المسكوت عنه في ثورة 26 سبتمبر: اعدامات بالجملة

اخترنا لك

من كتاب ثورة سبتمبر “قراءة في الهوامش للدكتور عرفات الرميمة”

نشر هذا الفصل بعنوان :الهوامش أو المسكوت عنه في ثورة سبتمبر: اعدامات بالجملة

مقدمة :

من يراجع تاريخ الثورة اليمنية ويقرأ معظم مذكرات الثوار يلاحظ أن الكثير منهم أهمل الكتابة عن الاعتقالات والاعدامات ـ التي شملت بيت حميد الدين والمتعاونين معهم وأركان المملكة المتوكلية وشمل معظم الأسر الهاشمية مع أن جل ّ الثوار كانوا من تلك الأسر ـ والتي حدثت في الأيام الأولى  للثورة ـ وامتدت حتى العام الأول منها ـ بدون محاكمات وكذلك السطو على أموالهم وممتلكاتهم ومصادرتها  ـ ليس للدولة ولكن للمتنفذين من النظام الجديد ـ والكتابات القليلة التي تحدثت عن تلك الفضائع تناولتها باختصار شديد وبأسطر معدودة ولا ندري سبباً لذلك ، وربما يكون السبب أنهم رءوا فيها لعنة قد  تطاردهم وعندما ذكرها البعض ، مروا عليها مرور الكرام وتناولوها بأسطر معدودة والسبب في ذلك كان تفادياً لإحراج الأمانة العلمية وتوثيقاً للتاريخ الذي لا يرحم ، وقد حاولنا  قراءة الهوامش وتتبع المسكوت عنه في بعض مذكرات الثوار وما كُتب عن الثورة وفي كلِ منها نجد جزءً من الصورة التي اُريد لها أن تظهر ممزقة كي تختفي معالمها وبتجميع تلك الأجزاء إلى بعضها سوف تظهر لنا معالم الصورة بوضوح تام نوعا ما .

وفي جلّ الثورات حدثت تجاوزات واعتقال تعسفي واعدامات ، لكن تلك التجاوزات ظلت استثناءات بسيطة والقاعدة هي أن تستوعب الثورة جميع ابناء الشعب لأنها جاءت بهم ولهم ومن أجلهم ايضاً  ـ كما فعلت ثورة 21 سبتمبر 2014م بتوقيعها مع جميع الفرقاء والمعارضين لها وثيقة السلم والشراكة ولم تقتل من المعارضين لها أي شخص ـ لكن أن تتحول القاعدة إلى استثناء وأن يغدو الاستثناء قاعدةً ، فهذا الوضع ليس طبيعياً ولا منطقياً ولا ثورياً ايضاً إنما هو وضع انتقامي تحركه دوافع ذاتية بعيدة عن منطق الثورة الموضوعي .

وقد مر معنا أن  البيان الأول للثورة ـ الذي أعُلن صباح يوم السادس والعشرين من سبتمبرـ قد تضمّن أهداف الثورة وقد جاء في المبدأ الأول ” القضاء على الملكية وأعوانها ” وقد شكّل ذلك المبدأ بصيغته تلك مبرراً للقتل والانتقام غير المبرر، فقد حرص بعض الثوار على تنفيذ الهدف الأول حرفياً ـ متناسياً بقية الأهداف ـ ليس حباً له ولكن كرهاً لبيت حميد الدين ، وكما قال أحد الثوار” لقد التقى المعارضون أو معظمهم عند الهدف الأول من أهداف الثورة ولكن منهم من كانت الأهداف لا تعني شيئاً بالنسبة إليه إنه يُريد النصر على بيت حميد الدين إما لمجرد الانتقام أو للحصول على مكسب وكفى ” (1) .

وبُعيد قيام الثورة حدثت حملة اعتقالات واسعة شملت أركان النظام واعوانه والموالين له ومن الطبيعي في أي ثورة أن تحدث اعتقالات وتجاوزات تجاه من يحاول الهرب أو يقاوم الاستسلام ، لكن من غير الطبيعي أن يتم الاعتقال بناء على النسب وإعدام من سلّم نفسه طواعية وبطريقة وحشية وبدون محاكمة ، لقد شنّ الثوار حملة اعتقالات واسعة في اليوم الاول للثورة ، كان لها أثراً سلبياً لأنها أفرغت الثورة من مفهومها الثوري التغيري الجديد المغاير لما سبقه وحولتها إلى حربِ أهلية طالت لسبع سنوات وجعلت العديد من المناصرين للملكية يستميت في الدفاع ضد الثورة ليساً حباً في بيت حميد الدين ولكن دفاعاً عن حياته كي لا يطالهم ما طال غيرهم من الُعزّل الذين تم اعتقالهم والتنكيل بهم ، لقد تحدث القاضي عبدالرحمن الارياني في مذكراته منتقداً تلك الإعدامات محذراً منها بأنها ستكون وقوداً لثورة مضادة ، قائلاً ” وأذهلني ما كنت أسمعه من الإذاعة عن الاعدامات التي تتم لرجال العهد البائد وأبرقت للسلال أبرأ إلى الله من كل قطرة دم تسفك بدون حق … كنت أرى أن الدماء التي تسفك صبراً هي وقود الثورة المضادة ، فكلما استزادت منها الثورة فإنما تمد أمراء بيت حميد الدين بالوقود ” (2) .

