ولا يمكنها بالتالي الانتباه للطائرات المسيرة الرخيصة التي تحلّق بارتفاعاتٍ منخفضة، ولا تستطيع أيضًا صدّ الصواريخ المحلقة بارتفاعات منخفضة من قبيل صواريخ كروز التي تقول بأنّه تم إطلاقها أيضًا على بقيق وخريص.

التبرير الثاني: وفقًا لأحد المتحدثين للصحيفة فإنّ منشآت بقيق وخريص أهداف سهلة الرّصد، فهي تبدو في وسط الصحراء- على حدّ توصيفه- واضحةً ومضيئة مثل أشجار أعياد الميلاد!

التبرير الثالث: ليس العيب في الأسلحة والدفاعات الجوية الأميركيّة وإنما في من يستخدمها، والجيش السعودي- وفقًا لهذا التبرير- قد أثبت خلال هذه الحرب بأنّه جيشٌ غير كفؤ، وغير مؤهل. وفي هذا الإطار قال أحد المتحدثين ساخرًا:

أشكّ أصلًا بأنّ السّعوديين قد قاموا بتشغيل الرادارات!

فيما لو استخدمنا تعبيرًا محليًّا فإنّ الأميركيين- وفقًا للتبرير أعلاه- يقولون بأن سلاحهم جيّد ودفاعاتهم فعّالة، والعيب- بالتالي- لا يكمن في الأسلحة والدفاعات الأميركيّة وإنما في الحمار الذي يستخدمها.

ـــ

على أنّ التبرير الثالث، رغم اتفاقي شخصيًّا مع الأميركيين في توصيف قدرات وكفاءة الجيش السعودي، لا يتواءم مع التبرير الأوّل، بمعنى:

حتى لو افترضنا أن الأسلحة والدفاعات الجويّة الأميركية قد وقعت في يد من يعرف استخدامها، إلّا أنها تتضمن خللا كامنًا فيها، فهي لا تستطيع التصرّف خارج الإطار الذي صنعت له، ولا تستطيع في كافة الأحوال التّصدي للطائرات المسيرة وللصواريخ ذات الارتفاعات المنخفضة.

كيف ستستطيع أميركا، إذن، حماية مدمراتها التي طالما استخدمتها لتخويف العصاة، وكيف ستستطيع حماية قواعدها العسكرية ومنشآتها ومصالحها، وهيبتها قبل كلّ شيء؟

ما الذي ستفعله فيما لو تورّطت في أيّ حربٍ قادمة مع أيّ أحدٍ في الكون بمقدوره تصنيع، أو حتى شراء، طائراتٍ مسيّرة صغيرة وقليلة الكلفة،

واستخدامها لإرسال فتوّة العالم إلى أقرب مزبلةٍ في هذا الكوكب؟

أحدث العناوين

الخدمة المدنية تعلن موعد إجازة عيد الأضحى

أعلنت وزارة الخدمة المدنية والتأمينات التابعة لحكومة الإنقاذ الوطني ، اليوم الاثنين ، أن موعد إجازة عيد الأضحى المبارك...

مقالات ذات صلة