حظر الملاحة السعودية.. أداة جديدة أم واقع مختلف بالكامل؟

اخترنا لك

قدّم إعلان القوات المسلحة اليمنية عن حظر الملاحة السعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، تأكيدا واضحا على أن معادلات المرحلة الجديدة من الصراع مع التحالف السعودي تختلف كثيرا عن معادلات المراحل الماضية، ولكن هذا ليس سببه أن صنعاء تريد فقط أن تفاجئ الرياض بأدوات جديدة، بل أن الواقع الذي يدور فيه الصراع أصبح مختلفا تماما، وهو أمر من المرجح أن تخطئ الرياض في فهمه بالسرعة الكافية.

ضرار الطيب- الخبر اليمني:

حصار حقيقي:

إن عنوان “الحصار بالحصار” الذي يتضمن معادلة الحظر البحري، لا يُقصد به أن صنعاء اليوم تنفذ تصعيدا عسكريا يكافئ في بعض جوانب تأثيره الحصار الاقتصادي الذي يتعرض له اليمن، كما كان الحال عندما تم استهداف المنشآت النفطية قبل هدنة عام 2022، بل يقصد به فرض نظام عقوبات اقتصادية مشابه لطبيعة الحصار السعودي، لكن وفق آليات شرعية ولهدف أخلاقي.

لم يكن الحصار الذي فرضته السعودية يستند فقط إلى أدوات عسكرية، بل إلى نفوذ جيوسياسي واقتصادي وعلاقات دبلوماسية ونظام تجاري عالمي وإقليمي مسيس، ولذلك لم تكن الهدنة وحدها تكفي لإنهاء هذا الحصار، وبالمثل، لا يستند الحظر المفروض على الملاحة السعودية اليوم على إمكانات صنعاء العسكرية فقط، بل على واقع جديد فرضته صنعاء خلال العامين الماضين بأدوات عسكرية وغير عسكرية، فإلى جانب الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة البحرية، والزوارق السريعة، والغواصات غير المأهولة، كانت شرعية وأخلاقية موقف صنعاء المساند لغزة، والطبيعة الحساسة لأسواق الشحن (والمرنة في الوقت نفسه)، بالإضافة إلى مرحلة التحولات التي تمر بها موازين القوى الإقليمية والدولية والتي ترسخت من خلال هزيمة الولايات المتحدة في البحر الأحمر، عوامل رئيسية أسهمت في ترسيخ نظام العقوبات الذي جعل البحر الأحمر محرما على السفن الإسرائيلية، وتثبيته كأمر واقع إلى درجة أن ميناء إيلات ظل مغلقا حتى بعد وقف إطلاق النار في غزة وإعلان صنعاء عن تعليق عملياتها البحرية.

لقد عكست التأثيرات المبكرة لإعلان حظر الملاحة السعودية هذا الأمر بوضوح، حيث لم ينتظر قطاع الشحن أن يتم استهداف سفينة مخالفة لكي يبدأ بالاستجابة للوضع الجديد، ولم يفكر بمنح السعودية فرصة لإثبات دقة بيانها الذي أعلنت فيه قدرتها على حماية السفن، بل كانت الرسائل التي تلقتها شركات الشحن من مركز تنسيق العمليات الإنسانية بصنعاء بشأن الحظر كافية لأن تبدأ الناقلات التي تحمل النفط السعودي إلى آسيا، باستخدام قناة السويس كمخرج من البحر الأحمر، بدلا عن مضيق باب المندب، وأن تغير العديد من السفن الأخرى التي كانت متجهة إلى السعودية في خليج عدن مساراتها وتعود من حيث أتت.

إن ارتفاع أقساط مخاطر الحرب على شحنات البحر الأحمر، بعد ساعات قليلة من إعلان حظر الملاحة السعودية، يؤكد أيضا أن صناعة الشحن أصبحت تدرك جيدا أن إعلان صنعاء عن فرض عقوبات بحرية أمر “يجب أن يتم التعامل معه بجدية، وليس مجرد كلام رويتني” حسب شركة (ماريسكس) لإدارة المخاطر البحرية، وهذا لا يعود إلى “سهولة” عرقلة حركة الملاحة كما يروج بعض المحللين، بل إلى حقيقة أن صنعاء قد برهنت جيدا قدرتها على تطبيق عقوبات مركزة ودقيقة، وتتحدى الجهود المبذولة لتقويضها مهما كانت، وستكشف الأيام المقبلة أن أقساط التأمين المرتفعة حديثا تتعلق بالسفن والشحنات المرتبطة بالسعودية حصرا، مثلما كان الحال في فترة الحصار المفروض على السفن الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية، وقد أكد تقييم شركة (أمبري) البريطانية للأمن البحري بوضوح ان المخاطر العالية المرتبطة بالحظر اليمني تتركز على السفن التي تملكها أو تشغلها الرياض، أو تزور موانئ المملكة، وأنها يمكن أن تطال الشركات التي تتعامل مع تلك الموانئ، كما أوضحت منصة (لويدز ليست) أن السفن التابعة لشركتي (بحري) و(أرامكو) السعوديتين تتصدران قائمة الأصول الأكثر عرضة للخطر في تقييمات السوق، وهذا ما سيترسخ بشكل أكبر بعد الهجوم على سفينتي (إنسيليا) و(ليلى) السعوديتين.