وفي اليوم الاول للثورة  شكّلت لجنة اعتقالات و ” كان المكلف باعتقال اعوان الإمام البدر ليلة الثورة في صنعاء هو النقيب حسين الدفعي الذي كان مُديراً للشرطة في باب اليمن وقد أرسلت أسمائهم من قِبل اللجنة العليا للتنظيم وحسب الخطة العسكرية للثورة إلى النقيب حسين الدفعي ولم يتم اعتقالهم في ليلة الثورة بسبب تعطل المدرعة ، فتأخر اعتقالهم إلى صباح الثورة وهناك من ذهب لاعتقال رئيس الاستئناف يحيي محمد عباس الشهاري  وغيره ومنهم من اتى إلى مبنى القيادة لتسليم نفسه ،مثل زيد عقبات ، عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب ، محمد صالح العلفي وغيرهم وقد اعتقلوا عقب وصولهم مباشرة . اما بقية سيوف الإسلام في صنعاء فتم اعتقالهم ولعب علي عبدالله السلال دوراً في اعتقالهم  ، فلم يأت ظهر يوم الثورة إلا وجميعهم معتقلون في مبنى القيادة من وزراء وحكام واعوان للإمام وغيرهم ” (3) 

وكما ذكرنا سابقاً بأن المبدأ الأول من مبادئ الثورة شكّل كارثة حقيقية استغلها البعض في التنكيل بأعدائهم ، فنصبت المشانق ونفذت الكثير من الاعدامات بحق الملكيين من دون محاكمات ومن دون تمييز وبسبب أسماء الأسر الإمامية كما سموها وتم السطو على أملاك الملكيين وحرق منازلهم ـ كما حصل خلال سنوات العدوان السعودي على اليمن من اعتقال في تعز ومأرب للكثير من الاشخاص ونهب منازلهم واحتلالها بسبب أسماء أسرهم ـ  ويتذكر الدكتور محمد عبدالملك المتوكل ما حدث في تلك الفترة عندما طُلب منه الرجوع إلى صنعاء من عدن بالقول : ” طلبوا مني السفر معهم فرفضت  رجعت إلى الفندق أستمع إلى الأخبار وإذا الإعدامات تتوالى وقد أخذت طابعاً عنصرياً فقررت الذهاب إلى المملكة وحاول البعض أن يراجعني فقلت لهم : حكموا علينا بالإعدام بسبب اللقب أو الهوية وهذه ليست ثورة وطنية ” (4) .

 مع أن العديد من أبناء تلك الأسر لم يكونوا ملكيين بالمعني الذي يعني تعاونهم مع الملكيين ضد الثوار ، بل شارك العديد من أبناء تلك الأسر التي تم تصنيفها ملكية في الثورة ضد الملكية  نفسها ، سواء في عهد الإمام يحيي ـ كما حدث في انقلاب 48 ـ أو ضد الإمام أحمد ، لكن معارضتهم تلك قوبلت بالتشكيك ، فلم تكن خالصة لوجه الثورة كما كتب عنها البعض ” بل كان الأمر يتعلق بمصالحهم الأسرية ونفوذهم في السلطة ” (5) .

ولم تكن معارضتهم للإمامة  سوى ركوباً لموجة المعارضة للوصل إلى مصالحهم الخاصة ” هذه الأسباب الخاصة دفعت بكبار السادة ، سواء من الأسر الطامعة في الإمامة أو من أبناء الإمام يحيي ، إلى ركوب موجة المعارضة والالتقاء بالأحرار الدستوريين ، محاولين الوصول عن طريق المعارضة إلى ما لم يتمكنوا من الوصول اليه عن طريق السلطة ” (6) .

لكل ِ تلك الأسباب ظلت تهمة الملكية والإمامية سيفاً مسلطاً على رقاب الكثير منهم ، تم بسببها تهميشهم ومنعهم وإقصائهم من تولى المناصب الهامة في الدولة بعد ثورة 26 سبتمبر ولم تشفع لهم مؤهلاتهم العلمية وكفاءتهم بذلك حتى الوقت الراهن ، وكل تحرك شعبي أو ثورة بغرض التقويم والاصلاح  يشاركون فيها يكون دافعها ـ كما يقول خصومهم ـ القضاء على الجمهورية وإعادة الملكية ، كما قيل عن حركة الشباب المؤمن في صعدة وعن ثورة 21 سبتمبر 2014م.  

من أمر بالإعدامات ومن قام بالتنفيذ ؟ :

يحاول بعض الثوار من خلال مذكراتهم التبرؤ من الإعدامات التي تمت في أيام الثورة الأولى ، وكل واحد منه ينفي التهمة عن نفسه ويحاول أن يلصقها بغيره ، فكل واحد عندما يتحدث عن تفجير الثورة تفهم من حديثه أنه كان القائد الفعلي والمفجر الاول لها ، لكن حال الحديث عن الإعدامات يتراجعون إلى الخلف ويقدمون الآخرين ، على اعتبار أن مسئولية إصدار أوامر الاعدامات ـ كما يرى البعض ـ قد تولى كبرها الزعيم عبدالله السلال  بحكم موقعه القيادي بعد نجاح الثورة والبعض يرجعها إلى اجتهادات شخصية لبعض الثوار ،ولا يوجد تأكيد بشأن اصدار أوامر الإعدامات من دون محاكمة ، لكن هناك اتفاق من الكثير من الثوار في مذكراتهم بأن من نفذ العديد من الاعدامات وذاع صيته واشتهر بذلك هو العميد هادي عيسي الذي لقي نفس المصير الذي اشتهر به ضد خصومه ، فقد كان ” العميد هادي عيسى شخصية وطنية ثائرة ، هذا وما مارسه في ظل المرحلة الأولى من قيام الثورة لم يكن قراره وحده ، ولم يُقر الاعدامات ، وبعد شهرِ من قيام الثورة كبرت مكانته وذاع صيته بأنه المنفذ لكثير من الإعدامات ” (7) .

وليس بمستغربِ أن يتم إعدام هادي عيسى عام 1966م ـ بدون محاكمة كما كان يفعل بمن أعدمهم ـ بتهمة التخابر مع اسرائيل في الاحداث التي تلت اعتقال الحكومة اليمنية في القاهرة ، فالجزاء من جنس العمل كما يقال .

والعجيب في الأمر أن من خطط للثورة من القاهرة ـ كما يدعي ـ يستنكر الإعدامات ـ بدون محاكمة ـ التي قام بها بعض الضباط ليس بسبب أنها مرفوضه لذاتها ، شكلاً ومضموناً ، بل بسبب أن بعض الضباط فقدوا أعصابهم وهذا عذر أقبح من الذنب ، و كما قال ” على نقيض الخطة التي أرسلتها للثوار وتضمنت الاكتفاء بالتحفظ على الشخصيات التي يحتمل أن تقوم بأعمال مضادة للثورة ، ولمدة محدودة حتى يستقر النظام الجمهوري ، فوجئت بأخبار من صنعاء أزعجتني حين بلغني أن بعض الضباط الذين فقدوا أعصابهم بعد الثورة تسرعوا بإعدام نحو عشرين رجلاً من كبار الشخصيات اليمنية بدون مبرر ولا محاكمة ، وكان من بينهم من يستطيع أن يؤدي خدمات جليلة للجمهورية بعد قيامها ” (8) .

