القائد الذي أخضع كل البلدان عدا اليمن

في الكتابات الكلاسيكية الرومانية ما يؤكد أهمية جنوب شبه الجزيرة العربية بالنسبة للإغريق ومن ثم الرومان ،سواء من حيث الموقع الاستراتيجي أو ما يحتويه من ثروات هائلة فقد كانت اليمن من أغنى بقاع الأرض التي سال لأجل خيراته الزراعية والصناعية والتجارية وكنوزه الدفينة لعاب الدول الطامعة بتلك الخيرات ،ناهيك عن تمتع اليمن بموقع جغرافي متميز كان مثار التنازع بين القوتين الرومانية والفارسية (حنان عيسى جاسم السياسة الرومانية تجاه جنوب الجزيرة العربية – مجلة الدراسات التاريخية العدد 17 – يونيو 2013م ص 327) وكانت الكتابات الرومانية تقسم الجزيرة العربية إلى العربية الصحراوية والعربية الصخرية والعربية الميمونة ويقصد بالميمونة «اليمن» (محاضرات في تاريخ العرب القديم أ.د عبد الله الشيبة ص 68-69) ويعود ذلك الاهتمام باليمن إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ففي تلك الفترة كان المفكرون الإغريق قد بدؤوا في الوصول إلى اليمن ضمن رحلات استكشافية بتكليف من لإسكندر (ملك مقدونيا واليونان) وعلى رأس أولئك المفكر الشهير صاحب نظرية التأويل التاريخي للأساطير ويدعى (يوهيمروس المسيني) الذي وصل إلى الجزر اليمنية في البحر الأحمر والى السواحل أيضا ويصف اليمن بالعربية السعيدة أو الغنية أو الموسرة ويشير إلى أن اليمن أجمل جزء من بلاد العرب وتنتشر فيه المباني الجميلة وأرضه خصبة ، وقال عن إحدى الجزر اليمنية التي زارها بأنها المقدسة وتشبه الفردوس وفيها البخور والمر وفيها أقدم نموذج معروف للمدينة المنشودة على غرار جزيرة واق الواق (بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية .. د عبد اللطيف الأدهم .. د حميد العواضي ص 27-28)وقد نقل كل من الأدهم والعواضي في مؤلف بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية ما كتبه المؤرخون والمفكرون الرومان والذي ننقل منه بعض ما ورد في الكتابات الرومانية منها وصف ديدور الصقلي لليمن وجزرها (ويحيط بالعربية السعيدة بحر ينساب لما في لونه من صفاء في أحداث مفاجأة كبيرة ويثير في نفسه الرغبة في البحث عن أسباب هذه الظاهرة وتجاوز الساحل جزر تكنى بـ «المحظوظة» وذلك لكون المدن فيها غير محاطة بالأسوار وكافة الحيوانات الموجودة هي بيضاء اللون وليس لإناثها قرون البتة ،ويتردد على هذه الجزر تجار يفدون إليها من كل الأصقاع)(ديدور الصقلي بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية ص113-130)ويحدد أغاثرخيدس الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية باسم العربية السعيدة والشعب السبئي في نظره هم أهم شعوب شبه الجزيرة وغناه كان واسعاً ، لقد كان يعتمد في عيشه على منتجات وافرة من الثروة الحيوانية وعلى زراعة أنواع