لقد شاهد قطاع الشحن الولايات المتحدة وإسرائيل تفشلان تماما حماية السفن الخاضعة للعقوبات اليمنية، وكذلك في إيقاف العمليات البحرية اليمنية المساندة لغزة، ليس فقط على المستوى العملياتي، بل حتى على المستوى الدبلوماسي، حيث لم تستطع الولايات المتحدة حشد أي دعم إقليمي أو دولي كامل لجهودها ضد اليمن، وكان الدعم الجزئي الذي تم توفيره بلا فائدة، ثم شاهد لاحقا الصراع الإماراتي السعودي يتطور إلى طرد أبو ظبي من التحالف السعودي، وانسحابها من منظمة (أوبك) التي تقوده الرياض، وشاهد كذلك إيران وهي تفرض وضعا جديدا في مضيق هرمز رغما عن الغرب والخليج، ولهذا عندما تعلن صنعاء حظرا على الملاحة السعودية فمن الطبيعي ألا ينتظر قطاع الشحن وعودا بـ”تشكيل تحالف لحماية الملاحة” فضلا عن حماية سعودية أو أمريكية منفردة، بل ستكون الاستجابة للعقوبات هي أفضل خيار.

ولهذا يؤكد الخبير البارز في قطاع الشحن، لارس جنسن، أن الحظر المفروض على الملاحة السعودية قد بدأ يؤتي ثماره بشكل فوري، موضحا أن: “الهدف من الحصار هو منع السفن من العبور، وإذا أمكن تحقيق ذلك لبعض السفن بمجرد التهديد دون وقوع هجمات فعلية، فإن الحصار يُعدّ ناجحًا جزئيًا”.

ما الذي تواجهه السعودية؟:

ولأن قطاع الشحن قد اضطر للتكيف إلى حد ما مع الوضع الجديد الذي صنعه نظام العقوبات اليمني، من خلال اعتماد طريق “رأس الرجاء الصالح” كمسار بديل للسفن الخاضعة للعقوبات، كان أول شيء تفكر فيه ناقلات النفط الخام السعودي التي تلقت التحذيرات اليمنية هو التوجه نحو قناة السويس للالتفاف حول قارة أفريقيا، وهذا يوضح إلى أي مدى يمكن أن يتسع نطاق التأثير، فبعد أن أدى حظر الملاحة الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية إلى إعادة تشكيل خارطة الملاحة الدولية وفقا لـ”وضع طبيعي جديد” يقوم على الربط بين إمكانية عبور البحر الأحمر وتطورات الصراع الدائر في المنطقة، فإن حظر الملاحة السعودية اليوم يمهد لـ”إعادة تشكيل تدفقات تجارة النفط العالمية” حسب تعبير شركة (كبلر).

وتقول شركة الوساطة البحرية (بريمار) إن الحظر اليمني قد بدأ “يثير تساؤلات جدية حول جدوى الطرق المتجهة شرقاً من ميناء ينبع السعودي” في الوقت الذي يستمر فيه إغلاق مضيق هرمز.

هذا التأثير يعكس بوضوح الفرق الكبير بين المرحلة الحالية من الصراع بين صنعاء والتحالف السعودي والمراحل السابقة، فالكابوس المتمثل في تعرض المنشآت النفطية السعودية للقصف، لم يعد الشيء الوحيد الذي يجب على الرياض بناء سياساتها وفقا لأولوية تجنب وقوعه، لأن ضرب مكانة السعودية كمصدر موثوق للنفط، حتى في وقت الأزمات، يشكل كابوسا مماثلا للمملكة، خصوصا في وضع يناقش فيه الجميع بصراحة الاستعداد للتعايش مع سيناريوهات ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير، وهو ما يعني أن العالم لن “يهب” لحماية طرق تصدير النفط السعودي، إذا رأى أن هذا الهدف غير قابل للتحقق، مثلما لم يهب لفتح مضيق هرمز.

إن تحول موانئ البحر الأحمر السعودية إلى وجهات عالية المخاطر بالنسبة لقطاع الشحن بشكل عام، بعد أن أصبحت موانئ الخليج الفارسي كذلك، سيشكل كارثة حقيقية للمملكة، ويكفي أن يتخذ عدد قليل جدا من شركات الشحن الكبرى قرار التوقف عن الإبحار إلى جدة أو جيزان أو ينبع، لينتشر “تأثير أحجار الدومينو” بسرعة في السوق، وستحتاج السعودية إلى أكثر من مجرد بيان طمأنة أو حتى “هدنة” لاستعادة ثقة خطوط الشحن، وهذا ليس مجرد تكهن، فحتى الآن ترفض شركات الشحن الإبحار إلى ميناء إيلات الإسرائيلي الذي تعرض لحصار يمني خلال معركة (طوفان الأقصى).

