هل يوجد “خلاف” بين نتنياهو وترامب بشأن إيران؟ 

اخترنا لك

أصبح التصاعد والهبوط السريع لمؤشرات التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، هو “الروتين” الرئيسي لحالة وقف إطلاق النار الهش: يتم الإعلان -من جانب واشنطن بشكل أساسي- عن تحقيق تقدم في المحادثات، ويتم تسريب بنود التفاهم المزعوم وتثير جدلا، ويعود ترامب إلى التهديد، وهكذا.

 ضرار الطيب- الخبر اليمني:

ليس من الواضح ما إذا كان ذلك يعكس بدقة حجم اضطراب العملية التفاوضية نفسها، لكنه بالتأكيد يعكس حجم تخبط الولايات المتحدة، لأن تصريحات المسؤولين الإيرانيين متماسكة ومتسقة مع نفسها بشكل واضح على امتداد فترة الحرب والمفاوضات، على عكس التصريحات الأمريكية.

بعد عودة ترامب من الصين، ومع اقتراب الحرب من إتمام شهرها الثالث، عاد الحديث مجددا عما إذا كانت المواجهة العسكرية ستستأنف أم لا، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي هذا الأسبوع عن اتفاق يتم وضع اللمسات الأخيرة عليه، لكن التفاصيل التي تم تسريبها من قبل وسائل الإعلام الأمريكية، أشارت إلى “مذكرة تفاهم” تشبه إلى حد ما تلك التي لم يتم التوقيع عليها في وقت سابق، وتتمحور هذه المذكرة حول “اتفاق إطاري” يتضمن فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأمريكي لمدة شهرين مع تثبيت وقف إطلاق النار، بما في ذلك على الجبهة اللبنانية، والتفاهم بشأن إخراج اليورانيوم المخصب من إيران مقابل رفع العقوبات وإطلاق الأموال الإيرانية المجمدة، على أن يتم مواصلة التفاوض حول اتفاق نهائي خلال هذه الفترة.

لاحقا، نفى الإيرانيون القبول بتسليم اليورانيوم المخصب، وأكدوا أن مذكرة التفاهم لا تنهي سيطرة طهران على المضيق أو إعادته إلى وضع ما قبل الحرب، وأنه لم تتم الموافقة على ربط إنهاء العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة بالملف النووي، وعاد ترامب ليعلن أن الحصار البحري سيستمر إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، وأن الولايات المتحدة ليست مستعجلة على إبرام صفقة.

فرضية “الخلاف الأمريكي الإسرائيلي”:

توجد فرضيتان أساسيتان لقراءة المشهد:

الأولى أن ترامب يريد فعلا اتفاقا جزئيا مع إيران يضمن استمرار وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز كحد أدنى، وذلك للتخلص من الضغوط المتزايدة التي تسببها حالة الجمود مع تصاعد التداعيات الاقتصادية، ولكن إسرائيل ترفض هذا المسعى تماما.

هناك الكثير من المؤشرات التي تعزز هذه الفرضية، فالضغط الذي تواجهه الولايات المتحدة واضح وكبير، والحرص المتكرر على إظهار وجود “تقدم” في المحادثات يوضح مدى حاجة واشنطن إلى تهدئة الأسواق، ويبدو أن إيران نفسها لا تعارض “من حيث المبدأ” التفاهم على فتح مضيق هرمز مع الاحتفاظ بسيطرتها عليه مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي مع تثبيت وقف إطلاق النار بشكل فعال، بما في ذلك في لبنان.. لا يوجد أي “انتصار” لترامب في هذا السيناريو، لكن توجد فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وطمأنة الأسواق، حسب مسؤول أمريكي.

ووفقا لـ (سي إن إن) فإن “أفضل أمل لإنهاء حرب سيئة التخطيط، والتي بدأت بمشاورات ضئيلة مع الكونغرس أو الشعب الأمريكي، قد يكون سلاماً غير مُرضٍ يترك القضايا الحاسمة ليتم حلها لاحقاً ويزيد من حدة الصراع في واشنطن”.

وفي الوقت نفسه، هناك الكثير من الدلائل على أن إسرائيل تعارض تماما هذا التوجه، فقد كشفت تقارير أن نتنياهو أجرى مكالمة “متوترة” مع ترامب قبل أيام بشأن المفاوضات على مذكرة التفاهم، وخصوصا فيما يتعلق بلبنان الذي تريد إسرائيل الاحتفاظ بـ”حرية العمل” ضده، وقد كتب رئيس الوزراء الاسرائيلي لاحقا أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يضمن تفكيك المنشآت النووية في إيران والتخلص من اليورانيوم الإيراني المخصب، وهو ما يرى الكثيرون أنه محاولة إسرائيلية لتصوير ترامب وكأنه استسلم، من أجل دفعه للتراجع، ولوحظ أن وسائل الإعلام الإسرائيلية والأمريكية الداعمة لإسرائيل تبنت هذا الطرح بشكل مكثف.

