تهديدات متبادلة بين صنعاء والرياض: مواجهة شاملة أم “حل إجباري”؟

اخترنا لك

| علي ظافر

تدخل مرحلة “خفض التصعيد” القائمة بين الرياض وصنعاء منذ أربع سنوات مرحلة حرجة جداً على وقع تبادل التهديدات والتلويح بخيارات عسكرية في ظلّ انسداد الأفق، وتجميد “خارطة الطريق” التي اتفق عليها الطرفان بوساطة عمانية وكان يفترض إعلانها عبر الأمم المتحدة قبيل اندلاع معركة “طوفان الأقصى” قبل ثلاث سنوات لولا تملّص الرياض من تنفيذها مدفوعة برهانات خاطئة على ما يمكن أن يفرزه العدوان الأميركي الإسرائيلي في المنطقة من نتائج ووقائع تخوّل أميركا وحلفاءها وتحديداً السعودية و”إسرائيل” من فرض إملاءاتهم.

إنّ ما دفع صنعاء لرفع “الكرت الأحمر” في وجه الرياض، والشروع في مرحلة جديدة وحاسمة مرتبطة باستحقاقات شعبية وسيادية أبرزها: إنهاء الحصار والاحتلال واستعادة السيادة والثروة الوطنية كاملة من دون انتقاص؛ هو استمرار النظام السعودي في “احتلال مساحة واسعة من اليمن”، وفرض الحصار وتصعيد الحرب الاقتصادية والاستحواذ على ثروة اليمن السيادية من النفط والغاز وتوريد إيراداتها إلى البنك الأهلي السعودي من دون أن ينتفع بها الشعب شمالاً وجنوباً في دفع المرتبات والخدمات، إلى جانب استمرار الرياض في “تجييش الميلشيات والتكفيريين” وصناعة الموت بكلّ أشكاله وتفريخ تشكيلات مسلحة تهدّد النسيج الوطني وتقسّم اليمن وتفخّخ حاضره ومستقبله، وتلك العوامل مجتمعة بنظر صنعاء تدعو إلى إعادة النظر في “مرحلة خفض تصعيد” صعّد فيها العدو كلّ أنواع الحروب.

دعوة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بداية العام الهجري سرعان ما ترجمت ولا تزال بترحيب رسمي وشعبي وسياسي، وحالة استنفار شاملة وجاهزية كاملة لدى سائر القبائل اليمنية، أعقبتها خطوة عملية على طريق كسر الحصار بأن حطّت طائرة مدنية إيرانية في مطار صنعاء الدولي فجر يوم الجمعة الماضي محمّلة بأكثر من 200 مريض وعالق من أبناء اليمن، وعادت إلى إيران محمّلة بـ 200 مريض وعالق يرافقهم وفد الجمهورية اليمنية الرسمي والشعبي للمشاركة في تشييع القائد الأممي الشهيد السيد علي الخامنئي.

هذه الخطوة الإنسانية الإيرانية المقدّرة لدى اليمنيين كسرت الحصار من دون إذن مسبق من الرياض التي تنصّب نفسها وصياً على اليمن وسيادته، تصرّف النظام مقابل هذا بعدوانية وحالة هستيرية مفرطة، إذ عمد من فوره إلى إرسال تشكيل من المقاتلات الحربية السعودية لمحاولة منع الطائرة الإيرانية من الهبوط وكأنها ستحطّ في مطار الرياض، لولا أنّ الدفاعات الجوية اليمنية تصدّت لها فوراً وأجبرتها على مغادرة أجواء اليمن وفق ما كشفه متحدّث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع في بيان متلفز يوم الجمعة الماضي، محذّراً “العدو السعودي من تكرار أيّ محاولة لخرق الأجواء”، مهدّداً بأنّ “أيّ عدوان سعودي يستهدف بلدنا سيقابل بردّ شامل يستهدف مطاراته ومصالحه الحيوية في البر والبحر”، وشدّد على معادلة كسر القيود برفض “استمرار الحصار السعودي الأميركي الظالم على بلدنا” متوعّداً باتخاذ “كلّ الخطوات المشروعة لإنهائه” وأكّدت القوات المسلحة اليمنية “استمرار الرحلات بين مطاري صنعاء وطهران لفكّ الحصار والمعاناة عن شعبنا اليمني العزيز والمظلوم مهما كانت النتائج والتداعيات”.

