هل تغيير النظام في إيران يصبّ في مصلحة المنطقة؟

اخترنا لك

| الدكتور جلال جراغي

في هذه الأيام، وفي ظل التطورات التي تشهدها إيران، من تهديدات أمريكية وإسرائيلية، إلى تطورات داخلية تتمثل في احتجاجات مطلبية وأخرى ذات طابع سياسي، مدعومة من الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، يبرز سؤال مُلحّ:

هل إنّ تغيير النظام السياسي في إيران سيكون في مصلحة دول المنطقة، بما فيها الدول العربية؟ أم أن بقاء النظام السياسي الحاكم، المتمثل بالجمهورية الإسلامية، هو الذي يخدم المصالح الإقليمية؟

يرى بعض الأطراف، داخل إيران وخارجها، أن بعض الدول العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، تميل إلى خيار تغيير النظام السياسي في إيران، انطلاقًا من اعتبارها دولة منافسة – إن لم نقل معادية- خلال العقود الأربعة الماضية التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية، وذلك بسبب التوترات والمنافسات التي طبعت العلاقات الثنائية بين البلدين. كما كانت السعودية، ولا تزال، تنظر إلى إيران القوية بوصفها مصدر تهديد، استنادًا إلى اتهامات متكررة تتعلق بالسعي إلى النفوذ والتوسع في المنطقة، وغيرها من المزاعم التي وُجهت إلى طهران.

وفي هذا السياق، اعتُبرت إيران في مرحلة من المراحل «رأس الأفعى»، ووفقًا لتسريبات موقع ويكيليكس، التي أوردت برقية دبلوماسية مؤرخة في 20 نيسان/أبريل 2008، فإن العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز طلب من الولايات المتحدة مهاجمة إيران، التي وصفها بـ«رأس الأفعى»، بهدف وقف برنامجها النووي.

ويذهب بعض المحللين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن دعم إيران للقضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية في فلسطين يُحرج السعودية وبقية الدول العربية أمام الرأي العام العربي، إذ بات يُنظر إلى إيران، وهي دولة غير عربية، بوصفها المدافع الأبرز عن قضايا الشعوب العربية، في مقابل عجز أو تقاعس الأنظمة العربية. وبحسب هذا الرأي، فإن هذا الإحراج يدفع بعض الدول العربية إلى الرغبة في إضعاف إيران أو التخلص منها كي تتخلى بدورها عن دعم القضية الفلسطينية.

غير أن هذا التحليل يظل تحليلًا عاطفيًا وسطحيًا، يفتقر إلى الأسس المنطقية والقراءة الواقعية للتوازنات الإقليمية. أما التحليل الأدق، فينطلق من التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، ولا سيما بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وسيطرة جماعات متشددة بقيادة محمد الجولاني، الذي غيّر اسمه إلى أحمد الشرع وسمّى نفسه رئيسًا للبلاد، بدعم مباشر من تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان.

هذا التحول جعل الساحة السورية مفتوحة أمام عربدة الكيان الإسرائيلي، الذي ما زال يسرح ويمرح في الأجواء السورية كيفما شاء، مدمّرًا القدرات العسكرية السورية، ومسيطرًا على مصادر المياه والمناطق الزراعية الخصبة، ومنتهكًا أجواء دول عربية أخرى كالأردن والعراق وقطر، ومستهدفًا ما يحلو له من أهداف عسكرية ومدنية، دون حسيب أو رقيب.

وتترافق هذه العربدة مع تصريحات أمريكية وإسرائيلية خطيرة؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن «جغرافية إسرائيل ضيقة جدًا ويجب توسيعها»، في انسجام تام مع الأحلام التوراتية القديمة بإقامة «إسرائيل الكبرى». وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صراحة عن هذا التوجه في مقابلة مع قناة «آي 24»، حين قال إن لديه ارتباطًا قويًا برؤية «إسرائيل الكبرى».

