إلى أين يتجه الصراع بين صنعاء والرياض بعد ستة أسابيع من انتهاء “خفض التصعيد”؟

اخترنا لك

مع مرور نحو شهر ونصف على انتهاء مرحلة “خفض التصعيد” بين صنعاء والرياض، بدأ الصراع يتخذ شكلا جديدا حددت ملامحه حتى الآن المعادلات التي تفرضها صنعاء والتي تدفع بوضوح نحو الحلول النهائية والحسم، وهو ما تقاومه السعودية التي تحاول إعادة العجلة وراءً باتجاه المساومات والعروض الجزئية وإطالة أمد الصراع، غير أنها تفتقر إلى أدوات فعالة لتحقيق ذلك، فخياراتها العسكرية محدودة جدا بسبب المخاطر العالية المرتبطة بها، ونفوذها الإقليمي لا يوفر حلولا فعالة، وحتى خيار الاحتواء والتحمل يتعرض لضغط متزايد بسبب الخسائر المتراكمة الناتجة عن معادلات صنعاء التي قد تتصاعد في أي وقت.

ضرار الطيب- الخبر اليمني:

تنطلق هذه الورقة من معطيات الأسابيع الستة التي تلت انهيار خفض التصعيد حتى الآن لتناقش الآفاق والسيناريوهات المحتملة للفترة المقبلة على المستوى العسكري والسياسي:

شهر ونصف منذ نهاية “خفض التصعيد”:

مرت نحو ستة أسابيع منذ إعلان صنعاء رسميا عن انتهاء مرحلة “خفض التصعيد” إثر الغارات السعودية على مطار صنعاء، والتي قوبلت فورا باستهداف مطار “أبها” جنوبي المملكة.

تمكنت صنعاء من فرض حظر بحري ناجح للغاية على المملكة، ما أدى إلى خنق صادرات “ينبع” النفطية التي أصبحت العمود الفقري لتجارة النفط السعودية منذ إغلاق مضيق هرمز، كما ثبتت معادلتين إضافيتين أصبحت بموجبهما المطارات والمنشآت النفطية السعودية أهدافا لضربات متكررة، ردا على أي انتهاء سعودي للأجواء، كما أصبحت المعسكرات والمنشآت والمخازن التابعة للقوات البرية المدعومة من السعودية داخل اليمن، أهدافا لهجمات مدمرة.

تدعم المعادلات الثلاث بشكل واضح الهدف الرئيسي الذي وضعته صنعاء لمرحلة ما بعد انهيار خفض التصعيد، والمتمثل في صناعة واقع عنوانه “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال”، وهو ما يعني الدفع باتجاه حسم الصراع سواء عسكريا أو دبلوماسيا.

في مقابل ذلك، لم تفعل السعودية الكثير، فعندما حاولت في البداية التصرف عسكريا من خلال قصف الحديدة وقبلها قصف مطار صنعاء، اصطدمت بنتائج عكسية فورية تجسدت في تعرض منشآتها النفطية لضربات عنيفة، ما دفعها إلى الامتناع عن تنفيذ أي هجمات إضافية، حتى بعد أن استمرت الهجمات اليمنية على العمق السعودي، ردا على انتهاك الطائرات المسيرة المعادية للأجواء.

في ظل ما يبدو (حتى الآن على الأقل) أنه يأس سعودي واضح من خيار العمل العسكري التقليدي المباشر، اتجهت الرياض إلى تحشيد أدواتها المحلية للتحرك ضد صنعاء بريا، لكن هذا الخيار اصطدم بنتائج عكسية مشابهة في سرعتها وقوتها وتأثيرها للهجمات التي استهدفت المنشآت النفطية ومتكاملة أيضا معها، حيث أوضحت الضربات الاستباقية القاتلة التي استهدفت التحشيدات السعودية أن أي تحرك بري سيواجه نكسات مبكرة جدا وسيقود فورا إلى تداعيات واسعة تطال جغرافيا المملكة التي تحاول الرياض إبعاد الأذى عنها، ولذلك لم يتطور نشاط التحشيد إلى هجوم بري.