في المقابل ظهر موقف النظام في حالة من الارتباك الواضح ومحاولة الهروب إلى الأمام من الالتزامات الإنسانية واستحقاقات السلام، حيث خرج المتحدّث باسم وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي (انفرط التحالف)، ببيان مليء بالمغالطات والأكاذيب ومشحون بالغطرسة السعودية من دون أن يأتي على ذكر إيران، محاولاً تمييع الحادثة وتبرئة نظامه من سجلها الحافل بالجرائم، معتبراً أنّ تصريحات صنعاء “محاولة لصرف الأنظار عن انتهاكاتها الجسيمة” ضدّ نفسها وشعبها و”تصدير المشكلات الاقتصادية ومعاناة الشعب اليمني إلى محيط اليمن الإقليمي ودول الجوار” مدّعياً أنّ صنعاء “رفضت التوقيع على خارطة الطريق”، وتوّج تلك المزاعم والمغالطات بتهديد عسكري بالضرب بـ “كلّ حزم وبقوة غير مسبوقة للتصدّي لأيّ محاولات لاستهداف المملكة ومواطنيها ومقدّراتها الوطنية أو محاولة انتهاك سيادة الجمهورية اليمنية”.

وهذه النقطة هي الأكثر وقاحة في البيان بأن يضع النظام السعودي نفسه في إطار “الحامي والوصي على اليمن واليمنيين”، وهو بعلم كلّ العالم من اعتدى على سيادة الجمهورية اليمنية ودمّر بنيتها شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وقتل عشرات الآلاف من أبنائها ونهب ثرواتها النفطية والغازية وحاصرها وجوّع أهلها وحرم موظفيها من مرتباتهم ولا يزال منذ 11 عاماً، كما أنه فكّك نسيجها الاجتماعي والسياسي ومزّق جغرافيتها في كلّ الاتجاهات، وممن يحمي اليمن؟ من أهل اليمن أنفسهم! وهذه لعمري من نكبات الدهر.

أمام ما سوّق له النظام السعودي من الدعايات الزائفة والمغالطات الكاذبة، دخلت وزارة الخارجية اليمنية على خط المواجهة سياسياً لإيضاح الصورة للرأي العامّ، ودعم ما جاء في بيان القوات المسلحة اليمنية، وفي بيانها الناري فنّدت الخارجية في صنعاء الرواية السعودية بالكامل، معلنة أنّ خطوة يوم الجمعة ليست سوى الأولى في معادلة كسر الحصار، مؤكّدة أنّ “مطار صنعاء الدولي مطار سياسي وإعادة تشغيله لا تحتاج إذناً من أحد”، وأنّ “الشعب اليمني بمؤسساته كافة اتخذ قراره بإنهاء العدوان وكسر الحصار ولن يتراجع عن ذلك مهما كلّفه من ثمن”، موجّهة تحذيراً مباشراً للنظام السعودي بأنّ عليه أن ينظر إلى حقول النفط وأرامكو وينبع وبقية الموانئ وبورصته ورؤية 2030 لعلّه يعود إلى رشده”، وكأنها تعدّد قائمة من بنك أهدافها في أيّ مواجهة مقبلة.

بيان الخارجية لم يخلُ من الرسائل السياسية التي ترسي السلام العادل، ففيما نفت مزاعم الرياض بأنّ صنعاء رفضت خارطة الطريق، أكّدت أنها وافقت عليها وطالبت بها مراراً وتكراراً ودعت الرياض للتوقيع عليها، وبموازاة نصيحتها للنظام السعودي بأن تفتّش عن الطريق الأسلم لها ولليمن، حذّرت من أنّ “أيّ خطوة يقدم عليها النظام السعودي بالأصالة أو الوكالة، ستكون لها تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي.

في الختام فإنّ موجة البيانات الحادّة بين صنعاء والرياض، بما تضمّنته من تهديدات متبادلة، تؤكّد أنّ صبر صنعاء والشعب اليمني قد نفد، وأنها انتقلت بالفعل من الصبر الاستراتيجي إلى خيارات استراتيجية عنوانها استعادة الحقوق والسيادة والثروة بعد أن وصلت المرحلة إلى حالة من انسداد الأفق السياسي، وفي الوقت الراهن يطرح سؤال جوهري ومصيري: هل ستدخل الدولتان الجارتان في حرب لعشر سنوات مقبلة وبالتالي تتجه المنطقة نحو جولة حرب شاملة، أم أننا أمام مرحلة “عضّ أصابع” تمهّد لحلّ دبلوماسي إجباري يخلّص اليمنيين من ظلم الجارة الجائرة وعدوانيتها وحصارها، هذا ما ستجيب عنه الفترة القريبة المقبلة، وسيعلمون غداً من يعيش في “حفرة الأرنب” وإنّ غداً لناظره قريب.

 

المصدر: “الميادين نت”

أحدث العناوين

المغرب × فرنسا.. التشكيلة الرسمية للمباراة والقنوات الناقلة

يلتقي منتخبا فرنسا والمغرب ضمن منافسات دور ربع نهائي مونديال 2026 الساعة الحادية عشر مساءً على ارضية ملعب جيليت...

مقالات ذات صلة