بناءً على ذلك، لم يعد من المنطقي ولا المعقول أن تُصوَّر إيران بوصفها الخطر الحقيقي على الدول العربية، كما تحاول بعض وسائل الإعلام الغربية والساسة الغربيين الترويج، بل إن الخطر الحقيقي يكمن في الكيان الإسرائيلي، الذي لا يُخفي نواياه التوسعية للسيطرة على المنطقة بأكملها، وإيران ليست سوى إحدى محطاته. وإذا نجح هذا المشروع، فإن الدور سيأتي تباعًا على دول أخرى، بدءًا من تركيا — التي بدأت إسرائيل فعليًا الاستعداد لمواجهتها — مرورًا بباكستان، وانتهاءً بالمملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى.

من هنا، يصبح من العقلاني أن تفكر السعودية ألف مرة قبل القبول أو التماهي مع أي مخطط صهيو–أمريكي يستهدف مهاجمة إيران أو تغيير نظامها السياسي. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم الخلافات معها، تشكّل سدًّا متقدمًا في وجه الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية، وتلعب دورًا في حفظ التوازن الإقليمي، وتحدّ من اندفاع المشروع الصهيوني في المنطقة.

كما أن أي بديل محتمل للنظام الحالي، ولا سيما عودة النظام البهلوي أو القوى الملكية المرتبطة بعلاقات وثيقة مع الكيان الإسرائيلي، سيُنتج تحالفًا إيرانيًا–إسرائيليًا جديدًا، ما يشكّل خطرًا استراتيجيًا بالغًا على الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لأن هذا التحالف سيكون منسجمًا في مشاريع السيطرة والهيمنة الإقليمية.

في الوقت الراهن، تُعدّ إيران الجبهة المتقدمة في مواجهة الطموحات التوراتية والتلمودية لإسرائيل، وإذا أُزيح هذا العائق، فإن الهدف التالي سيكون الدول العربية نفسها. وعندها، لن ينفع الندم. لذلك، فإن منطق العقل والمصلحة يقتضي أن تدعم السعودية وبقية الدول العربية بقاء النظام السياسي القائم في إيران، أو على الأقل أن تعارض أي مشروع صهيو–أمريكي لإسقاطه.

إضافة إلى ذلك، فإن نجاح الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في إسقاط النظام الإيراني سيُلحق أضرارًا اقتصادية مباشرة بالدول العربية، ولا سيما تلك التي تراهن على تطوير قطاعات السياحة والصناعة. فإيران، بما تمتلكه من حضارة عريقة وتنوع جغرافي وثقافي واجتماعي، ستتحول إلى قطب سياحي كبير في حال رُفعت القيود والعقوبات، ما سيجعلها منافسًا قويًا لدول مثل تركيا والإمارات والسعودية، التي استثمرت مليارات الدولارات في هذا المجال.

وفضلاً عن ذلك، تستفيد بعض الدول الإقليمية، بما فيها دول عربية وإسلامية كجمهورية أذربيجان، من حالة العداء القائمة بين إيران والكيان الإسرائيلي، لتوسيع هامش المناورة السياسية مع الطرفين. فأذربيجان، على سبيل المثال، تلوّح بالتقارب مع طهران للضغط على تل أبيب من أجل الحصول على السلاح والتكنولوجيا العسكرية، كما تستغل هذا التوازن للحصول على امتيازات من إيران نفسها. وتشير بعض المعطيات إلى أن النظام القائم في سوريا قد يسلك المسار ذاته في المستقبل، عبر الانفتاح على طهران للضغط على إسرائيل.

الدول العربية، بما فيها المملكة العربية السعودية، توظّف هي الأخرى هذه المعادلة لفرض شروطها على الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ومن هنا، فإن استمرار وبقاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية يساهم في الحفاظ على هذا التوازن الإقليمي، الذي يصبّ في مصلحة الدول العربية. وبالتالي، فإن التفريط بهذه المعادلة سيكون خسارة استراتيجية يصعب تعويضها.

أحدث العناوين

إردوغان والأزمة الإيرانية.. بين الربح والخسارة

| حسني محلي بعد أن فشل في تحقيق المصالحة النهائية بين صديقيه الرئيس بوتين وزيلنسكي وإنهاء الحرب الأوكرانية، يبدو أن...

مقالات ذات صلة