من النباتات العطرة حتى أن روائحها الزكية تسبب الآلام ولذلك يكافحوها بإشعالها بخورا ،والسكان هم من المحاربين والفلاحين والبحارة التجار الذين يصدِّرون بالخصوص بعض الطيوب التي يجمعونها ويستعملون غالباً عوامات كبيرة وقوارب جلدية والبعض منهم يعيش في بطالة وتكاسل بفضل ما هم عليه من رغد العيش ، وهذا الثراء الكبير مصدره دخل تجارتهم وبعدهم الذي جعلهم في منأى عن الغزوات والنهب ، أما زينة مساكنهم وأثاثها ومواعينهم المحلاة بالذهب والفضة والأحجار الكريمة فإنها بديعة فاخرة والعاصمة هي سبأ وتقع على ربوة جميلة ويتوارث ملوكها الحكم ويتمتعون بسلطة كبيرة (بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية جمع وترجمة د. حميد العواضي د. عبد اللطيف الأدهم ص 32-33) ويقول المؤرخ الروماني استرابون عن العربية السعيدة: ذلك الجزء من بلاد العربية الذي يبدو من امتداده أنه يتجه للالتقاء مع إثيوبيا ،تتهاطل عليه أمطار الصيف بكثرة ويتاح فيه موسمان للحصاد في السنة الواحدة مثلما هو الحال في الهند وتوجد فيه إضافة إلى ذلك بعض الأنهار أو الوديان التي ينتهي بها جريانها إما في السهول أو البحيرات ،كما أن كل محاصيل أرضه ممتازة علاوة على انه يجود بالكثير من العسل وترى فيه كمية كبيرة من قطعان الماشية التي لا يدخل ضمنها في حقيقة القول لا الخيول ولا البغال ولا الخنازير مثلما لا نجد كذلك لا الدجاج ولا اللوز من بين تلك الكثرة من أنواع الطيور الداجنة التي تربى فيه ((بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية جمع وترجمة د. حميد العواضي د. عبد اللطيف الأدهم ص 133- 175 )ويضيف : تنعم مختلف هذه الحواضر التي تؤلف فيما بينها دولة ملكية واحدة الذات بكل مظاهر الرخاء وتزدان جميعها بالمعابد والقصور الرائعة ،أما مساكنهم فإنها تذكرنا من ناحية هيكل سقوفها الخشبي بالمساكن المصرية وتفوق المساحة التي تغطيها هذه الأقاليم مجتمعة مساحة دلتا النيل، ولا تنتقل السلطة في هذه الملكية من الأب إلى الابن بل إن من يعين لخلافة الملك الذي آلت إليه السلطة هو أول طفل يولد من دم نبيل (نفس المصدر).
وبحسب رأي الأدهم والعواضي فإن الصورة التي كانت لدى الإغريق والرومان عن بلاد اليمن يمكن أن تميز بتحليلها إلى مجموعتين من السمات التي تختلط بنسب متفاوتة حسب الأماكن والحقب ، فمن جهة فإن جزيرة العرب هي بلد فعلاً وإن كانت بعيدة وحولها نشأ تقليد علمي منذ هيكاتوسالميلنيسي الذي انهمك في جمع المعلومات الموضوعية والجغرافية والاقتصادية والانثربولوجية والتاريخية والحيوانية والنباتية وكانت مدرسة أرسطو متميزة في هذا البحث العملي المحض التي أسمهت فيه أيضا أجهزة الاستخبارات لأغراض عسكرية وكذلك التجار البحارة المتشبثون بتطوير الملاحة البحرية المثمرة إلى أقصى احد.
