صراع الروايات الاستعمارية الكاذبة

اخترنا لك

| عماد الحطبة

قد يبدو العنوان غريباً، فالصراع يدور عادة بين روايتين أو أكثر، تفترض كل منهم أن تمتلك ناصية الحقيقة وترمي الأخريات بتهم التضليل والكذب.

وتتبع الروايات المختلفة لجهات مختلفة، تقرأ الأحداث بما يناسب مصالحها وتوجهاتها. لكن الزمن الاستعماري الجديد لم يبقِ شيئاً غريباً (حتى الشيطان نفسه)، وأصبح الكذب البواح الذي يصدر عن نفس الجهة يتصارع مع نفسه ليترك المتابع في حيرة من أمره، إذ لا خيار أمامه سوى اختيار واحدة من الروايات التي يعرف أنها جميعا كاذبة. لم تعد هذه الروايات الكاذبة تقتصر على خبر في صحيفة صفراء، أو على قناة فضائية امتهنت الكذب منذ إنشائها، بل أصبحت سياسة تنتهجها دول صغرى وأخرى عظمى.

في خبر نشرته صحيفة هآرتس الصهيونية، تحدث الكاتب عن قرار من جيش العدو بوقف هدم قرى الجنوب اللبناني كجزء من قرار وقف إطلاق النار، وتحدث نفس الخبر عن نفي قيادة أركان جيش العدو هذا الخبر، وعاد لتأكيد أن هناك اتفاق لبناني – “إسرائيلي” على هذا البند خلال المفاوضات المباشرة، وقبل أن تتملك أي شخص الحيرة هو حقيقة الموقف جاء الرد من طيران العدو الذي أغار على أكثر من بلدة ومنطقة لبنانية، بما في ذلك اغتيال ضابطين لبنانين وجندي مرافق لهما في منطقة تبنين.

نفس الرواية تتكرر يومياً على لسان مسؤولي الإدارة الأميركية وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب. في الصباح حديث عن اقتراب التوصل إلى اتفاق، في الظهيرة يتصاعد الحديث عن قرب استسلام إيران للشروط الأميركية، في المساء أو قبيل الفجر عدوان أميركي على الأراضي الإيرانية، ورد إيران ساحق يؤكد ثبات وصلابة الموقف الإيراني، لتعيد الإدارة الأميركية الكرّة من جديد في الصباح التالي.

تتسع الدائرة عند الحديث عن اتفاق “سلام” بين لبنان وكيان العدو. رغم أن الجميع بما فيهم أشد المناصرين والقائمين على الاتفاق المزعوم يعلمون أن ما يدور الحديث عنه، ليس سوى اتفاق استسلام، في نسخة أكثر انبطاحا من اتفاق 17 أيار، وأنهم يعلمون أن أقلية سياسية ذات قلق طائفي لن تستطيع فرض مثل هذا الاتفاق على الشعب اللبناني مهما بدا مقسما، إلا أن الرواية الكاذبة تقول أن جنة “السلام” الموعودة باتت قاب قوسين أو أدنى، لولا تعنت حزب الله ورفضه تسليم سلاحه، والدعم الذي يلقاه من حركة أمل ممثلة برئيس مجلس النواب.

هذه الرواية الكاذبة تختصر الرافضين والمقاومين بالطائفة الشيعية، والتاريخ يقول عكس ذلك. هل ننسى معروف وأسامة سعد، وكمال جنبلاط، وإبراهيم قليلات، ونجاح واكيم وخليل وجورج حاوي، وسليم الحص، ورشيد كرامي.