 

وعبدالرحمن البيضاني ـ نائب رئيس الجمهورية حينها ـ يتهم صراحة عبدالله جزيلان بانه من أعدم أولئك المقتولين ـ أو ربما شارك أو أمر بإعدامهم ـ وكانت تلك الإعدامات سبباً للحالة النفسية التي عاشها جزيلان بعد قيام الثورة ـ كما يعترف بها جزيلان في كتابه التاريخ السري للثورة اليمنية ـ  ويقول في ذلك :” كانت أشباح القتلى العشرين من أقطاب اليمن السابقين الذين اشترك جزيلان في اعدامهم فور قيام الثورة تطارده ليلاً ونهاراً ، وكان الشبح الذي لا يفارقه قط شبح صديقه الامير الشاب الحر الحسن بن علي الذي ناشده الرحمة وهو مربوط في ساحة الإعدام فأفرغ جزيلان بنفسه مدفعه الرشاش في صدره بينما كان الامير الشاب من الاحرار الناقمين على الاوضاع التي كانت سائدة في اليمن قبل الثورة ” (9)

 

 

وسوف نسرد مشهداً يصور ما حصل من تجاوزات خطيرة ، نستمع فيه لعبدالله جزيلان الذي أراد أن يقول أن السلال هو الذي كان يُصدر أوامر الإعدامات ، ويمكن أن يلخص الكثير مما حدّث من فوضى الإعدامات بدون محاكمات ـ ويؤكد كلام البيضاني ـ  ذلك المشهد حدث في الكلية الحربية وكان بطله الرئيس السلال ، وسوف نعرف أنه إذا كان من يقف على رأس السلطة قد تصرف بتلك الطريقة ، فكيف تصرّف بقية العساكر والضباط ! يقول عبدالله جزيلان ” أثناء الحديث مع الزعيم السلال جاء الرائد السيد غالب الشرعي ومعه رئيس الاستئناف وأبنه وقد تحرّك الرائد السيد غالب الشرعي بسرعة وقبض عليهما وأحضرهما إلى الكلية الحربية . وعندما وقع نظر الزعيم عبدالله على وجه رئيس الاستئناف قال كما اذكر : هذه ثورة وقد ظلمت الشعب وعبثت بالمقدسات ولم تتركوا إي شيء في تعذيب الشعبِ الا فعلتموه ، ولم يرد رئيس الاستئناف ولم يبدِ أي حركة ، فقد أدرك أن الأمر جد لا هزل فيه خاصة وأن طلقات المدافع والدبابات كانت تزمجر طول الليل وها هو يرى بنفسه رئيس الحرس الملكي يقف أمامه ، وأشتد حماس الزعيم السلال فأمر بإطلاق النار عليه وانطلقت رصاصات من مسدس الرائد السيد غالب الشرعي لتعلن نهاية الكهنوت العفن . وحاول ابن رئيس الاستئناف الهرب فأطلقت عليه الرصاص من مسدسي ولم تصبه ولكن أحد الجنود من حرس الكلية الأبطال أطلق من بندقيته طلقة كانت نهاية الجيل الجديد من الحكم الكهنوتي ، وقد اكبرت موقف الزعيم عبدالله السلال وموقف الرائد السيد غالب الشرعي وشعرت بالثقة بعد مقتل رئيس الاستئناف ” (10) .

ويمكن أن نسأل المناضل جزيلان : أي بطولة في قتل الأعزّل حتى إذا كان مجرماً ؟ وكيف نُكبر من يقتل عُزلاً الا من خوفهم ؟ واذا كان هذا تصرف قادة الثورة وهم رأسها وأعقل من فيها فكيف كان تصرف بقية العسكر ؟

ويصف أحد المناضلين الذين شاركوا في الثورة ما رآه في مشهدِ آخر مثّل بشاعة تلك الاعدامات التي لطّخت وجوه الثوّار وسوّدت وجه الثورة ـ وجعلت ردة الفعلِ ضدها مهولة ـ واصفاً تأثره الشديد من هول ما رأى من بشاعة المنظر قائلا: ” تأثرت جداً لطريقة الإعدام التي لم نعرف عنها شيئاً ، ولا من الآمر بذلك ، لأن أولئك الأشخاص لم يحاكموا ولم يصدر قرار بإعدامهم وبعضهم لا يستحقون الإعدام ، وتركت أثراً سلبياً على الثورة ، لقد شاهدت خمسة أشخاص تم إعدامهم ولا أدري كيف أعدموا ؟ ولا كيف تمت محاكمتهم ؟ ومن أمر بإعدامهم ؟ ولكني شاهدت أمامي جثثاً مضرجةً بالدماء في مرآب المدفعية وتألمت كثيراً لتلك الطريقة المؤسفة والمحزنة التي تركت أثراً سلبياً على سمعة الثورة وعدالتها وعلى الاهداف النبيلة التي نسعى لتحقيقها ” (11) .

وقد كانوا يُذيعون خبر الاعدام وأسماء المعدومين في إذاعة صنعاء ، فتشاءم الكثير من الثوار ـ كما قالوا في مذكراتهم ـ من الاستعجال بذلك من دون محاكمات وهذا يعني لديهم أنه لا فرق يذكر بين ما كانوا يعيبونه على الإمام بالأمس وما يفعلونه اليوم ، منهم حسين المقدمي الذي قال  أنهم أذاعوا ” في الأخبار أنه قد أعدم عدد من الاشخاص وسموهم بالاسم فتشاءمنا من ذلك الاستعجال في الاعدامات وفسرناه بأن الثورة في ازمة وفي خطر وإلا لماذا هذا الإجراء ما دامت الثورة قد نجحت والإمام تحت الأنقاض ولا سيما وبعض الأسماء كانت ممن لا يستحق الإعدام من الاساس والإعدام بحد ذاته لا يجوز ومُحرم أصلاً إلا بحكم شرعي وقد عبنا على الإمام التسرع والإسراف في الإعدام فكيف نكرر أخطاء الإمام ” (12) .