النوايا العدوانية الرومانية تجاه اليمن :
الكتابات الرومانية تشير إلى حالة العداء في روما للعرب اليمنيين وهذه الحالة يبدو أنها ناتجة عن الأطماع الرومانية في بلاد اليمن وهو ما يمكن استيضاحه أكثر في وصف الرومان لبلاد اليمن وما كتبه المفكرون الرومان عن أهل اليمن ، وعلى ما يبدو أن الحالة العدائية تجاه اليمن تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد وتحديداً في التوسع اليوناني الكبير في عهد الإسكندر الذي اتجه بتفكيره إلى غزو شبه الجزيرة العربية (محاضرات في تاريخ العرب القديم أ.د عبد الله الشيبة ص 27)وتمكن من إخضاع معظم البلدان عدا اليمن ،وبعد أن هزم الفرس سارعت الشعوب بإرسال الهدايا لتخطب وده مقدمة ولاءها له ما عدا سكان الجزيرة العربية (اليمن) فإنهم انفوا من ذلك فأثر عملهم في نفسه وتوعدهم بغزو بلادهم ولكنه مات قبل أن ينفذ ما قاله (الدكتور أحمد فخري اليمن ماضيها وحاضرها نقلاً عن وثائق رومانية قديمة ص 114)
أما في مرحلة أغسطس وبعد أن تحول النظام إلى إمبراطوري كان الشعراء هم المروجون دعائياً لهذا النظام وخاصة (فرجيل) و(هوراس) فالأول الذي سبق أن وجد فرصة للحديث عن بخور سبأ وحياة الخمول التي كان يضفيها على «المترفين السبئيين» وضع لاحقاً في الإلياذة(ملحمة تحكي تأسيس روما ألفها في الفترة من 29- 19ق م وفي هذه الفترة كانت الحملة الرومانية على اليمن) العرب والسبئيين ضمن الأعداء الذين على الرومان محاربتهم(بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية جمع وترجمة د. حميد العواضي د. عبد اللطيف الأدهم ص38 ).وأكثر منه وضوحاً واهتماماً كان (هوارس)الذي كان يحلم بثروات العرب ففي أثناء الترتيب لحملة غاليوس طلب من إله الأقدار (فورتون) أن يحمي جيوش الإمبراطور ويمسح عنها عار السلاح الملطخ أثناء الحروب الأهلية بدم الشعوب النائية في أقاصي الأرض وهي بريطانيا والبحر الأحمر (نفس المصدر)وعلى الرغم مما نطالعه في الكتابات الكلاسيكية الرومانية عن اليمنيين ووصف حياتهم بالخمول نتيجة حالة الترف والغنى التي بلوغها في تلك الفترة إلا أن هناك ما يشير أيضا إلى وصفهم بالقوة والمنعة ففي أحد الأناشيد الشهيرة يسخر (هوراس) بخفة من (اكسيوس) الذي في سبيل الثراء يتخلى عن الدروس الفلسفية ويطمع في كنوز العرب الوافرة ويعد حملة قوية ضد ملوك سبأ الذين لم يغلبوا حتى الآن ، والتطلع إلى ثروة ضخمة ليس مدعاة إلى هذا العناء وركوب الأخطار في حملات كهذه (بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية جمع وترجمة د. حميد العواضي د. عبد اللطيف الأدهم).

 

ويقول ديودور الصقلي الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد: إن السبئيين لا يتفوقون بما لديهم من ثروات ومنتجات ثمينة من شتى الأنواع على ما عداهم من جيرانهم العرب فحسب بل وعلى كافة شعوب العالم أيضا وتمنحهم مبادلة البضائع وبيعها وإن كانت في أدنى حجم ممكن ربحاً أوفر من ذلك الذي يجنيه من تجارته غيرهم من التجار الذين يبادلون بضائعهم بالمال في مختلف الأسواق وبالتالي فقد نتج عن ذلك وعن كون أنه لم يسبق أبدا فيما تعيه ذاكرة الإنسان أن خضعوا لسيطرة أي كان بسبب بعد أماكنهم أن أصبح الذهب والفضة يغرقان إذا جاز التعبير البلد الذي يعيشون فيه خاصة مدينة سبأ المشيد فيها قصر الملك (بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية القسم الثاني د. عبد اللطيف الأدهم)
أول من فكر في غزو اليمن :
