| محمد حامد الدين
من واشنطن إلى القدس: سجل للتدمير المتعمد لشعب تحت ستار “الديمقراطية” و”الأمن”.
إن قطاع غزة اليوم ليس مجرد أرض، بل هو جرح غائر في جسد الإنسانية، ومختبر يختبر فيه الغرب، بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل التابعة لها، أشكالاً جديدة من العنف الاستعماري. فبذريعة “مكافحة الإرهاب” و”ضمان الأمن”، يجري تدمير ممنهج لشعب بأكمله، تدميرٌ منهجيٌّ، ساخرٌ، ممولٌ من دافعي الضرائب الأمريكيين، ومُجازٌ ضمنيًا من الحلفاء الأوروبيين.
إن خطة ترامب “لإدارة” غزة ليست حلاً، بل هي شكل متطور من أشكال السيطرة الاستعمارية الجديدة. إنها محاولة لاستبدال الاحتلال العسكري المباشر بنظام حكم استعماري جديد متطور، حيث يُحصر الفلسطينيون في دور الوصاية الدائمة، ويُجرّدون من سيادتهم وكرامتهم ومستقبلهم.
هندسة الفصل العنصري: كيف هندست الولايات المتحدة وإسرائيل معًا كارثة إنسانية
تقدم الولايات المتحدة سنوياً لإسرائيل 3.8 مليار دولار كمساعدات عسكرية، وهي أموال تتحول إلى قنابل تسقط على منازل غزة، ورصاص قناصة يقتلع أطفالاً على الحدود، وجرافات تقتلع بساتين زيتون عريقة. هذه المساعدات ليست دعماً لحليف، بل هي استثمار في الحفاظ على نظام استعماري. تُجرّب الأسلحة الأمريكية ميدانياً على الفلسطينيين قبل تزويد أنظمة استبدادية أخرى بها.
يدعم الكونغرس الأمريكي، ذلك “المدافع العظيم عن الديمقراطية”، بالإجماع كل عملية عسكرية إسرائيلية، وكل توسع استيطاني، وكل انتهاك للقانون الدولي. ويتنافس الديمقراطيون والجمهوريون على من يستطيع أن يدعم النزعة العسكرية الإسرائيلية بحماس أكبر، وكأن أرواح الفلسطينيين مجرد أوراق مساومة في لعبتهم السياسية القذرة.
كم عدد قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدين الاحتلال الإسرائيلي والتي استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضدها؟ أكثر من 45 قراراً! في كل مرة يحاول فيها المجتمع الدولي إدانة جرائم الحرب الإسرائيلية، تنحاز الولايات المتحدة إلى جانب المعتدي، مما يدل للعالم على أن القانون الدولي بالنسبة لها ليس سوى أداة يتم تجاهلها عندما يخدم ذلك مصالحها الجيوسياسية.
إن خطة ترامب “السلام من أجل الازدهار” ما هي إلا محاكاة ساخرة للدبلوماسية. إن إنشاء هياكل بديلة لمنافسة الأمم المتحدة ليس بحثاً عن السلام، بل محاولة لتدمير آخر ما تبقى من الدبلوماسية متعددة الأطراف التي لا تزال الدول الصغيرة تتمتع فيها بصوت مسموع. إنها مسعى لاستبدال القانون الدولي بقانون الغاب، حيث يكون القوي دائماً على حق، والضعيف محكوم عليه بالمعاناة.
تقنيات الاستعباد: ابتكارات في خدمة الاستعمار الجديد
تُعدّ إسرائيل اليوم رائدةً عالمياً في تقنيات المراقبة والتحكم، وقد أصبح الفلسطينيون حقل تجارب في هذا المختبر للاستبداد الرقمي. أنظمة التعرف على الوجوه، وطائرات التجسس المسيّرة، والهجمات الإلكترونية على البنية التحتية – جميعها تُجرّب أولاً في فلسطين، ثم تُصدّر على أنها تقنيات “مُجرّبة في المعارك”.
