انتصار الهزيمة على الصمود وكلابها تنبح.. عن حرب إيران نتحدث

اخترنا لك

| د. ادريس هاني*

لا يوجد تفكير استراتيجي في هذا الإنشاء الساذج الذي تنفثه وسائل الإعلام الموجهة، وذلك بسبب بسيط، أن بنية هذا الخطاب مهما تذاكر عصائبه، فهو يستجيب لقهر التمنيات لا لشروط الواقع وتوتره. لعل أخطر ما في هذه اللعبة اليوم هي أننا نتشارك اللغة والمفاهيم نفسها في التخاطب، ويمكن أن يتغلب لحن التكرار وعنف الصورة على خطاب الحقيقة، فتصبح الأزمة أزمة إدارة المصطلح. تبدو اليوم الموضوعية شطارة وتكرار وإجماع حراس الهزيمة على سردية قضتها عوامل التعرية. لن يكون الزمان دائما في خدمة الخداع، اليوم هناك هرولة جماعية لإنقاذ سردية بالية من خلال خمياء الدجل، أي تحويل الهزيمة إلى شطارة، التبعية إلى استقلال، الاصطفاف إلى موضوعية وحياد، لا تنتهي قصة هذه الكيمياء الميديولوجية، وهي عنوان التحكم والرقابة على الوعي، الإمبريالية باتت لها خيمياء تمتاح من قلب بيئية التبعية، وترعى على سمها المحلي، وهو ما تبقى من رصيد هويتها.

اليوم تغير إطار الحرب، ثمة نموذج تلاشى خلال الأربعين يوما، يستحق أن يحمل في علم السياسة ابتداء من هذا التاريخ إسم: الباراديم الهرمزي. ولهذا دلالة مكثفة، فهرمز تحيل إلى إله الحكمة في الزرادشتية القائمة على ثنوية أهورا مزدا، وهو أيضا اسم كوكب المشتري عند الفرس، وهو أقوى الكواكب جميعا. الباراديم الهرمزي هو أيضا عنوان انتقال إلى عالم ما بعد استبداد القطب الوحيد واحتكار قرار الحرب، عنوان انتصار الأمم الحرة، الصامدة، المكافحة، التي تعتبر الخراب الحقيقي هو خراب السيادة والاستقلال. لكي يدرك المرء نسبية الانتصار في الحرب غير المتكافئة، عليه أن يستوعب مفهوم النسبية في الفيزياء.

تبدو المفاوضات اليوم معقدة، رغم الحماقة التي يحملها خطاب التمنيات، فالحرب هناك أكبر من أن يستوعبها من لا وزن لهم في معادلة الصراع وقواعد الاشتباك. لا داعي للشماتة والمقاربات الفضولية البليدة التي تبدأ مع طلوع الشمس على منتصف الليل. إن النزاع اليوم هو حول نزع سلطة القرار من الإمبريالية وفرض احترام إرادات الأمم الحرة، وهذا لعمري في مصلحة عالم الغد، وفي مصلحة حتى المنطقة الغارقة في سردية الايرانوفوبيا المزمنة.

تبدو الكوميديا السياسية في ذروتها حين يغيب السيد ويغادر البيت إلى حين، بينما يغتنم عبيد المنزل الفرصة لكي يعتمروا قبعة السيد ويتهجوا شرب أعقاب سجائره، فيبدؤوا في انتحال صفة السيد، إلى حد السكر وتصديق أنفسهم، وهو الهوس المفرط الذي يعكس حالة ال(La mythomanie).

هذه الوضعية الكاريكاتورية لعبيد المنزل، تعكس حقيقة ما يجري اليوم على بلاتوهات وسائل الذل والإعلام. فكل تمنيات حرافيش التبعية هو أن يخرج شمشون الجبار منتصرا في هذه المعركة، وهم مستعدون لأن يؤازروه في معركة لن يظفروا فيها إلا بخيبة أمل كبرى، لأن العالم يتغير رغم أنف التمنيات البليدة.