تمكنت الإمبراطورية الرومانية من التهام البلدان المطلة على البحر المتوسط وكذلك التوسع باتجاه أوروبا الغربية وآسيا ، ولم يعد أمامها من البلدان المهمة في المنطقة سوى منطقة جنوب شبة الجزيرة العربية التي كانت تتمتع بموقع مهم وتمارس النشاطين التجاري والزراعي وفيها كل أنواع الطيوب التي تحتاج إليها الطقوس الدينية في تلك الفترة وهو ما دفع الرومان إلى التفكير في غزو اليمن خلال النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد وقد ربط الكثير من المؤرخين بين أطماع الرومان في عهد أغسطس وبين أطماع اليونان في عهد أول إمبراطور فكر في غزو اليمن وهو الإسكندر الأكبر أو المقدوني ونجد إنهما اتحدا في الأهداف والأسباب فقد أراد الإمبراطور الروماني في القرن الأول قبل الميلاد أن ينفذ ما لم يتمكن الإسكندر الأكبر اليوناني من تنفيذه خلال القرن الرابع قبل الميلاد وهو القرن الذي شهد تنافساً كبيراً بين اليمنيين وحلفائهم من جهة وبين اليونانيين من جهة أخرى فقد أدت العلاقة بين سبأ والفينيقيين إلى تشكيل تحالف تجاري أثار اهتمام اليونان والرومان وكان مبعث حسدهما وتذمرهما (الشماحي اليمن الإنسان والحضارة ص 52)ولهذا نجد أن لإسكندر المقدوني وعلى ضوء ذلك شن هجوما عسكريا كبيرا على المراكز التجارية التابعة للفينيقيين حلفاء السبئيين وتمكن من تدمير سور على ساحل البحر المتوسط واستمر في الحرب عليهم في مختلف المناطق بل وأخذ يفكر في احتلال اليمن وانتزاع زمام التجارة والملاحة من يديهما (الشماحي اليمن الإنسان والحضارة ص 52).
وكان من نتائج حروبه التوسعية أن احتل الكثير من البلدان في شمال إفريقيا وفي آسيا حتى وصلت حروبه التوسعية إلى الهند شرقاً (الشماحي اليمن الإنسان والحضارة ص 52)بعد أن واجه صعوبات كبيرة تمثلت بمقاومة العرب في منطقة غزة بفلسطين حتى كاد أن يتعرض جيشه لهزيمة كبيرة قبل أن تصل إليهم التعزيزات بقيادته واستمرت تلك الحروب خمسة أشهر في العام 332ق. م وبحسب المصادر اليونانية فإن القبائل العربية (اليمنية) قاومت حملات الإسكندر بقيادة رجل يدعى باطش فقد كانت غزة من ضمن مناطق نفوذ السبئيين كونها كانت أحد أهم مراكزهم التجارية وفيها الكثير من المهاجرين اليمنيين الذين استقروا بها لممارسة النشاط التجاري وعندما انتصر الإسكندر استولى على كافة المنتجات اليمنية من المواد العطرية والبخور بعد أن كان قد تعرض للإصابة في تلك الحروب مع اليمنيين (المفصل في تاريخ ج3 ص 9).
فقام بإعداد الجيش لغزو جنوب شبه الجزيرة العربية ( تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي د. شوقي ضيف ص 27- 28 ) وأرسل أحد أتباعه في رحله استطلاعية إلى اليمن أثناء تواجده في مصر إضافة إلى عدد من قادته وأعوانه للتعرف المبدئي على شبه الجزيرة (محاضرات في تاريخ العرب القديم أ. د عبد الله الشيبة ص 27) وأعاد الكثير من الدارسين والباحثين وفاة الإسكندر كسبب رئيس حالت دون إقدامه على غزو اليمن ثم تنازع قواده وانقسامهم فيما بينهم الأمر الذي أدى إلى صرف النظر عن الفكرة ، إضافة إلى أن رأي القائد البحري في قوات الإسكندر (تبارخرس) الذي كان قد أرسله إلى اليمن يشير إلى صعوبة تنفيذ الغزو ، وعلى ما يبدو أن وضع اليمن في القرن الرابع قبل الميلاد ومكانته الإقليمية والعالمية أثارت حسد الإسكندر الذي كان يرى أنه القائد الذي يجب أن تخضع له كل الشعوب والأمم ،فكما يشير أحد المؤرخين الرومان إلى أن من أسباب تفكير الإسكندر في الاستيلاء على جزيرة العرب وعلى بحارها أن معظم القبائل العربية ويقصد بذلك اليمن لم ترسل إليه رسلاً للترحيب به ولتكريمه فغاظه ذلك (المفصل في تاريخ العرب ج3 ص 5) وبحسب المؤرخ أريان فإن السبب الذي دفع الإسكندر لإرسال هذه الحملة، يكمن في رغبته في اكتساب أرض جدة 1.