مع ذلك، تواصل السعودية وأدواتها الحديث عن “استعدادات” قائمة للتحرك البري في “الوقت المناسب”، ويتم نشر أخبار ومشاهد بشأن عمليات استهداف لمواقع تابعة للقوات المسلحة اليمنية في بعض الجبهات، وهو ما يشير إلى أن الرياض تواصل الاعتماد على خيار توظيف الأدوات المحلية في مواجهة معادلات صنعاء.

في الوقت ذات، أعلنت السعودية عن إنشاء تحالف جديد لمواجهة “التهديدات” في البحر الأحمر، كما أعلنت عن اتفاق دفاعي ثلاثي مع باكستان وتركيا، لكن حتى الآن لا تأثير لهذه الخطوات على مجريات الصراع مع صنعاء، ولا مؤشرات على أنه ستكون هناك تأثيرات مستقبلية.

وبينما يتحدث الكثيرون عن مفاوضات بين صنعاء والرياض، لا توجد أي تفاصيل تؤكد أو توضح ذلك، ولا توجد أية مؤشرات على وجود أرضية مشتركة لإطلاق مسار تفاوضي ناضج وواضح ومعلن بشأن حل ما، وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية في صنعاء تحدثت عن “تشجيع السعودية على اتخاذ قرار حكيم” وتحدث مسؤولون عن ضرورة تنفيذ “خارطة الطريق”، وعاد البعض للحديث عن “جهات خبيثة” تمنع السعودية من إبرام اتفاق مع صنعاء، فإن مؤشرات استمرار التصعيد وتفاقمه هي الملموسة بشكل أكبر، نظرا لابتعاد السعودية كثيرا عن خيارات السلام.

 

السعودية تحت ضغط متزايد:

تمثل النتائج التصاعدية المهمة التي يحققها الحظر البحري المفروض على السعودية منذ 20 يوليو، وخصوصا فيما يتعلق بخنق صادرات “ينبع” النفطية، ضغطا كبيرا ومستمرا على الرياض، ومن الواضح أن سيناريو “تحمل” هذا الحظر لفترة أطول سيكون صعبا للغاية، إلا إذا تمكنت السعودية من إيجاد بدائل فعالة ومضمونة لتصدير النفط.

أسهمت عمليات نقل النفط من ينبع عبر قناة السويس، أو ضخه عبر الأنابيب إلى ميناء “سيدي كرير” المصري على البحر الأبيض المتوسط، في الحفاظ على جزء من صادرات ينبع، لكن هذا الجزء لا يمثل سوى أقل من نصف الصادرات المعتادة، وقد أدى هذا النقص الحاد إلى مشاكل في توزيع الحصص للمشترين الذين يواجهون في الوقت نفسه تكاليف إضافية عالية جدا بسبب تحويل مسارات الشحن حول أفريقيا.

وقد أشارت التقارير إلى أن المملكة كثفت مؤخرا جهودها لتجاوز الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز، سواء من خلال تمرير بعض السفن أو بيع شحنات نفطية محملة على ناقلات متواجدة قبالة الفجيرة، في محاولة لتعويض انخفاض صادرات “ينبع”.

إذا استطاعت السعودية تعويض جزء كبير من خسائر حصار البحر الأحمر من خلال هذه المبيعات، فقد تختار تحمل الحصار اليمني لفترة أطول قليلا، خصوصا إذا لم تكن قد توصلت بعد خطة لمواجهة هذا الحصار، لكن مع تقلب الوضع في مضيق هرمز وتصاعد استجابة سوق الشحن للحظر المفروض في البحر الأحمر، واحتمالات تصاعد إجراءات هذا الحظر، فإن الرهان على التحمل وكسب الوقت يعتبر مقامرة خطيرة، ولذا من المرجح أن السعودية قد بدأت فعلا بدراسة اتخاذ خطوات أخرى -غير التحمل- للتعامل مع الحظر البحري اليمني بشكل خاص، والتحول الكبير في الصراع مع صنعاء بشكل عام.

محاولة تقدير هذه الخطوات تعتمد على سؤال رئيسي هو: ما الذي تريده -أولا تريده- السعودية في اليمن؟!