لكن بعض الضباط الأحرارـ ممن شاركوا في الثورة ـ كان يرى تلك الإعدامات ضرورية ـ من وجهة نظرهم ـ لقيام الثورة ولولاها ما تمت الثورة ، فمذاق دم الضحايا علاج يقضي على الخوف لدى البعض كما قال أحد المشاركين ـ ناجي علي الأشول ـ في التغلب على خوفهم يوم قيام الثورة ، فقدّم تنظيراً مفاده ” ولا شك أن بعض الجيوش قد تصاب بعقدة الخوف من عدوها ما لم تذق طعم دمه ” (13) .

وإذا كان ذلك كذلك مع العدو الذي يملك السلاح ويحارب فربما يكون كلامه منطقياً، أما إعدام العُزّلِ فليس مُبرراً على الإطلاق ، لكن المناضل عينه ذكر سبباً ليجعل من إعدام العزل نتيجة منطقية ـ مع أنها ليست كذلك ـ  وتلك لعمري سفسطة غير محمودة  فقال مبرراً تلك الإعدامات :

” ولكن القيادة أدركت هذه الظاهرة فأطعمت الثوار من دم العدو رداً على إحراق دبابة الشراعي ، ولما سقط أهم ركن من أركان النظام الإمامي ممثلاً برئيس الاستئناف انقشعت كل سحائب اليأس وتجلى الموقف عن نصر مبين ” (14) .

فإي نصر مبين بإعدام رئيس الاستئناف وولده ـ كما ذكر جزيلان ـ وقد تم أخذهما من منزلهما أعزلان ! وإذا كان ذلك النصر مٌبيناً ! فلماذا استمرت الحرب الأهلية سبع سنين عجاف ؟

لقد ربط الثوار بين نجاح الثورة وبين رؤية الجماهير لدم العهد البائد ، وكأن صبغ الثورة باللون الأحمر القاني هو ما يجعل منها كذلك والذي ” وفق الثورة بالنجاح وجعل الجماهير تلتف حولها وتهتف وتصفق لها عندما رأت أعناق رموز الرجعية والإمامية مرمية في الساحة “(15) .

  وتلك غلطة دفع ثمنها الشعب اليمني سبع سنين من عمر الثورة في حرب أهلية ، لأن ما حصل من اعدامات جعل الكثير يلتفون مع البدر دفاعاً عن أنفسهم وخوفاً من نفس المصير الذي لحق بغيرهم .

لم تكن الاعدامات تتم خُفية وبعيداً عن أعين الناس ، لكنها كانت تتم وسط جموعٍ من الناس وفي احتفالات جماهيرية كما حدث في إعدام الإمام المتمرد المنتقم لله الذي أعدم وسط مؤتمر جماهيري في صنعاء حضره أنور السادات ، فتم اطلاق الرصاص عليه بعد انتهاء كلمتي السلال والبيضاني وبداية كلمة السادات ” فصاح السادات مستنكراً هذا الأسلوب الوحشي في تنفيذ أحكام الإعدام التي تتم علناً وسط الجماهير ” (16) .

وإذا كانت الإعدامات قد تمت فلماذا لم يتم دفن القتلى ؟ لقد دفنوا في مقابر جماعية ، كما حدث في البوسنة والهرسك تماماً ، فقد” عملت حفرة كبيرة لهم في منطقة نادي الضباط ومقبرة خزيمة حالياً وكان من يٌعدم يرمى إلى داخل الحفرة ثم تمّ دفنهم جميعاً ” (17) .

لقد كان هول تلك الاعدامات مريعاً جعلت من قام بها بالأمس يتبرأ منها اليوم  فقد حاول الكثير

من الذين شاركوا في الثورة ـ بالقول أو بالفعل ـ أن يظهروا رفضهم وأسفهم على ما تّم من إعدامات ومذابح وحشيّة ، ناسباً إياها للثورة نفسها ـ وليس للثوارـ وكأن الثورة هي الفعل والفاعل معاً وليس الثوار الذين قاموا بها ، فالدكتور عبدالرحمن البيضاني يتأسف على ما حصل من اعدامات قام بها المتشنجون وينسبها إلى السلال ويحمد الله أنه من أوقفها حال وصوله إلى صنعاء ” لكن واأسفاه .. لقد تعجلت الثورة وأخطأت عندما أعدمت الكثيرين من رجالات اليمن الذين لا يحق عليهم القصاص سوى الشيخ عاطف المصلي الذي خان الثورة وأفشى للبدر أسماء الثوار فعرضهم جميعاً للموت ومعهم أهداف الشعب  واحلامه .. واحمد الله أنني سوف ألقاه ولا يسألني عن دماء هؤلاء التي سفكها المتشنجون وكنت لا أزال في طريقي إلى صنعاء بعد الثورة ، كما أحمد الله الذي وفقني بمجرد وصولي إلى صنعاء إلى وقف تلك المذبحة الوحشية المناقضة لمبادئ الجمهورية  . ثمّ عارضت السلال عندما أصّر على إعدام الاخ الشيخ سنان أبو لحوم ” (18) .

 لقد أراد البيضاني أن يسقط التهم  التي نسبها اليه العميد محمد علي الأكوع ـ في مقاله المنشور في صحيفة الايام يوم 25يناير 1999م ـ بعنوان ( مسكين المشير السلال ) واصفاً فيه ما قال بأنه ( مجزرة نيف واربعين قتيلاً من حاكمي العهد الإمامي ) ناسباً التهمة إلى البيضاني قائلاً : الناس تعرف أن البيضاني يومها هو الحاكم بأمره وسمعوه في صوت العرب وقرأوه في روز اليوسف وهو يهدد الهاشميين السادة بالذات بالانتقام والموت .

وقد رد عليه البيضاني مؤكداً : أن تلك الإعدامات قد تمت يومي 26 ، 27 سبتمبر وهو متواجد في القاهرة ولم يصل صنعاء إلا في 30سبتمبر، وأن من أمر بتلك الاعدامات هو المشير السلال ، مستدلاً على ذلك بالمشهد الذي وصفه عبدالله جزيلان ـ مذكور في ص57 ـ مع السلال وأمره بإعدام رئيس الاستئناف وابنه ، وأكد البيضاني أن عبدالله جزيلان ” نشر هذا الاعتراف في كتابه المذكور سنة 1979م أي قبل وفاة الاخ السلال بخمسة عشر عاماً ولم يعترض الاخ السلال على حرف واحدِ منه ” (19) .