وأورد «أريان» في كتابه قصة أخرى، خلاصتها: أن العرب كانوا يتعبدون لإلهين هما: «أورانوس» uranus، و»ديونيسوس» Dionysus وجميع الكواكب وخاصة الشمس، فلما سمع الإسكندر بذلك، أراد أن يجعل نفسه الإله الثالث للعرب2، وذكر أيضًا أنه سمع ببخور بلاد العرب وطيبها، وحاصلاتها الثمينة، وبسعة سواحلها التي لا تقل مساحتها كثيرًا عن سواحل الهند، وبالجزر الكثيرة المحدقة بها، وبالمرافئ الكثيرة فيها التي يستطيع أسطوله أن يرسو فيها، وببناء مدن يمكن أن تكون من المدن الغنية، وسمع بأشياء أخرى، فهاجت فيه هذه الأخبار الشوق إلى الاستيلاء عليها، فسير إليها حملة بحرية للطواف بسواحلها، إلى ملتقاها بخليج العقبة3. وبحسب المؤرخ جواد علي فإن التعليل الأخير هو التعليل المعقول الذي يستطيع أن يوضح لنا سر اهتمام «الإسكندر» بجزيرة العرب، وتفكيره في إرسال بعثات استكشافية للبحث عن أفضل السبل المؤدية إلى الاستيلاء عليها، ولم يكن «الإسكندر الأكبر» أول من فكر في ذلك، فقد سبقه إلى هذه الفكرة حكام كان منطقهم في الاستيلاء على بلاد العرب وعلى غير بلاد العرب من أرضين، هو سماعهم بغنى من يريدون الاستيلاء عليه، فهو إما أن يتصادق معهم، فيقدم ما عنده من ذهب وفضة وأحجار كريمة وأشياء ثمينة إليهم ويرضى بأن يكون تابعًا لهم، وإما أن يمتنع فيكون عدوًّا، ويتعرض للغزو وللسلب والنهب والقتل والإبادة. بهذا المنطق كتب ملوك آشور إلى ملك «دلمون» وغير دلمون، وبهذا المنطق كتب «أغسطس قيصر» إلى ملوك اليمن فيما بعد ، وأياً كانت الأسباب التي حالت دون تنفيذ طموح الإسكندر في احتلال اليمن إلا أن تلك الرغبة وذلك الطموح ظل يراود بقية الزعماء اليونان ومن بعدهم الرومان حتى قرر أغسطس الإعداد للحملة العسكرية محاولاً الحصول على المجد ، وذلك لمد السيطرة الرومانية من البحر المتوسط الذي أطلقت عليه بعض المراجع تسمية بحر الروم إلى البحر الأحمر الذي تشغل اليمن بوابته الجنوبية (العرب في العصور القديمة لطفي عبد الوهاب يحيى ص 409) ويرى البعض أن الأحوال الطبيعية في شبه الجزيرة العربية وقفت حائلاً دون تخطي جيوش الفاتحين لحدودها فلا فتوح الإسكندر المقدوني (333-323ق. م) ولاحملات الرومان على بلاد شرق البحر المتوسط (50- 20 ق. م ) وجدت منفذاً إلى بلاد العرب في شبه جزيرتهم (جايمس هنري براستد : العصور القديمة ،نقله إلى العربية داؤود قربان مؤسسة عز الدين بيروت 1983ص 567 ، للمزيد انظر د. صادق عبده علي» الهوية السياسية والحضارية لليمن» ص 122)
أهداف الحملة :