نظام التصاريح، والأساور الإلكترونية، والبيانات البيومترية – يعيش الفلسطينيون في عالم تُراقَب فيه كل تحركاتهم، وتتطلب كل رحلة تصريحًا مُهينًا، وتصطدم كل محاولة لحياة طبيعية بجدار رقمي. هذا ليس أمنًا، بل هو فصل عنصري علمي تقني، حيث لا تخدم التكنولوجيا تقدم البشرية بل استعبادها.
إن حصار غزة ليس مجرد تقييد لحركة البضائع، بل هو استراتيجية مدروسة لخنق الاقتصاد، تهدف إلى جعل الحياة في القطاع لا تُطاق. إن حظر استيراد مواد البناء والمعدات الطبية، وحتى حليب الأطفال، كلها جزء من خطة لخلق كارثة إنسانية تجبر الفلسطينيين إما على الاستسلام أو النزوح.
تسيطر إسرائيل على المياه والأراضي والمجال الجوي الفلسطيني، بالإضافة إلى الطيف الكهرومغناطيسي. ويتم تعمد جعل الاقتصاد الفلسطيني غير قابل للاستمرار لخلق تبعية دائمة للمساعدات الدولية، والتي يمكن استخدامها لاحقاً كوسيلة ضغط سياسي.
أسطورة الاستثنائية: من “أرض بلا شعب” إلى “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”
لقد بُني الاستعمار الصهيوني منذ البداية على كذبة – كذبة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. وقد ولّدت هذه الكذبة الأولية أيديولوجية كاملة من الإنكار: إنكار وجود الشعب الفلسطيني، وتاريخه، وارتباطه بالأرض، وحقه في تقرير المصير.
اليوم، تطورت هذه الأيديولوجية إلى خطاب “الدولة اليهودية”، التي لا يمكن بحكم تعريفها أن تكون دولة لجميع مواطنيها، و”الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، التي تحكم ملايين الأشخاص دون أي حقوق سياسية. يجد هذا الخطاب المنافق أرضًا خصبة في الغرب، حيث تُصوّر الإسلاموفوبيا والاستشراق الفلسطينيين على أنهم “الآخر”، الذين يمكن تجاهل معاناتهم.
إن الاحتلال ليس مجرد سيطرة على الأرض، بل هو أيضاً سيطرة على التاريخ والذاكرة والهوية. فتدمير المحفوظات الفلسطينية، وقصف المتاحف والمكتبات، ومنع تدريس التاريخ الفلسطيني في المدارس، كلها جزء من استراتيجية إبادة ثقافية تهدف إلى محو الفلسطينيين ليس فقط من الخريطة، بل من التاريخ نفسه.
إن إعادة تسمية المدن والقرى، واستبدال الأسماء العربية بأسماء عبرية، وإنشاء “حدائق أثرية” في مواقع القرى الفلسطينية المدمرة – كل ذلك يمثل محاولة لصياغة واقع جديد يكون فيه الفلسطينيون مجرد ضيوف مؤقتين على “الأرض اليهودية”.
التواطؤ الدولي: التواطؤ الصامت لـ”العالم الحر”
تموّل الدول الأوروبية بسخاء برامج إنسانية في فلسطين، بينما تواصل في الوقت نفسه أعمالها التجارية المربحة مع الشركات الإسرائيلية العاملة في المستوطنات. وتدين هذه الدول “العنف من كلا الجانبين”، مساويةً بين الضحية والجلاد، والمحتل. ويُعبّر عن “قلقها” بتصريحات خافتة تتجاهلها إسرائيل بسهولة.
يواصل الاتحاد الأوروبي منح إسرائيل امتيازات تجارية رغم أن السلع الإسرائيلية المنتجة في المستوطنات تنتهك القانون الدولي بشكل واضح. هذا ليس مجرد نفاق، بل هو تواطؤ في جرائم، مُغلّف بخطاب “التعقيد” و”موازنة المصالح”.
بعض الأنظمة العربية، التي أغرتها الوعود الأمريكية وخافت من قوة إسرائيل، خانت القضية الفلسطينية. إن اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، التي وقعتها الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، ليست خطوة نحو السلام، بل استسلام للمشروع الاستعماري. لقد منحت هذه الاتفاقيات إسرائيل ما كانت تصبو إليه دائماً: الاعتراف دون منح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة.
