| ميشيل شحادة
تحوّلت الحرب الصهيوأمريكية على إيران ولبنان، في مرحلتها الراهنة، إلى ساحة اختبار حقيقية لنموذجين متنافسين من التصعيد العسكري، وكلاهما يحمل في طياته خطر التحول إلى فخ يصعب الخروج منه بالنسبة للولايات المتحدة التي تقود هذا المسار. فهذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبحت مختبرا مفتوحا لإرادات متصارعة، حيث يتداخل القرار السياسي بالحسابات العسكرية، ويختلط الوهم بالواقع، وتتقدم المغامرة على العقل، وتتحول كل ضربة إلى سؤال أكبر: إلى أين يقود هذا الطريق؟
حتى هذه اللحظة، لم ينجح دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية، التي بدت منذ البداية ضبابية ومتقلبة. فقد بدأت الحرب بشعار إسقاط النظام الإيراني، ثم تحولت إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ثم إلى استهداف برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي، قبل أن تنحدر إلى الحديث عن “فتح الملاحة في مضيق هرمز بالقوة”. هذا التبدل في الأهداف لا يعكس مرونة سياسية بقدر ما يكشف ارتباكا عميقا في الرؤية، وعجزا عن ترجمة القوة العسكرية إلى نتائج سياسية واضحة.
فعلى الرغم من اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وعدد من القيادات البارزة في الصف الأول خلال الضربة الافتتاحية، فإن النظام في طهران ما زال قائما، متماسكا، وقادرا على إدارة المعركة دون انهيار. كما أن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب لم يتم تأمينه أو السيطرة عليه، وهو ما يعني أن الهدف المركزي للحرب لم يتحقق. بل إن دخول حزب الله إلى ساحة المواجهة قد وسع رقعة الحرب، فيما يظل احتمال انخراط الحشد الشعبي بشكل اوسع، بل وحتى اليمن، احتمالا قائما إذا استمر التصعيد. وفي المقابل، تستمر الغارات الصهيوأمريكية بكثافة، مستهدفة البنية العسكرية والمدنية معا، ناشرة القتل والدمار والاغتيالات الغادرة على نحو يعكس، في جوهره، غياب الحسم أكثر مما يعكس القدرة عليه.
في مواجهة هذا المسار، تتقدم إيران بنموذج مختلف من التصعيد، يمكن وصفه بـ”التصعيد الأفقي”، وهو خيار لم يتشكل في لحظة، بل نُسج عبر عقود من التجربة والتراكم. نهج يقوم على الصبر الطويل، والتعلم من الضربات، وإعادة بناء القدرة في كل مرة. وكأن إيران، عبر سنوات، كانت تستعد لهذه اللحظة تحديدا، مستفيدة من كل ما مرت به من حصار وحروب وتهديدات.
هذا النموذج لا يسعى إلى مواجهة القوة العسكرية الأمريكية بشكل مباشر ومتماثل، بل إلى إعادة تعريف ساحة المعركة نفسها. فهو يقوم على توسيع رقعة الصراع جغرافيًا، عبر استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وعلى رفع كلفة الحرب اقتصاديا من خلال الضغط على شرايين الطاقة العالمية، بحيث تتحول الحرب من صراع عسكري محدود إلى أزمة دولية لا يستطيع العالم تحملها. وبهذا المعنى، لا تحاول إيران الانتصار في كل معركة، بل تسعى إلى كسب الحرب عبر تغيير قواعدها.
ومع دخولنا الأسبوع الثالث من هذه الحرب، لا تزال رحاها تدور على هذا المنوال، فيما يبدو أن الأيام المقبلة ستكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية في عالم لم يعد كما كان. فالعالم الذي كان يُدار من مركز واحد يتجه اليوم نحو تعددية قطبية متزايدة، حيث لم تعد واشنطن قادرة على فرض إرادتها دون كلفة متصاعدة. ولم يعد هذا التحول مجرد تحليل نظري، بل واقعا تتعامل معه القوى الكبرى وتبني عليه سياساتها.
في هذا السياق، يتزايد التحذير، حتى داخل الأوساط الغربية، من الوقوع في ما يسمى “فخ التصعيد”، وهو المسار الذي يتحول فيه الهجوم الأولي إلى حرب مفتوحة لا يمكن التحكم بها. ويكمن جوهر هذا الفخ في الفجوة بين النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي. فالقوات الأمريكية والإسرائيلية نجحت، تكتيكيا، في تنفيذ ضربات دقيقة واغتيالات نوعية وتدمير أهداف محددة. لكن هذه النجاحات لم تُترجم إلى تحقيق الهدف السياسي الأكبر.
وهنا تبدأ المعضلة. حين لا يؤدي النجاح العسكري إلى نتيجة سياسية، يميل صانع القرار إلى الاعتقاد بأن المشكلة في “عدم كفاية القوة”، فيلجأ إلى المزيد منها. وهكذا يبدأ الصعود على “سلّم التصعيد”، درجة بعد درجة، دون ضمان الوصول إلى الحسم. بل إن كل درجة قد تقود إلى مستوى أخطر، حيث تصبح الخيارات أكثر كلفة وأقل قابلية للسيطرة.
ويبدو أن إدارة ترامب قد دخلت بالفعل هذه المرحلة. فالضربة الأولى، رغم قوتها، لم تحسم المعركة. والحملة الثانية، رغم كثافتها، لم تغير المعادلة. ومع ذلك، يتجه التفكير نحو خيارات أكثر خطورة: اجتياح بري، احتلال جزر استراتيجية، فرض وقائع بالقوة دون اعتبار للتوازنات الفعلية. وهنا يتحول القرار من حساب استراتيجي إلى مقامرة مفتوحة على المجهول.