تكشف الكتابات الرومانية عن اليمن مدى أهمية جنوب الجزيرة العربية وكيف أن هذه الكتابات العائدة لمفكرين وباحثين ورحالة زاروا اليمن أو سمعوا عنها أثرت على الإمبراطور أغسطس فدفعته إلى اتخاذ قرار غزو اليمن والسيطرة عليه إضافة إلى أن ذلك حلم ظل يراود سابقيه من الملوك والزعماء ، ويشير المؤرخ سترابون إلى أن الإمبراطور أغسطس قرر الإعداد للحملة بعد أن أطلع على تقارير أعدت له تتحدث عن غنى بلاد اليمن وأنها تحتكر التجارة في عدد من السلع المهمة وهنا نجد أن الإمبراطور قد حدد هدف الحملة وهو إخضاع بلاد اليمن إما بسيطرة الجيش الروماني عليها أو أن تكون خاضعة وتعمل لمصلحته أو أن يقرر إقصاءها وإبعادها عن أي نشاط تجاري وبحيث تصبح التجارة كلها محتكرة للرومان ( سليمان الذيب .. الحملة الرومانية الأولى على جنوب شبه الجزيرة العربية دراسة 39)وبحسب سترابون فإن الإمبراطور أمر واليه على مصر بتجهيز حملة لتعرف شعوب تلك البلاد العربية والإثيوبية وأقاليمها وجعلها شعوباً صديقة وهكذا تتمكن روما من تكوين علاقات مع أصدقاء أثرياء عن طريق المحالفة أو السيطرة على أعداء أثرياء عن طريق الحرب ( سليمان الذيب .. الحملة الرومانية الأولى على جنوب شبه الجزيرة العربية دراسة ص 39 )
أسباب اقتصادية وسياسية :
كان اليمن وسيطا مهما جداً في العالم القديم بين الشرق والغرب ورأى الرومان عرب جنوبي الجزيرة منافساً قوياً إذ كانت تجارة الطريق البري في أيديهم يتحكمون فيها كما يريدون كما كانوا أيضا منافساً خطراً شديد الوطأة يعمل له الملاحون الرومان ألف حساب عند اجتيازهم باب المندب أو عندما يرسون على بعض الموانئ . ( الدكتور أحمد فخري اليمن ماضيها وحاضرها ص 115) ولهذا كان اليمنيون يحتكرون التجارة ولا يسمحون لغيرهم في نقل البضائع ولهم نفوذ واسع في البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي ويسيطرون على باب المندب ولهذا كان من أهم أهداف الرومان انتزاع البحر الأحمر من أيدي اليمنيين ليصبح بحيرة رومانية وحتى يحل التجار الرومانين محل اليمنيين في تجارة السلع النفيسة التي كانت تأتي من الصين والهند (حوراني العرب والملاحة ص 63) ويقول استرابون في مطلع حديثه عن الحملة أنه سمع عن بلاد اليمن أنها غنية جداً لأنها تقايض التوابل بالذهب والفضة والأحجار الكريمة وأنها لا تحتاج إلى استيراد الأشياء من الخارج (المفصل ج3 ص 44) ، وإلى جوار موقع اليمن والنشاط التجاري الواسع لليمنيين واحتكارهم النشاط التجاري ونقل البضائع براً وبحراً كانت الثروات في البلاد اليمنية تثير شهية الرومان وهو ما نلاحظه في كتاباتهم المختلفة فقد كانوا يصفون بلاد سبأ بالقول : إن فيها قصوراً رائعة ذات أبواب وجدران وسقوف مرصعة بالعاج والذهب والفضة والأحجار الكريمة ، ويقول سترابون إن بلاد سبأ هي أخصب الأراضي على الإطلاق أما حال شعبها فوصفه بأنه أغنى الناس قاطبة ، ويقول اجاثارخيوس في القرن الثاني قبل الميلاد لا توجد أمة أكثر ثراء من السبئيين، ويشير بليني أن السبئيين في عمومهم أغنى أجناس العالم لأن ثروات واسعة تتجمع في أيديهم من روما وفارس لقاء ما يبيعونه لهذين البلدين من نتائج البحر أو من غاباتهم دون أن يشتروا شيئا مقابل ذلك ،وعن الذهب في اليمن يقول ديودروس الصقلي :إن الجزيرة غنية بالذهب الذي بلغت نقاوته حداً لم تكن هناك حاجة لصهرة .