وفي هذا السياق أيضا عبر “صقور” الحزب الجمهوري (وهم من أبرز الداعمين لإسرائيل) عن قلقهم بشأن “استسلام ترامب” وهو ما يعكس ضغطا إسرائيليا واضحا على ترامب للتراجع عن الاتفاق مع إيران، خصوصا وأنه معروف بهوسه بشأن “صورته”.

في مقابل ذلك، بدا ترامب وكأنه يكافح للموازنة بين حاجته لاتفاق مع إيران، والضغوط الإسرائيلية، فبعد أن بشر بوضع اللمسات الأخيرة للاتفاق، عاد للحديث عن استمرار الحصار و”عدم الاستعجال”، ثم تحدث مجددا عن مفاوضات مستمرة بشكل إيجابي مع إيران على أساس “اتفاق شامل وجيد أو لا اتفاق على الإطلاق”، مهددا بعودة القتال، كما أعلن أنه أبلغ دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية وقطر، بأنه سيكون عليها الانضمام إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل “بشكل إلزامي” وإلا لن تكون جزءا من أي اتفاق مع إيران، وهو ما نظر إليه البعض كمحاولة لإرضاء إسرائيل الرافضة تماما للاتفاق.

على أية حال، إذا فرضنا أن ترامب يحاول “إقناع” إسرائيل بالاتفاق، فإن ذلك لا ينجح كما يبدو، حيث تطور الموقف الإسرائيلي الرافض، مساء الاثنين، إلى إعلان رسمي عن تصعيد العمليات العسكرية ضد لبنان، وهي خطوة لا يمكن تجاهل توقيتها، إذ ستعرقل بالتأكيد أي تفاهم أمريكي إيراني، لأن قبول إيران بفصل الساحة اللبنانية عن أي اتفاق غير وارد على الإطلاق.

فرضية “التفاوض لأجل التفاوض”:

الفرضية الثانية هي أن ترامب هي أنه لا يوجد خلاف حقيقي بين ترامب ونتنياهو، وأن الرئيس الأمريكي يواصل مناوراته الرامية لكسب الوقت وإرباك المشهد، بما في ذلك إعطاء الأسواق آمالا زائفة، وربما محاولة استغلال المحادثات لتتبع موقع القائد الأعلى الجديد لإيران.

برغم أن الكثير من المؤشرات لا تعزز هذه الفرضية، فإن العديد من التجارب تشير إلى أن قضية الخلافات الأمريكية الإسرائيلية كثيرا ما يتم تضخيمها، وربما عن عمد للتضليل.

زعمت بعض التقارير أن نتنياهو أبلغ المقربين منه بأنه يواجه صعوبة في التأثير على قرارات ترامب مع إيران، وهو تصريح مثير للتساؤلات ومضلل على الأرجح، لأن ترامب لم يمتلك أبدا “حصانة” من التأثير الإسرائيلي على قراراته وخصوصا بشأن إيران، ولا يمكن حتى القول إنه يسعى لامتلاك مثل هذه الاستقلالية.

لترامب مصلحة واضحة من “إظهار” الحرص على إبرام اتفاق مع إيران، لأن ذلك يطمئن الأسواق، وقد انخفضت أسعار النفط بالفعل، كما يساعد على التعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية التي تواجهها واشنطن، بل وحرف مسار اتجاه هذه الضغوط نحو مطالبة إيران بإبداء المزيد من المرونة، لاستغلال فرصة التجاوب الأمريكي، بالإضافة إلى ترسيخ مسألة صعوبة ضم لبنان في أي اتفاق، و”الحاجة” إلى تجاوز هذا الشرط، أو ربما تخفيفه او تعديله بشكل يقلل فاعليته ويجعله غير ملح أو غير أساسي لهذه المرحلة من التفاهمات على الأقل.

لقد بدأت إيران مؤخرا بالفعل بالسماح للعديد من السفن بعبور مضيق هرمز وفقا للآلية التي حددتها، ويبدو أن “الحصار الأمريكي” قد تجمد عند مستوى معين “غير فعال”، ومن الطبيعي أن تنظر إيران بإيجابية لانخراط قطر في العملية الدبلوماسية، كـ”ضامن” على الأرجح للأجزاء المالية من الاتفاق، وربما كطرف فيه بالنظر إلى أن الاتفاق النهائي قد يتطرق إلى وضع القوات الأمريكية في المنطقة.