لقد استهترت القوى الإقليمية بحقائق الجغرافيا، وتمادت في التجهيل السياسي، ولم تضرب حسابا لانقلاب الصورة يوما. لقد تطورت أساليب الدجل طيلة زمن الهزيمة، حيث طورت المقاومة أساليب المواجهة. هل يا ترى سيتحقق حلم المهزومين الذين بمواقفهم يؤكدون على يأسهم من السيادة والاستقلال، يتصرفون تحت سقف التبعية بمفخرة العبيد؟

لقد مسكت طهران الإمبريالية وأذنابها من لغاديدهم، من هرمز الذي لا بديل عنه في تدفق الطاقة على العالم. الحرب هناك لن تكون نزهة، ولكنها حين وقعت تعين تحويلها إلى فرصة لإنهاء الفصل الأخير من سردية كلاسيكية عاشت على استهلاكها المنطقة، والأغرب من ذلك لا زال طيف من سنافير الهزيمة يحلمون بكأس المدام تحت أقدام شمشون.

مفارقات ومهازل الأمة في هذه الفجوة الانتقالية هي اليوم في ذروتها، هم لن يخسروا شيئا، لأنهم أصلا لم يأتوا من شيء. لقد تنوعت مشاربهم، وهم اليوم يدفعون ضريبة حصاد مواقفهم الغبية.

وللهزيمة كلاب تنبح

في التحليل النفسي للخبراء السبهللا الذين تفرضهم قنوات الاستغباء على المتلقي، وبهم تحرس بوفاء هزيمتنا المزمنة، وجب الوقوف عند فلتات اللسان، التكرار، الثيمة الأساسية، ردود الفعل، النظرات، اهتزاز الفرائص، العدوانية، الاستفزاز…لا توجد في البرية ملة تفخر بتبعيتها مثل هذه الملة، ولا توجد ملة من بين الملل تحمل عناء الدفاع عن موقف ومخطط العدو وتخلع عليه صفة البراءة، كهذه الملة، ولا توجد عصابة من بين كل العصائب غير معنية بشلال الدم وجرائم عدو فتك بالمدنيين والأطفال وصنع كل هذه المواجع، مثل هذه العصائب.

العصائب التي تنتقيها قنوات التبعية المقنعة لتجلد المشاهد بتافه الخطاب وأرعن الرأي، تحمل مسؤولية تاريخية كشريك في تبرير العدوان. هذه العصابة تشترك في تعبيراتها العدوانية غير السوية متى تعلق الأمر بقضية واحدة: التحذير من أن تخرج إيران منتصرة من هذه المعركة. كل هذا النشاط الإعلامي هو من أجل اعتراض تطور الوعي العام، التآمر السافر على الدماغ. بعضهم يمني نفسه بالاعتراض على القول بتحقيق هذه الأخيرة لمكتسبات في هذه المعركة، فهو يهون من كل أمر ليعزز صورة بلد ابى إلا أن يراه مهزوما كما هو في تمنياته. الصمود مؤلم بالنسبة لقبائل الذل والهوان والكيد. والبعض ينسى الموقف ويعبر عن الخشية، وأن بلدا مثل إيران لو انتصر فسيكون هذا وبالا على الجوار. والحق أن الجوار يخشى على إفلاس سرديته الفاشلة، يخشى من انقلاب الصورة. وهناك مخططات لمنع إيران من تحقيق انتصار سيادي، يخشى الجوار هذا الانتصار أكثر من ترامب ونتنياهو، ومن هنا تأتي المغامرات الحمقاء.