إن التردد السعودي في شن غارات جوية أو تحريك الجبهات لا يكفي للجزم بأن السعودية لا تريد الحرب على الإطلاق، فبرغم أن المخاوف من تعرض المملكة لضربات مدمرة، واضحة، إلا أن هناك مؤشرات قوية على أن الرياض تبحث عن “صيغة مناسبة” من القتال، فجهود تحشيد القوات البرية في اليمن، وما رافقها من تصريحات عن “الاستعداد” للتحرك، وبث أخبار عن تنفيذ عمليات عسكرية ضد قوات صنعاء، تكشف بوضوح عن وجود رغبة سعودية واضحة لاستثمار ما لديها من خيارات عسكرية بالشكل المناسب، من أجل مقاومة معادلات ومطالب صنعاء.

من السيناريوهات المحتملة لتنفيذ هذه الرغبة، البدء بتحريك الجبهات داخل اليمن، لكن بشكل محدود، لاختبار ما إذا كانت صنعاء ستكتفي بالتعامل مع هذا التطور داخليا أم لا، وكذلك لدعم رواية “الاستعداد للتحرك المناسب” التي يتم ترويجها منذ فترة، وإعطاء انطباع بوجود خطة ما يتم تنفيذها.

ستسلط هذه الخطوة المزيد من الضوء على قواعد الاشتباك الخاصة بصنعاء، وذلك من خلال المقارنة بين درجة وطبيعة (واستمرارية) التحرك الذي ستقوم به السعودية، والرد الذي ستنفذه صنعاء، وهي مقارنة ستبحث فيها الرياض عن العديد المعطيات، فعلى سبيل المثال، إذا تم تحريك التحشيدات لتنفيذ هجوم خاطف (غير مستمر) على جبهة معينة، ولم يتضمن رد صنعاء قصفا للعمق السعودي، أو تضمن قصفا ترى الرياض أنه محدود، فقد يرى السعوديون أن هناك فرصة للوصول إلى صيغة معينة من التصعيد “الآمن” نسبيا، والذي ينسجم مع مخاوفهم ورغباتهم.

ويبقى سيناريو تحريك الجبهات والذهاب نحو التصعيد الشامل قائما، خصوصا إذا استطاعت السعودية الحصول على دعم أمريكي وإقليمي.

 

“التحالفات” السعودية الجديدة:

منذ انهيار “خفض التصعيد” مع صنعاء، كثفت السعودية تحركاتها باتجاه تشكيل تحالفات أمنية وعسكرية إقليمية، حيث أعلنت عن مبادرة لإنشاء تحالف بحري لمواجهة ما وصفته بـ”التهديدات” التي تواجه حركة الملاحة، وذلك بعد الحظر الذي فرضته صنعاء على السفن المرتبطة بالمملكة، كما أعلنت عن إبرام اتفاقية دفاعية مشتركة مع باكستان وتركيا، أصبحت تعرف بـ”اتفاقية مكة”.

من بين أكثر من 50 دولة تمت دعوتها إلى التحالف البحري الجديد، لم تنضم سوى 13 دولة ليس من بينها الولايات المتحدة، ومعظمها لا تمتلك قوات بحرية حقيقية، وقد شكك قطاع الأمن البحري في قدرة هذا التحالف على مواجهة “التهديدات” التي عجزت عن إزالتها الولايات المتحدة وحلفائها خلال السنوات الماضية، ولذلك لم تتغير تقييمات المخاطر في البحر الأحمر بعد إعلان التحالف، بل تزايدت استجابة قطاع الشحن للحظر البحري اليمني، من خلال الامتناع عن الإبحار إلى السعودية، واستبعاد السفن المرتبطة بها من التغطية التأمينية لمخاطر الحرب.

ووفقا لوكالة رويترز فإن اتفاقية مكة لا تلزم جميع الأطراف بالدفاع عن أي طرف يتعرض للهجوم، كما تم ترويجه في الإعلام السعودي، بل تمنح حرية لاختيار نوع الدعم الذي يتم تقديمه، مشيرة إلى أن باكستان التي لديها اتفاقية ثنائية مماثلة مع السعودية، تجنبت الانخراط عسكريا عندما تعرضت المملكة لهجمات إيرانية خلال الأشهر الماضية.