يمكن القول إن الأجواء “الإيجابية” موجودة بالفعل، ولكن ربما يكون هدف ترامب هو الإبقاء على هذه الأجواء وتثبيتها كغطاء دائم -قدر الإمكان- للمناورة وكسب الوقت، بدلا عن أجواء الجمود ارتفاع أسعار النفط وانعدام الحركة الملاحية في المضيق.

لم يكن ترامب منذ البداية يريد إبرام اتفاق حقيقي مع إيران، وقد استغل أجواء وقف إطلاق النار وجولات التفاوض في باكستان، للمناورة، وعندما رفضت طهران تمديد وقف إطلاق النار بشكل رسمي واستئناف جولات التفاوض، خسرت واشنطن الغطاء “الإيجابي” الذي كان يمنح الأسواق بعض الأمل ويخفف الضغوط، وقد حاولت استعادته طيلة الفترة الماضية.

بعبارة أخرى: لن تكون هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها قوة معتدي، عالقة بين القبول بالهزيمة أو العودة إلى حرب لا يمكن كسبها، إلى سياسة “التفاوض لأجل التفاوض” من أجل الخداع وكسب الوقت والتهرب من الضغوط.

وخلافا لـ”تفاهمات” سابقة تمت مناقشتها وسقطت بسرعة، فإن “الاتفاق” الذي يدور الحديث حوله الآن، قد خلق بالفعل أجواء من “التفاؤل” ليس بالتوصل إلى حل بالضرورة، بل بإمكانية استمرار التفاوض لفترة، وهو ما يمكن تستغله الولايات المتحدة، من خلال عدة أساليب منها، المزج بين التفاوض على الاتفاق النهائي والتفاوض على الاتفاق الإطاري، لإبقاء أفق “الحل” مفتوحا، وبالتالي تبقى الأسواق متمسكة بالأمل، وتقل مؤشرات عودة التصعيد.

سقف المرونة الإيرانية:

تتقاطع الفرضيتان السابقتان عند نقطة رئيسية واضحة هي أنه لا يمكن الحكم بوجود إمكانية لإبرام صفقة متوازنة مع الولايات المتحدة، فسواء كان هناك خلاف بين ترامب ونتنياهو أو لا، يحتاج الاتفاق الإطاري على الأقل إلى تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان وإلى رفع الحصار الأمريكي، فضلا عن ضمانات والتزامات بشأن قضية رفع العقوبات والأموال المجمدة وغيرها، ومن الجلي أن موضوع لبنان بالذات يشكل تحديا كبيرا حتى الآن.

وبالتالي فإن استمرار التفاوض يعتمد على ما إذا كانت إيران ترى أن هناك فرصة فعلية للتوصل إلى تفاهم حقيقي متوازن، وأن المزيد من الوقت والتجاوب يمكن أن يعالج العوائق التي تواجه هذا التفاهم.

الحقيقة أن المسؤولين الإيرانيين لا ينفكون عن تأكيد عدم ثقتهم بالولايات المتحدة، وتجربتهم التفاوضية خلال الشهرين الماضيين تشير بوضوح إلى أن لدى طهران سقفا معينا للمرونة والتجاوب لا تتجاوزه، وبالتالي إذا رأت أن التفاوض أصبح بحد ذاته “هدفا” أو أن ترامب يحاول الإقدام على خطوة تصعيدية ما، أو أنه لا يستطيع ضمان تنفيذ الالتزامات الأساسية للاتفاق الإطاري، فإنها لن تتردد في إعادة ضبط المشهد بسرعة من خلال إجراءات ميدانية مناسبة، أو تعليق المحادثات على الأقل.

وفي حال أقدم ترامب على محاولة فرض شروط غير واقعية أو اتجه نحو خطوة تصعيدية ما كما فعل قبل أسابيع أثناء التفاوض على “مذكرة تفاهم” سابقة، فسيظهر بوضوح أن فرصة التوصل إلى أي تسوية حقيقية مبدأية أو نهائية ضئيلة جدا، وأن الموقف الإسرائيلي هو الأساس في جبهة العدو، بغض النظر عما إذا كان هناك خلاف بين نتنياهو وترامب أو لا.

وبرغم أنه من غير المستبعد أن تتراجع إسرائيل عن التصعيد ضد لبنان لاحقا، بفعل تعاظم خسائرها نتيجة ضربات “حزب الله”، فإن نتنياهو سيحرص بالتأكيد على إبقاء مسافة واضحة تفصل الجبهة اللبنانية عن أي اتفاق مع إيران، وهو ما سيوضح المزيد عن طبيعة الموقف الأمريكي الإسرائيلي.

أحدث العناوين

الثاني خلال ساعات.. تهديد أمريكي جديد لسلطنة عُمان

وجه وزير الخزانة الأمريكي، اليوم الخميس، تهديدا لسطلنة عُمان بخصوص قرارها التنسيق مع إيران، حول آلية عبور السفن في...

مقالات ذات صلة