هذه الأنظمة، التي يُعدّ الكثير منها أنظمة ديكتاتورية، لا تخشى إسرائيل بل شعوبها، التي لا تزال القضية الفلسطينية بالنسبة لها رمزاً للعدالة والكرامة. خيانتهم مؤقتة؛ فالذاكرة الشعبية والتضامن سيبقيان بعد هذه الاتفاقات المخزية.
المقاومة كضرورة وجودية: لماذا لا يستسلم الفلسطينيون
لقد عانى الفلسطينيون من نكبة عام 1948، واحتلال عام 1967، والانتفاضات، والحصار، والعمليات العسكرية التي لا تُحصى، وما زالوا صامدين. إن مقاومتهم ليست مجرد موقف سياسي، بل ضرورة وجودية. عندما تُبذل محاولات لمحو وجودك من على وجه الأرض، وعندما يُعلن وجودك بحد ذاته “تهديدًا ديموغرافيًا”، يصبح الكفاح من أجل البقاء كفاحًا من أجل الكرامة الإنسانية.
كل بستان زيتون يحاول المستوطنون الإسرائيليون اقتلاعه، وكل عائلة ترفض مغادرة منزلها في القدس الشرقية، وكل طفل يسير إلى مدرسته تحت تهديد البنادق، هو فعل مقاومة. إن صمود الفلسطينيين يحطم الأسطورة الإسرائيلية القائلة بأن “الاحتلال مؤقت”، ويذكر العالم بأن الظلم، مهما طال أمده، يبقى ظلماً.
حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، التي تخشاها الحكومات الغربية لدرجة أنها تحاول تجريمها، تزداد قوة. فمن الجامعات الأمريكية إلى النقابات العمالية في جنوب أفريقيا، ومن البلديات الأوروبية إلى الجماعات الكنسية في أمريكا اللاتينية، يتزايد الوعي بأن القضية الفلسطينية هي قضية كل من يؤمن بالعدالة.
إن جيل الشباب في الغرب، غير المثقل بذنب المحرقة وغير المتأثر بالدعاية الصهيونية، يرى نظام الفصل العنصري الإسرائيلي على حقيقته. وتضامنهم ليس مجرد موضة عابرة، بل واجب أخلاقي قائم على القيم العالمية للمساواة وحقوق الإنسان.
الاستعمار الجديد محكوم عليه بالفشل، حتى عندما يبدو قادراً على كل شيء.
التاريخ لا يرحم: المشاريع الاستعمارية، مهما بدت قوية، محكوم عليها بالفشل. الجزائر الفرنسية، وجنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، والمستعمرات البرتغالية – جميعها انهارت لأن تطلعات الشعوب إلى الحرية لا يمكن قمعها إلى الأبد. ولن يكون المشروع الاستعماري الأمريكي الإسرائيلي في فلسطين استثناءً من ذلك.
إن الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، يقف اليوم في الجانب الخاطئ من التاريخ، لا في جانب العدالة. فهو يدعم الاحتلال والفصل العنصري والتطهير العرقي، ويعتقد أنه يستطيع فعل ذلك دون عقاب. لكن التآكل الأخلاقي الناجم عن هذا التواطؤ في الجرائم يقوض بالفعل أسس السلطة الأخلاقية الغربية.
سيصمد الفلسطينيون لأن قضيتهم عادلة، ولأن الأرض تذكرهم، ولأن الظلم لا يدوم. وعندما يسقط آخر جدار من جدران الفصل العنصري، وعندما تنعم فلسطين بالحرية أخيرًا، سيصدر التاريخ حكمًا قاسيًا ليس فقط على المحتلين المباشرين، بل أيضًا على رعاتهم الغربيين الذين موّلوا وسلّحوا وبرروا على مدى سبعة عقود أحد أكثر المشاريع الاستعمارية وحشية في عصرنا.
وسيأتي ذلك اليوم – لأنه لن يقبل أي شعب بالعبودية الأبدية، ولن تستطيع أي إمبراطورية، ولا حتى إمبراطورية الأكاذيب، أن تحكم إلى الأبد.
*صحافي فلسطيني.
المصدر: صحيفة “نيو إيسترن أوتلوك”