وبالتالي فإن التحالفات السعودية الجديدة لا تقدم جديدا فيما يتعلق بحماية أمن ومصالح المملكة من الهجمات والتهديدات الخارجية، بل إنها تبدو مجرد نُسخ أكثر هشاشة بكثير من التحالف الذي تم تشكيله عام 2015 للحرب على اليمن، والذي لم يتبق فيه عمليا سوى المملكة فقط.

مع ذلك فإن مساعي السعودية لتشكيل تحالفات إقليمية لمواجهة التهديدات التي تواجههاـ تشير إلى إصرار على المضي في طريق البحث عن خيارات حماية إضافية، بدلا من تغيير السياسة العدائية التي تجلب المخاطر على المملكة، وهو ما يجعل كل تحالف جديد تشكله السعودية مؤشرا إضافيا على رفض الحلول السلمية الفعلية.

وليس من الواضح كيف ستعمل السعودية على استثمار هذه التحالفات خلال المرحلة القادمة فيما يتعلق بملف اليمن، لكن لا يوجد سيناريو محتمل لانخراط “حلفاء” الرياض في أي عمل عسكري ضد صنعاء أو حتى في تشكيل قوة بحرية دفاعية في البحر الأحمر، والمرجح ألا يتجاوز أي دعم إقليمي سقف التنسيق الأمني وصفقات الأسلحة (مع تركيا بالذات) والتضامن الدبلوماسي.

 

مسار يمني تصاعدي:

على الجانب الآخر، وبرغم أن تأثيرات معادلات الحظر البحري والرد على الانتهاكات السعودية واستهداف التحشيدات المعادية، تتراكم بشكل مستمر، وتمنح صنعاء مكاسب كبيرة مقابل تكلفة منخفضة نسبيا، مع سيطرة كبيرة على مجريات الصراع، فإن ذلك لا يعني الحرص على بقاء الوضع كما هو لفترة طويلة.

ليس معروفا ما إذا كانت صنعاء قد حددت سقفا زمنيا للمرحلة الأولى من معادلات الحصار والتصعيد ضد السعودية، لكن من المتوقع أنه لم تظهر مؤشرات واضحة على إذعان المملكة للمطالب اليمنية خلال الفترة المقبلة، فسيعني ذلك الحاجة إلى المزيد من الضغط.

من الواضح أن أي خطوة تصعيدية سعودية جديدة مهما كان مستواها، ستدفع صنعاء للرد وربما من خلال إعلان مراحل ومعادلات جديدة لمضاعفة الضغط وترسيخ الردع، لكن إذا تمكنت الرياض بشكل ما من إيجاد مساحة مناورة بين التصعيد والإذعان، واستطاعت توفير بدائل مقبولة بالنسبة لها فيما يتعلق بتصدير النفط، ولو لفترة محدودة بما يساعد على إبقاء الوضع كما هو، فإن صنعاء قد تذهب نحو اتخاذ خطوات إضافية، دون انتظار الخطوة السعودية التالية، إذ لا جدوى من مواصلة قياس قدرة الرياض على التحمل وإيجاد الحلول والمخارج، طالما أن موافقتها على المطالب اليمنية مستبعدة أصلا.

ومن الخطوات الإضافية المحتملة التي قد تتخذها صنعاء توسيع الحظر البحري على مستوى النطاق الجغرافي للعمليات (شمال البحر الأحمر) وعلى مستوى فئات السفن المستهدفة بالضربات العسكرية (إضافة سفن الحاويات أو السفن والشركات المتعاملة مع الموانئ السعودية إلى بنك الأهداف)، وكذلك توسيع نطاق استهداف المنشآت النفطية السعودية، وزيادة شدة الاستهداف، وتوسيع دائرة النيران لتشمل المزيد من المطارات والمنشآت السعودية الأخرى.

وقد أعلنت القوات المسلحة في 24 أغسطس استهداف ناقلة النفط السعودية العملاقة (أمزان) قبالة ينبع، على بعد نحو 1000 كيلو متر، في هجوم دقيق، اعتبرته شركات إدارة المخاطر نذيرا باتساع نطاق التهديدات التي تواجه الملاحة السعودية نحو شمال البحر الأحمر، وهو أمر قد يوجه ضربة قاضية لما تبقى من تدفقات “ينبع” النفطية التي انهارت بشكل كبير خلال أول شهر من الحظر.