لقد كانت تلك الاعدامات فعلاً وحشياً بشعاً حاول به الثوار الانتقام من الإمام أحمد وكانوا يروجون أنه فعل ذلك بهم ـ دون أن يذكروا أن معظم من أعدموا صدرت في حقهم أحكام قضائية ونجى منها من لم تثبت ادانته بحسب اعتراف البعض منهم في مذكراته كما سنعرف ـ  وقد اعتقد البعض منهم  أن فعلهم المشين ذاك ،  يحقق لهم الفعل الثوري ويجعل من الثورة واقعاً ملموساً لدى الناس ،فلم يكن هناك من داعي للمحاكمات بالنسبة لهم ” فالقضية كانت ساعات وكان لا بد من ضمان الانتصار وتعميق الثورة والجمهورية في نفوس الناس لكي يصدقوا بأن هناك ثورة ونظاماً جمهورياً جديداً ولم يكن سيتحقق ذلك إلا برؤية المواطنين لرموز العهد القديم جُثثاً أمامهم . هذه كانت خطوة كبيرة جداً فالناس سلموا بعدها بشيء أسمه ثورة ونظام جمهوري بدلاً من الإمامة المتعمقة في النفس والقلب 1200 سنة لولا هذه الإعدامات لما حظيت الثورة بعدها بالتأييد الجماهيري ” (20) .

لقد أراد الثوار بقتلهم العزّل من بيت حميد الدين والمتعاونين معهم أن يحرقوا الورقة التي يمكن أن يستخدمها البدر حال عودته للحكم ، لأن تجارب الثوار في 48 و55 جعلت نسبة الفشل لديهم مساوية لنسبة النجاح ، أرادوا أن يتأكدوا أن البدر متى ما عاد لن يجد من يقف معه ، ومن أجل ذلك ” دعوا كل الذين كانوا متعاونين مع البدر ، من عمه سيف الإسلام علي وكان مسكيناً في بيته لا شأن له في شيء وعمه الآخر اسماعيل ، وابن عمه الحسن بن علي ، وأجهزوا عليهم جميعاً . جلبوهم من البيوت واطلقوا عليهم الرصاص بطريقة وحشية فظيعة . حسن ابراهيم ، وعبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب ، يعني العناصر البارزة . والقصد من ذلك إذا عاد البدر يكونون قد سحقوا كل اعوانه وانصاره “(21) .

 وقد حاول تنظيم الضباط الاحرار ـ مراراً وتكراراً ـ التنّصل من تلك الجرائم وإبعاد التهمة عن أعضائه ، قائلاً إن تلك ” الظواهر السيئة التي ظهرت بعد قيام الثورة مباشرة والتي اتسمت بالطائفية والوصولية والإنتهازية إلى جانب الانقسامات والانشقاقات داخل صفوف الجمهوريين والتي فسرتها بعض الأقلام تفسيرات مختلفة وارجعتها إلى عقم الثورة ، فإن ( تنظيم الضباط الأحرار) برئ منها براءة الذئب من دم بن يعقوب ” (22) .

 لكن ذلك النفي لم يكن كافياً لإبعاد التهمة عن التنظيم والتخفيف من هول الجرائم والتجاوزات التي حصلت عُقيب قيام الثورة مباشرة، خصوصاً أن التنظيم كان قد وضع في اليوم الذي انفجرت فيه الثورة خطة ذات بنود أربعة لضمان نجاحها ـ كما صرّح الضباط الاحرار ـ تضمّن البند الرابع ” اعتقال جميع العناصر الرئيسية الموالية للطغيان الإمامي في صنعاء ، تعز ، الحديدة ، حجة ” (23) .

 وهذا البند حمّال اوجه وتفسيرات وجرائم ايضا والدليل على ذلك هو البلاغ الذي أذاعه راديو صنعاء صبيحة 27سبتمبر وجاء فيه : ” يا جماهير اليمن العظيم ، إن الثورة ثورتكم ، وحمايتها مسؤولية الجميع ، فتعقبوا حاشية العهد البائد والقوا القبض على كل من يحاول الفرار ” (24) .

وقد حاول بعض الثوار تبرير القتل والإعدامات دون محاكمة ، معتبرين أن الإمام أحمد لم يكن يحاكم أحداً ـ وهذا افتراء تدحضه الحقائق التي يتحدث عنها بعضاً من الثوار انفسهم ـ وإذا كان ذلك كذلك بحسب زعمهم فإن الأولى أن يتميزوا عنه لا أن يُقلدوه ، وكما برر أحد المشاركين في الثورة تلك الأعمال الوحشية بالقول : ” كان هناك رأي أن تشكّل محكمة من عسكريين وعلماء ومشايخ لمحاكمتهم ولكن ذلك لم يحدث . هل كان الإمام أحمد أو أبوه أو أبنه يحاكم أحداً ؟ هل حاكم في حركة 48 أحداً ؟ لم يحاكم أحداً ، هل حاكم في عام 1955  في انقلاب أخيه عبدالله والثلايا ؟ لا ، هل حاكم اللقية ؟ هل حاكم العلفي ؟ هل حاكم قادة كل التمردات الشعبية ؟ ” (25) .

ويمكن الرد على كلام المناضل علي الراعي والذي كان مدافعاً عن الإعدامات من مذكرات بعض الثوار انفسهم ، فبالنسبة لمن قاموا بانقلاب 48 ، تم حبس الكثير من المناضلين ، لكن الإعدامات شملت من خططوا ونفذوا مقتل الإمام يحيي ، أما الذين أثبتت المحاكمات بأنه لم يكن لهم دور فقد تم اخراجهم من السجن في حجة منهم : السلال وعبدالسلام صبرة والإرياني والنعمان وغيرهم الكثير . وكان الامام أحمد كما قال عنه المناضل أحمد النعمان بعد انقلاب 48 : ”  كان حكمه شرعياً وكان يتحرى في إصدار الاحكام الشرعية . كان هناك جماعة لم يحاكموا وكان الناس يحكمون عليهم أما هو فلم يرغب في أن يتلقى الاحكام من أفواه الناس ، بل حكم على من ثبت أنه متآمر في قضية القتل ، ومن المصادفة أننا اعتقلنا في ذمار ولم نصل إلى صنعاء ولذلك لم نبايع الإمام الجديد ، وكل الذين كانوا معنا لم يقتل منهم أحد ” (26) .