وقال عن الشعب السبئي : إن السبئيين يتفوقون على الشعوب الأخرى بالثراء والمفاخر الأخرى ، وبحسب عدد من المؤرخين فإن تعاظم النشاط التجاري البحري للرومان أضر كثيراً باليمنيين الذين كانوا يعتمدون على هذه التجارة ويسيطرون عليها ولا ننسى الإشارة هنا إلى أن الهجرات اليمنية نحو الشمال وتحديداً تزايد عدد اليمنيين في مصر كان يثير مخاوف الرومان بشكل كبير ناهيك عن محاولة كسر تفوق اليمنيين من الناحية التجارية والتي أدت إلى نفوذ سياسي على كافة مناطق شبه الجزيرة العربية وكان ذلك النفوذ يمتد في بعض فترات ما قبل الميلاد حتى فلسطين ومصر وسوريا والعراق وقد ذكر سترابون وبليني أن العرب تكاثروا في مصر تحديداً في الجهة الغربية من البحر الأحمر حتى أنهم شغلوا ما بين البحر الأحمر ونهر النيل في أعالي الصعيد.
وسياسياً فإن التنافس مع فارس على التوسع في المنطقة شجع الإمبراطور أغسطس إلى التحرك العسكري لتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة رومانية إضافة إلى تحقيق مجد شخصي لم يسبقه إليه أحد (الإرياني اليمن الخضراء ص 343) إضافة إلى ما كانت تمثله اليمن في تلك الفترة من ثقل في ميزان السياسة الدولية (حنان عيسى جاسم السياسة الرومانية تجاه جنوب الجزيرة العربية مجلة الدراسات التاريخية العدد 17 – يونيو 2013م ص 327)
القائد الذي أخضع كل البلدان عدا اليمن :
يتفق الكثير من المؤرخين على ما وصلت إليه الإمبراطورية الرومانية في عهد أغسطس من توسع وهيمنة وتقدم في كافة المجالات فقد أصبحت في القرن الأول قبل الميلاد قوة عسكرية واقتصادية لها نفوذ في كافة قارات العالم القديم (آسيا وإفريقيا وأوروبا) ويشير أولئك إلى أن أغسطس أعاد قوة الرومان وحقق إنجازات عدة أبرزها السيطرة على مصر في 31ق. م وهو الحدث الذي جعله في نظر المؤرخين الغربيين قديماً وحديثاً فوق غيره ممن مضى وأتى بعده (الشماحي ص 55)وينقل الشماحي ما قاله المؤرخ (مريفال) عن الإمبراطور أغسطس الذي تمكن من إخضاع الكثير من البلدان إلا اليمن : لقد خلق من الفوضى والاختلال الإمبراطورية الرومانية على أسس مكنها من الحياة خمسمائة سنة ، وان هذا أعظم الأعمال السياسية التي أتمها بشر ، فأعمال الإسكندر الأكبر وقيصر شارلمان ونابليون ليست شيئاً بالنسبة إليه ، هذا هو القيصر الروماني الذي بسط حكمه على العالم في وقته ولم يبق خارجاً عن سلطته في إفريقيا وأوروبا وغرب آسيا إلا الجرمان شرق أوروبا وإلا اليمن في أقصى الجنوب الغربي لآسيا.