ليس في حضور قنوات الذل والعدوان أي قيمة مضافة غير التكالب ضد الحقيقة. سلاح مقاطعة المتحدث متى تعلق الأمر بتقدير موقف من خارج ضغط تيار الهزيمة، تقليد يمارس بوقاحة منها أو منه على السواء. هل نحن مجبرون على مشاهدة برامج همجية تؤطرها بيئة السياسية الرجعية؟

إنها أيضا حرب إعلامية غير متكافئة، خبراؤها المزيفون هم سقط متاع حوادث التاريخ، مدراؤها من منابت السوء. وفي المقابل، أين إعلامنا “الأخوت“؟ أين ذكاءه وحدسه؟ أين شطارتهم؟ لشد ما هو بائس إعلام جبان متودد للمنافقين، يتبع كل ناعق.

التشريح الدقيق لهذه الكائنات البليدة التي تزفها محطات الهزيمة _ الهزيمة هنا تقدم نفسها بوقاحة المفارقة: “انتصار الهزيمة” على الصمود_ أحيانا إلى حالات ذهانية فائقة، متلبسة بالوقاحة والجبن في آن واحد. هي الوقاحة نفسها التي تجعل جرذا كنغريا يقول بأن ترامب هو الذي عرف كيف يتعامل مع إيران، وحذر آخر من خروج إيران منتصر من هذه الحرب، وثالث يبكي حظه العاثر وهو يتحدث عما يجب أن يفعله ترامب، وكأنه يحضر في غرفة العمليات، في معركة تتجاوز العبيد. ولا قيمة لكل هذا الإنشاء الأحمق، لعصائب زمن الذل والتفاهة.

تتكرر صور العدوانية في هذا الدياليكتيك الفاقد لروح السياسة والقوانين، يتحدث بيادق الرجعية عن السياسة في إيران بلغة مونتسكيو، وبهذه الاستذة البلهاء ينسون بأنه لا دستور لهم، وأنهم لا يملكون مثالا ديمقراطيا يضاهون به الأمم، ولكنها الوقاحة جاحظة العينين.

ما يجهله هؤلاء الجبناء، هو أن الشعوب، وأقصد ضحايا الخرف العقلي العربي، تواجه تحدي انقلاب الصورة، وهي اليوم تشاهد من دون وسطاء الشر الميديائي، بأن سردية الدجل المزمن تهشمت على مدخل هرمز، وفي صمود الجنوب الذي لا بواكي لشهدائه ومعذبيه، والأشطر من بين عصائب التشنيع الكلاسيكي من هرب اليوم إلى الأمام وأعلن من دون اعتراف ولا اعتذار ولا توبة نصوح من عوائد التشنيع، بأنه في طليعة التضامن مع من اعتبرهم حتى حين قادة مسرحية كاذبة، خوفا من أن يهرب الجمهور ويكتشف عقودا من الإساءة والاصطفاف الملتبس؛ معكم إن غلبتم وطاعنين إن تكالبت عليكم الأمم، وقوم آخرون مصابون بمركب ستوكهولم لا يحسنون غير التملق وخفض الجناح في السياق الخطأ حيث وجب ركل المعتدي بلا هوادة.

هذه مرحلة حساسة في تاريخ أمة احتدم فيها الصراع حول السردية الأنجع للاستجابة للتحدي، فقسم من هذه الأمة غير معني بالمجد والقوة و السيادة، ويظن أن لحس صباط الإمبريالية سيمنحه شرف عبيد المنزل، لكن المخاض اليوم شديد، وعالم متعدد الأقطاب قادم سيمنح أهل الصمود المكانة المستحقة رغم أنف المرجفين، وهذا هو ما تخشاه الجرذان الكنغرية التي يقدمها المتذاكون من قنوات الذل المرصع بالذهب، ناثرا بلادته على القطيع، مع أنهم في نظرنا بلداء بامتياز، ولا نرى في وجوههم إلا غبرة ترهقها قترة؛ بقية ذل الأمم…

*كاتب مغربي

أحدث العناوين

كيف تحولت أزمة مضيق هرمز إلى طوفان يهدد صناعة البلاستيك

إغلاق مضيق هرمز كشفت عن وجه آخر، أكثر تعقيداً وأشد فتكاً من أزمة الوقود ؛ حيث انتقلت شرارة التوتر...

مقالات ذات صلة