 ويتحدث النعمان عن المحاكمات التي تمت لمن قاموا بانقلاب 48 بالقول : ” وبعد حوالي أربعة أشهر انتهت محاكمة المباشرين بالقتل من المتآمرين الذين بلغوا أربعة وثلاثين شخصاً ” (27)

وذلك يدحض ادعاء من ساند الاعدامات التي تمت بعد الثورة بدون محاكمات مستنداً في ذلك أن الإمام لم يكن يحاكم أحداً .

ويصف حسين عبدالله المقدمي ـ أحد المتهمين بمحاولة قتل الإمام أحمد في مستشفى الحديدة ـ التحقيقات التي استمرت شهرين بالقول : ” وقد استمرت التحقيقات نحو شهر ونصف أو شهرين من 17 مارس 1961م إلى نصف مايو ثم سافر الإمام إلى تعز بعد نصيحة أو قرار من الاطباء بضرورة الانتقال إلى جو أبرد من الحديدة لأن جراحة لم تلتئم “(28) .

ولأن حسين المقدمي كان بريئاً فقد سجن  وخرج بعد الثورة من السجن ولم يُعدم سوى من اطلقوا الرصاص على الإمام فقط ، أما البقيه فقد ظلوا على قيد الحياة .

وسوف نقتبس ما ذكره المناضل الصحفي محمد الشعبي وهو يتحدث عن مناقب أحمد محمد زباره الذي تمّ اعتقاله في اليوم الاول للثورة ـ وظل محبوساً حتى خرج في صفقة تبادل للأسرى مع الملكيين عام  1965 بواسطة الصليب الاحمر الدولي ـ ودوره في محاكمة اللقية عام 1961م بعد حادثة محاولة اغتيال الإمام احمد ، قائلاً  : إن ” موقفه الشجاع والعادل عند محاكمة الشهيد عبدالله اللقية حيث لم يوافق هيئة المحكمة برئاسة وزير الإمام عبدالله عبدالكريم على إدانة المتهمين بمحاولة اغتيال الإمام أحمد ، وبرأ ساحة الكثيرين منهم وأبعدهم عن حبل المشنقة وبينهم رجال كبار ووزراء في حكومة الثورة ، رغم إن الامام أحمد كان يطمح في قيام أحمد زبارة بالتوقيع على وثيقة الحكم بالإعدام كي تصبح العملية الإجرامية هذه شرعية وقابلة للتنفيذ ومع ذلك فقد رفض التوقيع ” (29)  .

وما سبق يعني أن الإمام احمد حاكم من حاولوا قتله ورضخ لحكم القضاء والتزم به ولم يكن يقتل دون محاكمات كما حاول بعض الثوار تبريرهم للإعدامات .

إعدامات بالجملة طالت الجميع :

وفي اليوم الأول من الثورة وما تلاه ، تمّ القبض على وزراء الامام وحاشية المملكة ، وقبضت الجماهير على العشرات من مُديري المناطق وقضاتها ومُديري أمولها ، وتّم اعدام العشرات منهم على سبيل المثال : عبدالقادر أبو طالب ومحمد علي زبارة وعلي ابن الإمام يحيي والحسن بن علي بن يحيي ، وعلّل البعض سبب كثرة الإعدامات للهاشمين لأنهم كانوا أكثر الموظفين في عهد الإمام أحمد وتعلّل أخرون بأنه تم اعدام العديد من الموظفين من غير الهاشميين ومنهم : محمد يحيي عباس ـ رئيس الاستئناف ـ ومحمد عبدالله عاموه ـ وزير المعارف ـ وعبدالرحمن السياغي .

لقد تمت الاعتقالات بالجملة ومن دون تميز ، وعلى سبيل المثال تمت اعتقال العشرات في تعز 

” وقد تحركت ستة وعشرون سيارة صباح يوم 28 سبتمبر محملة بجميع المعتقلين من محافظة تعز وهم كبار رجال الحكم الإمامي والحاشية الملكية وأعوانهم … وقد كان لوصول المساجين من تعز وقع كبير في صنعاء مما زاد من ارتفاع معنوية الثوار في صنعاء وتبيّن ان الثورة مسيطرة سيطرة كاملة على انحاء اليمن وقد حذت بقية المحافظات حذو محافظة تعز في اعتقال عناصر الحكم البائد وايصالهم إلى صنعاء ” (30) .

ويؤكد البعض أن عدد من تم اعتقالهم من تعز أكثر من سبعين معتقل من كبار رجالات الدولة ، فقد” أوصلوا أكثر من سبعين معتقل من تعز وهم من كبار رجال الدولة ونواب الإمام وأمراء جيشه واخوانه ومسئولي الامن والمخبرين وعلى رأسهم سيف الإسلام أسماعيل ونائبه حمود الوشلي وصهره عبدالله عبدالكريم ومدير الأمن العام محمد التركي واحمد ناجي ومحمد مرعي وعلي بن علي الجائفي ومحمد محمود ” (31) .

لقد بدى الوضع للكثير من الثوار أن الذي حدث ويحدث من الاعدامات ليست ثورة للتغيير إلى الأحسن والافضل ولا تُعبر عن تطلعات الشعب ، وإنما هي انتقام من الخصوم ولا فرق بين سيف الإمام ورصاصة الثورة ، وهذا ما عبر عنه القاضي عبدالرحمن الإرياني بوضوح قائلاً ”  لم يكن من رأيي أن تقع الثورة فيما كنا ننعاه على الإمام أحمد من جور وظلمِ واستهانة بالدماء ” (32) .

وأتفق الثوار على توقف الاعدامات وعدم تنفيذها ” الا لضرورة حربية دفاعية ونسبت القيادة حوادث قتل البعض إلى الغوغاء الذين أندسوا في الثورة في اسبوعها الثاني ” (33) .