وبينما نجحت الرياض سابقا في تجنب كابوس قصف المنشآت النفطية من خلال احتواء الأمور بـ”وقف إطلاق نار” أو “خفض تصعيد” مع صنعاء، فإن هذه الأدوات لن تصلح اليوم لتجنب حصار الموانئ وحظر صادرات النفط، لأن ما تواجهه السعودية ليس تصعيدا عسكريا، بل عقوبات اقتصادية حقيقية، لا يمكن تفاديها إلا من خلال تلبية الشروط التي حددتها صنعاء والمتمثلة في إنهاء الحصار والعدوان والاحتلال.

إذا اعتقدت الرياض أن هناك “صفقة تهدئة جزئية” يمكن أن تدفع صنعاء لإنهاء الحظر البحري على موانئها، بينما يبقى اليمن معرضا لقيود جوية أو بحرية أو يبقى عرضة للاستهداف الاقتصادي والعسكري أو الوصاية السعودية، فهي تخاطر بفوات فرصة تدارك الوضع، لأن الوضع الذي تتقيد فيه خيارات صنعاء لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال بأي صيغة دبلوماسية قد انتهى بالتزام واضح من القيادة اليمنية أمام شعب يطالب بالحسم، ولهذا أصلا تم الذهاب نحو فرض معادلات متطورة تناسب المرحلة الجديدة مثل معادلة “الحصار بالحصار”.

الحقيقة أن الكثير من الدلائل تشير إلى أن الرياض تقرأ الوضع بشكل خاطئ بالفعل، ففي نفس الوقت الذي ترسل فيه الوسطاء للتفاوض مع صنعاء وتجنب انفجار تصعيد كبير، تبدي تمسكا واضحا برهاناتها القديمة على الموقف الأمريكي والإسرائيلي وعلى المرتزقة، وهو ما يعني أن “الصفقة” التي هي مستعدة لإبرامها تركز على منع صنعاء من التحرك لتغيير الوضع القائم منذ سنوات، مقابل بعض “المميزات” التي لا ترقى إلى مستوى مطلب “إنهاء الوصاية السعودية على اليمن”.

قد يكون رفع القيود الجوية عن مطار صنعاء الدولي – على سبيل المثال- مطروحا على الطاولة، وهذا إنجاز مهم لصنعاء، لكن إذا كان المقابل هو تقييد خيارات صنعاء لمعالجة بقية الملفات، أو فرض المرتزقة كطرف في الصفقة، فإن ذلك لا ينسجم مع أدبيات المرحلة الجديدة التي أطلقتها القيادة اليمنية، وحقيقة التمسك بالرهان على حكومة “العليمي” وعلى الأمريكيين، تشير إلى أن هذا هو نوع الصفقات التي تعرضها الرياض حاليا.

وبينما تبدي صنعاء حرصا جليا على عدم إغلاق أبواب التفاوض والحلول السلمية، فإن سقف الموقف الوطني في المرحلة الجديدة يحتم عليها تغيير آلية التعاطي مع الوسطاء والمقترحات والعروض الدبلوماسية، بشكل يتجاوز تماما مربع الحلول الجزئية، ولا يعطي أي مساحة لكسب الوقت والمماطلة، وقد ظهر هذا بوضوح من خلال انتقال صنعاء إلى إعلان حظر الملاحة السعودية، بعد أن حاولت الرياض احتواء معادلة “المطار بالمطار” من خلال رحلة جوية أردنية وعرض مكشوف قدمه المرتزقة بشأن تشغيل مطار صنعاء، كما أظهرت عملية استهداف سفينتين سعوديتين أن إعلان الحظر البحري لم يكن مجرد بيان يهدف لصناعة ضغط تفاوضي.

ويمكن القول إن الوقت يضغط على صنعاء والرياض معا لكن ليس بالشكل نفسه، فالموقف الشعبي الذي يتعامل مع المرحلة الجديدة كمرحلة “حسم” يدفع صنعاء نحو إظهار حزم كبير وإغلاق أبواب المماطلة، وهو ما يضع الرياض أمام ضرورة تغيير نظرتها للوضع بشكل تام وعدم المخاطرة باختبار سقف موقف صنعاء، لأن المرحلة الجديدة من الصراع قد أصبحت أمرا واقعا لم تعد حتى صنعاء تستطيع تأجيله أو التراجع عنه لو أرادت ذلك.

أحدث العناوين

مقالات ذات صلة