شخصية ترامب تلعب دورا محوريا في هذا المسار. فهو لا يعترف بسهولة بالفشل، ومأخوذ بفكرة القوة المطلقة وقدرتها على فرض النتائج. يعيش في ما يمكن وصفه بوهم السيطرة، حيث تختلط دقة السلاح بقدرة التحكم في الواقع. لكنه، في ذلك، يتجاهل حقيقة بسيطة أثبتها التاريخ مرارا: أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي لكسر إرادة مجتمع يرى في المعركة قضية وجود.
وفي المقابل، تبني إيران استراتيجيتها على هذا الفهم تحديدا. فهي تدرك أن خصمها قوي عسكريا، لكنها تراهن على حدود هذه القوة حين تواجه صمودا طويل النفس. لذلك، فهي لا تبحث عن نصر سريع، بل عن استنزاف تدريجي، وعن نقل المعركة إلى مستويات جديدة: اقتصادية، سياسية، واجتماعية.
ومن خلال استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، تسعى إيران إلى رفع كلفة الحرب إلى مستوى يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فهي لا تواجه الطائرات بالطائرات، بل تضرب في نقاط حساسة: الطاقة، التجارة، والاستقرار الإقليمي. وبهذا، تخلق ضغطا لا على الحكومات فقط، بل على المجتمعات أيضا.
وهنا يتجلى البعد الأخطر: تعميق الشرخ بين الولايات المتحدة وحلفائها، وكذلك بين هذه الحكومات وشعوبها. فالسؤال الذي بدأ يتردد في المنطقة لم يعد عسكريًا، بل بات سياسيًا وأخلاقيًا: لماذا ندفع نحن ثمن هذه الحرب؟ ولماذا تتحول أراضينا إلى ساحات لصراع تُحرّكه سياسات استعمارية لا تخدم مصالحنا؟ وفي هذا السياق، يقوم الجانب الصهيوأمريكي باستهداف مواقع حيوية في دول الخليج، مع تحميل إيران المسؤولية، في محاولة لدفع هذه الدول إلى الانخراط المباشر في الحرب، بما قد يفضي إلى تدميرها واستنزافها، ومن ثم إحكام السيطرة على قراراتها بشكل كامل.
وفي موازاة ذلك، يبدو الكيان الصهيوني وكأنه نجح في دفع واشنطن إلى معركة كانت إدارات سابقة تتجنبها. سواء عبر الضغط السياسي، أو عبر إغراء النصر السريع، أو عبر حسابات داخلية معقدة، فإن النتيجة واحدة: انخراط أمريكي أعمق في حرب مفتوحة الأفق.
أما الحديث عن توسيع الحرب، الكلام عن اجتياحات برية، سواء في إيران أو في لبنان، فهو خيار يحمل في طياته مخاطر هائلة للغزاة. فهذه المنطقة، عبر تاريخها، لم تكن ساحة انتصارات سهلة، بل أرضا أنهكت قوى كبرى اعتقدت أن تفوقها العسكري يكفي.
لا يُحسم مسار هذه الحرب في ساحات القتال وحدها، بل إلى حد كبير داخل غرف القرار والنقاشات المحتدمة في عواصم عدة. ففي الولايات المتحدة، يبرز انقسام واضح بين مؤسسات عسكرية وأمنية ومعارضة جماهيرية ونخب اجتماعية تدرك حدود القوة ومخاطر الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وبين دائرة ضيقة حول ترامب تضم تيارات صهيونية وانجيلية ومحافظين جدد تدفع نحو التصعيد وفرض الإرادة بالقوة والدم والدمار. وقد انعكس هذا التباين على علاقة واشنطن بحلفائها في أوروبا والخليج، الذين أبدوا ترددا ورفضا لمغامرات كفتح مضيق هرمز بالقوة، إدراكا لكلفتها الاقتصادية والوجودية.
وفي المقابل، تشهد إيران نقاشا داخليا بين من يسعى إلى ضبط الصراع وتقليل كلفته، وبين من يدفع نحو رد أوسع لفرض معادلات ردع جديدة. وهكذا تتحول الحرب إلى صراع بين رؤيتين: مقاومة تدافع عن الشعب والأرض والهوية والسيادة، وعدوان يسعى لإخضاع المنطقة بالقوة الغاشمة مهما كانت الكلفة.
كما أن هذا الصراع يجري في ظل تحولات دولية أوسع، حيث تراقب قوى كبرى مثل روسيا والصين المشهد عن كثب، وتستفيد من استنزاف الولايات المتحدة، وتدعم، بشكل مباشر أو غير مباشر، مسار إطالة أمد الحرب.
وفي النهاية، يبقى الخطر الأكبر في هذا المسار أنه قد يتحول إلى دوامة لا يمكن كسرها بسهولة. فكل خطوة على سلم التصعيد تفتح الباب لخطوة مقابلة، وكل رد يستدعي ردا مضادا، حتى تصبح الحرب منطقا قائما بذاته، لا وسيلة لتحقيق هدف.
وإذا استمر هذا المسار، فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها تغرق أكثر فأكثر في مستنقع لم تحسب عمقه، مستنقع قد يجعل من تجارب سابقة، مثل فيتنام، مجرد مقارنة محدودة أمام ما قد ينتظرها.