ومن المرجح بشدة أن أي خطوة سعودية لبدء تصعيد عسكري بري داخل اليمن، ستؤدي إلى دفع صنعاء نحو إطلاق معادلات جديدة تستهدف تحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة الرياض ووكلائها.

ومن نافلة القول إن هذه الخطوات سيتم تفعيلها معا على الأرجح في حالة ذهاب السعودية نحو تصعيد واسع وشامل.

وبالمجمل، من الواضح أن مسار معادلات صنعاء سيبقى تصاعديا، سواء اتخذت السعودية إجراءات عسكرية أم لا، ومن غير المرجح أن يتوقف هذا المسار إلا في حالة بروز مؤشرات واضحة على وجود استجابة سعودية مهمة وملموسة لمطالب “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال”.

أفق الحلول السلمية:

دبلوماسيا، لا توجد حتى الآن أية مؤشرات حقيقية على إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب بين صنعاء والرياض، فبرغم أن الأخيرة تظهر حذرا فيما يتعلق بالمواجهة العسكرية، إلا أنها لا تبدي أي علامة على إمكانية القبول بمطالب صنعاء، بل تسعى بوضوح إلى جر صنعاء للعودة إلى مربع “المساومة”، وإلى دبلوماسية خفض التصعيد، عندما كان يتم امتصاص أي توتر بعرض جزئي محدود مثل إضافة بضع رحلات أو وجهات جديدة لمطار صنعاء.

وحتى التصريحات السعودية التي زعمت أن “خارطة الطريق” التي توصلت إليها صنعاء والرياض عام 2013 قد تمت الموافقة عليها من قبل السلطة المنفية المدعومة من المملكة، لم تكن إشارة سلام كما رآها البعض، بل كانت محاولة لتشويه تحرك صنعاء لتغيير الوضع القائم، وتكريس الدور الذي تريد الرياض أن تمنحه لنفسها كوسيط بين اليمنيين، وهو الدور الذي يناقض تماما مسار السلام الفعلي.

في المقابل توجه صنعاء رسائل واضحة بشأن وجود فرصة للحل الدبلوماسي الشامل، بل وتسعى لـ”تشجيع” السعودية على اغتنام هذه الفرصة، ويستعمل البعض في صنعاء منطقا يلقي بمسؤولية تعثر الحل على “جهات خبيثة” (الولايات المتحدة) ويوحي بأن مشكلة الرياض هي الافتقار للحافز الكافي للتوجه نحو السلام، وهو منطق قد لا يتناسب كثيرا مع طبيعة المرحلة الجديدة بل يعيد إلى الأذهان مشهد مرحلة “خفض التصعيد”، ومع ذلك، فإن هذه الرسائل لا تعني إمكانية انخراط صنعاء في “خفض تصعيد” جديد على أساس حلول جزئية أو وعود مؤجلة كما كان الحال سابقا، فقد أكد وفد صنعاء المفاوض بصراحة على أن أي مسار دبلوماسي يجب أن يفضي إلى تنفيذ “خارطة الطريق” لكن باعتبارها حلا حقيقيا شاملا، وليس إطارا لوساطة سعودية بين اليمنيين.

لقد حسم السيد عبد الملك الحوثي الجدل الذي أثير لسنوات حول طبيعة الموقف الدبلوماسي السعودي، وأوضح بصراحة أنه لم تكن هناك أي إرادة سعودية ملموسة للسلام طيلة فترة خفض التصعيد، بل واعتبر أن الرياض تسعى لتقليد نموذج إسرائيل في التعامل مع مطالب اليمنيين، وقد أعطى خطابه الذي سبق إعلان الحظر البحري انطباعا واضحا بأن السلام أصبح مرهونا حصرا بإنهاء التدخل السعودي في شؤون اليمن تماما، وهذا يعني أن صنعاء لن تقبل بحلول جزئية وغير نهائية.

