| أبو بيروت
تتعدد نماذج الانقسام السياسي في الجغرافيا العربية، وتكاد تتطابق في موازين القوى على الأرض، لكنها تفترق تماماً عند ميزان “الشرعية والنفاق” الذي تديره العواصم التابعة للمشروع الصهيو-أمريكي. التدقيق في خارطة المواقف الرسمية العربية يكشف عن انفصام سياسي وازدواجية معايير فاضحة تجاوزت كل الأعراف الدبلوماسية التاريخية.
في الوقت الذي يسقط فيه العُرف السياسي المتعارف عليه عالمياً بضرورة الاعتراف بالقوة المسيطرة على عاصمة أي بلد، نجد النظام الرسمي العربي يتعامل بمرونة مفرطة مع سلطات الأمر الواقع بناءً على الإملاءات الخارجية:
في ليبيا: يجري التعامل مع حكومتين؛ حكومة العاصمة، وسلطة الشرق المدعومة من البرلمان، في توليفة تخدم مصالح المحاور الإقليمية.
في سوريا: نالت التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها جبهة النصرة بزعامة الجولاني، دعماً سياسياً ومالياً وأمنياً هائلاً من قِبل دول عربية وخليجية بذريعة “الواقعية الميدانية”.
في السودان: رغم الاعتراف الاسمي بحكومة البرهان، يغذي الجناح المتصهين في النظام العربي ميليشيات الدعم السريع بقيادة حميدتي، لضمان استمرار الاقتتال الداخلي وتفتيت الدولة.
في فلسطين المحتلة وللبنان: يحظى نهج “التنسيق الأمني” و”حكومة دايتون” بالدعم المطلق لارتماء حكومتهم في الأحضان الإسرائيلية، في حين تُحاصر قوى المقاومة الفلسطينية الشريفة، وتُصنّف المقاومة اللبنانية الباسلة كـ”إرهاب” لإرضاء واشنطن وتل أبيب.
خلافاً لكل ما سبق، يبرز اليمن كاستثناء وحيد وغريب؛ فبالرغم من السيطرة المطلقة لحكومة صنعاء (المتمثلة في حركة أنصار الله) على العاصمة والمؤسسات والكتلة الديمغرافية الأكبر، وبالرغم من التفويض الشعبي والمسيرات المليونية غير المسبوقة طوال سنوات، يرفض النظام العربي الجماعي الاعتراف بهذه السلطة الوطنية.
هذا الحصار الدبلوماسي العربي لا يرتبط بالقانون الدولي، بل هو عقاب صريح لليمن لسببين لا ثالث لهما:
الانتماء لمحور المقاومة: ورفض التبعية للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
الانتصار الصادق لفلسطين: كشف النفاق والمواقف الهزيلة للحكام العرب الذين يتبجحون بالعروبة زوراً وبهتاناً.
بينما يغرق الحكام العرب في التآمر وصناعة الجسور البرية لإمداد الكيان الصهيوني، تحول الموقف اليمني منن التنظير السياسي إلى الفعل العسكري المعجز، مقدماً أمثلة حية أرغمت القوى العظمى على التعامل معها كأمر واقع:
_حصار الملاحة الصهيونية:فرضت القوات المسلحة اليمنية حظراً بحرياً كاملاً على السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى الموانئ المحتلة في البحرين الأحمر والعربي ومضيق باب المندب، وصولاً إلى المحيط الهندي، وعطلت ميناء “أم الرشراش” (إيلات) بالكامل.
_إذلال الأساطير البحرية العظمى: نجحت صنعاء في كسر هيبة سلاح البحرية الأمريكي والبريطاني، واستهداف مدمراتها وحاملات طائراتها (مثل “آيزنهاور”) التي عجزت عن حماية السفن الصهيونية.
_ضرب العمق الصهيوني: تجاوزت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لـ”أنصار الله” (مثل مسيرة “يافا”) كل منظومات الدفاع الجوي الإقليمية والصهيونية، لتضرب قلب تل أبيب وأهدافاً حيوية في عمق الكيان.
إن الأنظمة العربية العميلة والمستسلمة للمشروع الصهيو-أمريكي واهمة إن اعتقدت أن حجب الاعتراف الدبلوماسي سيضعف من شرعية صنعاء؛ فالشرعية الحقيقية تُعمد اليوم بدماء الشهداء وصوت الصواريخ الفوق صوتية التي تدافع عن شرف الأمة المسلوب في غزة.
على هذه المنظومة العرجاء أن تصحح بوصلتها وتعلن صراحة عن انحيازها، لأن وعي الشارع العربي وبصيرته بلغا مرحلة الانفجار. وإن مجريات الأحداث والتفاف الجماهير حول محور المقاومة تؤكد حقيقة واحدة: قريباً جداً، ستتساقط أوراق هذه الأنظمة المهترئة، وستجد نفسها مستجديةً صكوك الاعتراف والعفو من يمن موحد وقوي تقوده راية “أنصار الله” لضمان بقائها وديمومتها.
كاتب من تونس