وبحسب الشماحي فقد كان اليمن في نظر أغسطس أخطر من الجرمان فالجرمان هم من الجنس الآري ومجموعة من برابرة رُحَّل كلما يجيده القرصان واللصوصية ، ليس لهم نظرية يخاف منها أما اليمن فهي ذات الحضارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهي بقية الدول العربية ومهدها وقلعتها فاليمن إذا هي العروبة والعرب هم العدو الطبيعي للإمبراطورية الرومانية وسلطانها القائم على حساب الحضارة العربية ودولها ، ثم أن اليمن هي الغنية بمواردها الاقتصادية إلى جانب موقعها الإستراتيجي الذي جعلها تتحكم على طرق المواصلات بين الشرق والغرب وتحتكر التجارة كما أنها دائمة الفيضان بالطاقات البشرية إلى ما حولها وإلى العالم (الشماحي ص 55) ولهذا فإن القضاء على اليمن وإخضاعه للنفوذ الروماني الآري تخلص من عدو طبيعي وتأمين لمستقبل العرب وتحصين للإمبراطورية الرومانية (الشماحي ص 55)
اليمن عشية الغزو :
يذهب بعض الباحثين إلى أن الرومان اختاروا وقتاً ملائماً جداً بالنسبة لهم لتنفيذ هدفهم المتمثل في غزو جنوب شبه الجزيرة العربية حيث كانت اليمن تشهد صراعاً بين السبئيين وذي ريدان الذين أصبحوا يعرفون بالحميريين (المفصل ج3 ص 55)ففي القرن الأول قبل الميلاد عصفت باليمن خلافات وصراعات على السلطة فقد كان الريدانيون الحميريون قد ظهروا بالمشهد وتمكنوا من بسط نفوذهم على الكثير من المناطق على حساب سبأ وأصبحت ظفار مقراً لهم ( تاريخ اليمن القديم محمد با فقيه ص 74) فيما مأرب ظلت مقراً للسبئيين التي بدأت تشهد مرحلة الضعف وتمكن الهمدانيون من السيطرة على الحكم فيها ، وشهدت تلك الفترة صراعات بين القوة الرئيسية الثلاث سبأ وذي ريدان وحضرموت غير أن تلك الصراعات لم تؤدِ إلى إضعاف الكيانات اليمنية فقد توسعت حمير ووصلت إلى السواحل وظلت حضرموت تارةً تتحالف مع الريدانيين الحميريين وتارة مع سبأ ،أما على الصعيد التجاري فقد شهدت تلك الفترة تحولاً في مسار الطريق التجاري البري الذي لم يعد يمر من الأراضي السبئية ما أدى إلى انتقال الثقل السياسي من الأودية الشرقية حيث تقع مأرب إلى الهضبة الغربية إلى جانب القيعان والحصون المنيعة والمدن التجارية المرتبطة مباشرة بالبحرين العربي والأحمر (( سليمان الذيب .. الحملة الرومانية الأولى على جنوب شبه الجزيرة العربية دراسة ص 50 )وقد توسع الحميريون في كل اتجاه حتى أصبحوا يسيطرون على مناطق ساحلية وهو ما أشار إليه (بليني) الذي قال إنه سمع من مرافقي حملة ايليوسجاليوس بأن الحميريين أكثر القبائل عدداً ( اليمن والحبشة د علي الاشبط ص 87) وفي تلك الفترة كان الرومان قد بسطوا سيطرتهم على أجزاء واسعة من الشام والعراق وشمال أفريقيا فيما اليمن تكاد تكون البلد الوحيد خارج دائرة النفوذ الروماني(الشماحي اليمن الإنسان والحضارة ص 53).

 

 

 

*كتاب تاريخ اليمن مقبرة الغزاة للباحث التاريخي اليمني عبدالله بن عامر

 

قد يعجبك ايضا