هذه الرواية لا يكذبها التاريخ فقط، بل والحاضر، فعلى مدى 15 شهرا من وقف إطلاق النار، لم تتوقف آلة القتل الصهيونية عن استهداف لبنان وأهله، ورغم صبر قوى المقاومة على الخروقات إلا أن وتيرة النار لم تنخفض، بل تصاعدت لتفرض اتفاق الاستسلام على الدولة اللبنانية تحت النار. لم يكن أما حزب الله وقوى المقاومة، إلا فرصة حدوث حرب كبرى، كالعدوان الصهيو – أميركي على إيران للدخول إلى المعركة، وإفشال مشروع الاستسلام، منذ بدايته. ودفعت المقاومة والشعب اللبناني الثمن الذي دفعته كل شعوب الأرض التي ناضلت في سبيل حريتها واستقلالها، دون أن ترهب دموع التماسيح التي يذرفها المتباكون على السيادة من بوابة تل أبيب.

نفس الرواية تتكرر في الجنوب، في غزّة التي تدفع ضريبة الدم منذ ثلاثة سنوات، فمنذ وقف إطلاق النار المزعوم في 11 تشرين ثاني (أكتوبر) 2025، استشهد 961 فلسطينيا، وأصيب 3020 رغم أن رصاصة واحدة لم تطلق من القطاع منذ سريان وقف إطلاق النار، وتبدو الرواية أوضح عندما نعلم أنه منذ بداية العدوان الصهيوني على غزّة سقط في الضفة 1012 شهيدا، و9034 جريحا، رغم وجود سلطة متواطئة مع العدو متعاونة معه إلى نقطة لن يصلها لبنان في أي اتفاق.

أنتمي إلى جيل كان يستمع أهله إلى الإذاعات الغربية بما فيها إذاعة العدو للحصول على الأخبار الدقيقة عمّا يدور في منطقتنا. كانت ال BBC تصدح في كل بيت من بيوت الوطن العربي تنقل الأخبار وتدس السموم التي تلبس لباس الحياد والحقيقة، فهل فقدت آلة الإعلام الغربي قدراتها، حتى تلجأ إلى هذا الكم من الأكاذيب المكشوفة، أم أن التقنية وعصر التواصل الاجتماعي دفعا بوسائل اٌعلام التقليدية من راديو وتلفزيون وصحف إلى مواقع متأخرة في سلم مصادر الأخبار؟

أرى أن كلا السببين غير دقيق، فقدرة وسائل الإعلام الغربية على غزو العقول تجاوزت كل ما عرفته البشرية عبر تاريخها، أما وسائل التواصل الاجتماعي فهي مليئة بالأخبار والروايات الكاذبة، من خلال الخوارزميات الخاضعة لسيطرة المراكز الاستخبارية في الغرب ومنطقتنا.

ما حدث هو أن الواقع تجاوز قدرة الآلة الدعائية الغربية على استيعابه، فلم تجد أمامها ملجأ سوى الكذب والتلفيق. كيف يمكن لهذه الآلة صياغة رواية فيها شيء من الحقيقة عن صمود بضعة مقاتلين في غزّة أمام واحدة من أشرس أدوات القتل الاستعمارية: “إسرائيل؟ أو عن حركات مسلحة غير منظور مقارنة بقوة الولايات المتحدة على تحدي الدعم الأميركي للعدو والانخراط في المعركة والحديث هنا عن حزب الله وأنصار الله؟ أو وصف قدرة دولة نامية مثل إيران على تحدي الغطرسة الاستعمارية، وتوجيه ضربات قاصمة للعدو في كل مكان في المنطقة، والاعلان عن إغلاق واحد من أهم الممرات المائية في العالم، فتأتي دول كبرى متذللة معلنة أنها ليست جزءا من العدوان، لتحصل على الموافقة الإيرانية لمرور سفنها؟

لا مجال أمام فداحة الخسائر على أرض الحقيقة سوى المزيد والمزيد من الروايات الكاذبة، فالمستعمر اليوم لا يكتب الرواية إذ أصبح موضوعها.

 

المصدر: “الميادين نت”

أحدث العناوين

Smallpox threatens shelters and camps in Gaza

As the forced displacement crisis continues, shelters and tents have become breeding grounds for disease due to a lack...

مقالات ذات صلة