لكن ذلك الاتفاق لم ينفذ وظلت الاعدامات بدون محاكمات في السنة الأولى للثورة ـ وربما أستمرت إلى ما بعدها بحسب ما لدينا من كتابات ـ والعجيب  في الأمر أن بعض الثوّار قد رأى في تلك الاعدامات تجاوزات بسيطة ـ بل ومبررة بدافع الحفاظ على الثورة ـ فإذا كان ذلك كذلك ، فلماذا تنصل منها ونفى  المشاركة فيها ؟ كما قال اللواء علي عبدالله السلال ” أنا شخصياً رفضت حتى تعيني في محكمة الثورة التي تأسست خلال تلك الأيام ، أنا لم ارض من يومها عن قتل أحد ولم اشارك في قتل شخص ما أبداً ، ربما حصلت بعض التجاوزات البسيطة جداً من قِبل بعض الأشخاص بدافع الحفاظ على الثورة والانتصار للجمهورية والثورة ” (34) .

لكن الذي أنكر المشاركة في الاعدامات من الثوار ، كان قد تباهى في مكان آخر بالمشاركة في حملة الاعتقالات التي كانت مقدمة نتيجتها المنطقية هي الاعدامات التي تلتها ، لأن كل  من ذُكر في تلك القائمة تم إعدامه ” لقد تسلمت من الرائد حسين الدفعي قائمة بالاعتقالات شملت 17 اسماً بخط يده وللأسف الشديد لم أحتفظ بها كوثيقة لكن كل من ورد أسمه تم القبض عليه بمعرفتي أنا … وبدأنا باعتقال يحيي النهاري من قاع العلفي ثم اعتقلنا عبدالصمد أبو طالب فالشيخ عاطف المصلي والسيد علي زباره وأبنيه محمد وعبدالله والقاضي أحمد عاموه والقاضي حسين السياغي وأحمد عبدالرحمن الشامي ومحمد الوزير والقاضي عبدالله الحجري وحسن بن إبراهيم والحسن بن علي بالإضافة إلى رئيس الاستئناف يحيي محمد الشهاري واميري الجيشين محمد الضمين وعبدالقادر أبو طالب وهكذا تم القبض على كل من حوتهم قائمة الاعتقالات ” (35) .

وكل من كان يعارض الإعدامات أو الاعتقالات فسيكون مصيره الاعدام أو الاعتقال حتى لو كان من الثوار وهذا ما حدث مع المناضل عبدالله مقبولي الصيقلي ـ مدير مكتب الإرسال والإعلام بالحديدة الذي أعتقل ” لأنه استنكر تصرفات علي عبدالله السلال نجل رئيس الجمهورية فأنه يعامل الناس أكثر من ولي العهد وإلى ذلك أعتقل 74 مواطناً في مدينة ذمار وذنبهم الوحيد أنهم ينتمون إلى الهاشميين أو يحبون آل البيت ” (36) .

 نهب الممتلكات والاستيلاء عليها :

وترافق مع موجة الإعدامات نهب بيوت وأملاك بيت حميد الدين وجلّ رجالات الدولة من قِبل العديد من الزعامات وتمت سرقة منازل العديد من الملكيين في اليوم الأول للثورة ، بعد  اقتحامها كما يقول أحد المشاركين في الثورة ، فقد  ” بدأ نهب محتويات قصر البشائر عندما صاح الملازم هادي عيسى في أفراد الشعب الذين تجمعوا حول القصر بعد اقتحامه لمشاهدة القوات العسكرية إن هذا القصر ملك للشعب وإن من حقه أن يستولي على محتوياته ”  (37) .

لقد أراد الثوار أن يقلدوا ما حدث خلال ثورة 23 يوليو بحذافيرها ، متناسين أو متغافلين عن حجم الفارق بين حال الطبقة الحاكمة والبرجوازية في مصر واليمن ، فالثوار في مصر عملوا على تأميم ومصادرة أموال وأراضي وممتلكات باشوات أسرة الملك فاروق ـ سليلة أسرة محمد علي باشا الألباني الأصل ـ والطبقة الحاكمة بعد ثورة يوليو ، وقرارات التأميم الشجاعة التي لقيت ارتياحا من الفلاح المصري حينها ، لأن تلك الطبقة التي كانت تملك كل شيء ليسوا مصريين بالأساس وإنما هم من الألبان والاتراك والإنجليز ، أما بيت حميد الدين والهاشميين والمتعاونين معهم واللذين تم الاستيلاء على اموالهم وبيوتهم وأراضيهم فهم أسر يمنية ضاربة الجذور ، والفارق الأهم أن التأميم الذي حدث في مصر كان لصالح الدولة عموماً ـ والفلاح المصري خصوصاً ـ ولم يسبقه القتل للعزّل ، أما ما حدث أثناء ثورة26 سبتمبر من نهب وسطو وسرقة فكان لصالح الأفراد الذين قاموا بذلك ـ من الثوار وممن تسلقوا على ظهر الثورة ـ ولم تستفد الدولة والمواطن المسكين منها أي شيء . وهذا ما تم بالفعل فقد أعلن” راديو صنعاء بتاريخ 4/10/1962م عن مصادرة الممتلكات والأراضي التي تخص أبناء العائلة المالكة وبعض الإقطاعيين الكبار المناصرين للنظام الملكي ” (38) .

وقد تم السطو على منازل بيت حميد الدين وسرقة أملاكهم ومنازل من عمل معهم بحجة مصادرتها للدولة والحقيقة المرة أنها صودرت لبعض من ركبوا الثورة ، ويصف أحد الأحرار جانباً من تلك المصادرات قائلاً : ” وذهب معنا إلى بيت أم هاني زوجة العلامة السيد عبدالرحمن الشامي وهي أبنة الإمام يحيي وكانوا قد صادروا البيت في نفس اليوم واخرجوا أهله واصحابه منه فدخلنا وما زال كما تركوه القهوة فوق الموقد ورائحته الصنعانية تصل إلى الانوف ولا يزال عجين ذلك اليوم فوق التنور ” (39) .

ويوضح أيضاً أن كل من يعجبه منزل من منازل بيت حميد الدين أو المتعاونين معهم يتم مصادرته بأي تهمة ، ويصف المناضل حسين المقدمي ما حصل مع أحد الضباط المصريين الذي أخرجهم من مبنى وزرارة الصحة في اليوم الاول كي تكون مقراً للأمن ـ لكنه تراجع عندما وجد منزلاً اجمل منه ـ قائلا : ” واتضح أن الضابط قد وجد بيت امة الخالق بنت الإمام يحيي فأعجبه أكثر من الوزارة لا سيما السماسر والمخرجات الاخرى لأن التعذيب فيها أفضل من ميدان التحرير وعلى الطريق العام ” (40) .

تشكيل المحكمة واستمرار حالات الإعدام :

وبعد فوضى الاعدامات للشطر الأكبر من الهاشميين  ومن أعوان الإمامة والسطو على املاكهم ، قررت قيادة الثورة تشكيل (محكمة الشعب ) برئاسة المقدم ( غالب الشرعي )  وعضوية المقدم ( عبدالله بركات ) مدعياً عاماً والنقيب ( هادي عيسى ) وعضويين مدنيين من رجال القضاء الشرعي ، ويتحدث المدعي العام في المحكمة عن أن السبب في  تشكيلها  كان صدفة بحته وليس عملاً مدروساً ، قائلاً :  كان الدافع لتشكيل المحكمة قصة عجيبة حضرت أحداثها عند زيارتي للقيادة العامة عندما اخرجوا (علي مانع ) من أجل إعدامه وصادف ذلك مع عودة ( جبر بن جبر ) إلى القيادة وعندما رأى علي مانع يُجر للإعدام أمسك به وصاح بأعلى صوته قائلاً : لا يمكن ان يُعدم هذا الرجل الحر النزيه ، سمع السلال الضجة وخرج مستفسراً عما يحدث ، فقال له جبر : هذا الرجل انقذني من الموت عندما أمر الإمام بقتلي وتوسط  لي لدى الإمام وكان سبباً في انقاذي من الموت ، نبه هذا الحدث المشير السلال ومجلس قيادة الثورة إلى ضرورة تشكيل محكمة تحت شعار ( نحاكم عهداً ولا نحاكم افراداً ) (41) .

 

لم تبت المحكمة في القضايا المطروحة لأن أساس انشائها كان امتصاصاً للغضب الذي ظهر لدى الكثير من شيوخ القبائل وبعض الثوار الذين يفهمون معنى الثورة جيداً ولذلك تراكمت القضايا لدى المحكمة ، وبالنسبة للمقبوض عليهم من بيت حميد الدين ، فقد ” اعدم من تم القبض عليهم في صنعاء من أفراد أسرة حميد الدين عدى النساء وطفلان صغيران للإمام أحمد ، وتراكمت لدى المحكمة العسكرية التي أنشئت في صنعاء ما يقرب من ستمائة قضية لأرباب النظام الملكي الذي تم اعتقالهم ” (42) .

وقد حاول المدعي العام ( عبدالله حسين بركات ) أن يجمل وجه المحكمة عندما أنكر الاعدامات قائلاً  ” بدأت محكمة الشعب جلساتها الاولى صباح يوم الثلاثاء 2/7/ 1963م بمحاكمة القاضي محمد عبدالله الشامي نائب الإمام في لواء صنعاء وحكم عليه بالحبس لفترة ثم أطلق سراحه ، كما قُدم للمحكمة علي ابن ابراهيم أمير الجيش الملكي أيضا حبس لفترة ثم أطلق سراحه وسارت المحكمة في اجراءاتها وكذلك قُدم للمحاكمة حسين الويسي وآخرون ولم يُعدم أحد ، حتى الذي حُكم عليه بالإعدام كان الحكم مع إيقاف التنفيذ ” (43) .

لكن القاضي عبدالرحمن الأرياني كذّب ادعائه وقال أن مسلسل الاعدامات أستمر دون محاكمة بعد مرور عدة أشهر على اندلاع الثورة ، ففي يوم 12/6/1963 م سمع الناس من إذاعة صنعاء خبر إعدام تسعة من المقبوض عليهم، منهم قاسم الثور وحسين الويسي قبل محاكمتهم وإكمال التحقيق معهم ، وشكّل ذلك الخبر مفاجأة لبعض الأحرار حينها ، منهم : الزبيري والقاضي عبدالرحمن الإرياني اللذان أرسلا رسالة احتاج إلى السلال مطالبين بوقف تلك الاعدامات التي شوهت سمعة الثورة قبل الثوار (44).

واستدعت تلك الاعدامات ثورة مضادة وخلافات عصفت بالثورة وشتت الثوار ومثلت نكسة حقيقية للثورة وللثوار على السواء” إن نكسة الثورة قد وضعت الاحياء والاموات من المخلصين ورجال الثورة بمكان سحيق ،فلا الأحياء في صفوف الحاكمين ولا الأموات في صفوف المخلدين ” (45) .

  والقول السابق كان صادقاً في شطره الأول أن الأحياء من الثوار لم يكونوا في صفوف الحاكمين ، أما الشطر الآخر أن الأموات منهم لم يكونوا في صفوف المخلدين فهذا الخبر لا يعلمه سوى الله سبحانه وتعالى .

وفي الأخير نقول أنه لم يسلم من قبض عليه بتهمة الملكية من الإعدام سوى النساء والأطفال من بيت حميد الذين تم جمعهم إلى أحد قصور الإمام أحمد في بستان الخير في صنعاء فيما يشبه الإقامة الجبرية ـ كما ذكرت ذلك تقية بنت الإمام يحيي حميد الدين في كتابها يتيمة الاحزان ـ وتم ترحيلهم إلى الحبشة عام 1965م ، من دون منحهم جوازات سفر ـ وكأنهم ليسوا يمنيين ـ وسلبت منهم الجنسية اليمنية ومنعها الثوار عنهم وتلك جريمة أخرى لا تقل بشاعة عن سلب ارواح الضحايا الذين اعدموا سابقاً .

إقرأ أيضا:من أين جاءت أهداف ثورة 26 سبتمبر..من كتبها وما علاقتها بأهداف ثورة يوليو المصرية

أحدث العناوين

Legitimate Entitlements of UN Armistice in Yemen

The truce in Yemen, which entered into force on the 2nd of last April, under the auspices of the...

مقالات ذات صلة