يمكن القول إن صنعاء لا تزال تعتبر أن “خارطة الطريق” تمثل إطار مناسبا للسلام الشامل في حال وجود إرادة سعودية لذلك، لكن المشكلة هي أن سنوات خفض التصعيد قد حولت هذه الخارطة إلى لغز متنازع على تفسيره وصورته وآلية تنفيذه، خصوصا في ظل عدم نشر النص الذي تم التوافق عليه عام 2023، فالسعودية تسعى لفرض صورة تظهر وكلائها المحليين كطرف رئيسي، وأن أي تقدم يجب أن يبدو في النهاية كتفاهم يمني يمني، بينما تشير صنعاء إلى المطالب الأساسية التي تتضمنها الخارطة والمتمثلة في معالجة الملف الإنساني وإنهاء العدوان والحصار والاحتلال ودفع التعويضات، وتؤكد أن السعودية هي الطرف الثاني المسؤول عن تنفيذ هذه الخارطة، لكن بدون قول الكثير عن الآليات التي يتم من خلالها تنفيذ هذه المطالب.

وبالتالي، إما أن خارطة الطريق كانت نصا أوليا غير مفصل لا زال بحاجة المزيد من المفاوضات لتحويله إلى اتفاق شامل بآليات واضحة (وهو المرجح)، أو أنها كانت مفصلة ولكن السعودية انقلبت عليها.

وعلى أي حال فإن أفق السلام حاليا مفتوح على عدة سيناريوهات، منها أن تلجأ السعودية -تحت وطأة الحظر البحري واستهداف القوات التابعة لها- إلى تقديم عروض “تهدئة” تبدو قريبة من مطالب صنعاء، مثل تخفيف الحصار البحري والجوي المفروض على اليمن إلى حد ما، أو العمل على معالجة ملف رواتب الموظفين، إضافة إلى معالجة ملف الأسرى، وهي عروض ستتوقف أهميتها على أمرين: الثمن المقابل الذي تطلبه الرياض، وآلية التنفيذ، فإذا طلبت السعودية إنهاء الحظر البحري اليمني تماما والتزام صنعاء بوقف إطلاق نار دائم فستكون “مساومة” واضحة لخداع صنعاء، وأما إذا كانت المطالب أدنى (تعليق مؤقت للحظر البحري والعمليات العسكرية)، فإن صنعاء قد تعتبر ذلك عرضا يستحق الدراسة، لكنها ستحتاج قبل الموافقة عليه إلى اشتراط ربطه بالحل الشامل، وإلى آلية تضمن التنفيذ بسقف زمني قصير، وتضمن الرد على أي مماطلة أو التفاف، كما تضمن البدء بإنهاء “تحكم” الرياض في شؤون المطارات والموانئ التي سيتم تخفيف القيود عليها.

وقد تعرض الرياض إنهاء الحصار البحري والجوي تماما مع معالجة الملف الإنساني، لكن إذا كان المقابل يتضمن التزام صنعاء بوقف إطلاق نار دائم، فإن هذه الصفقة ستترك مجالا لإطالة أمد الصراع، إذ ستظل السعودية قادرة على توظيف وكلائها وسيطرتها على الأراضي اليمنية بشكل خطير، وبالتالي ستحتاج صنعاء -إن قبلت بهذا العرض- إلى ضمانات لرفع الحصار بسرعة، ولآلية تنفيذ صارمة تربط هذه الخطوة ببقية المطالب (إنهاء الاحتلال ومعالجة بقية الملفات) في إطار حل شامل ومفصل ووفق سقف زمني غير طويل، الأمر الذي سيوضح ما إذا كانت خارطة الطريق جاهزة بتفاصيلها وآلياتها، أم أنها مجرد خطوط عريضة تحتاج إلى مفاوضات إضافية.

لقد أصبح “وقف إطلاق النار” الآن ورقة قوة بيد صنعاء، وليس من المرجح أن تفرط به بدون التزامات سعودية متعلقة بإنهاء الاحتلال، ووقف الحرب على اليمن وداخل البلاد بشكل نهائي، وبما أن السعودية تسعى في المقام الأول إلى تقييد خيارات صنعاء العسكرية فإنها ستحتاج إلى عروض سلام ذات طبيعة شاملة.

ولذلك يمكن القول إن الأمور لا تتجه نحو حل سلمي في المرحلة القادمة، حيث ترجح كل المؤشرات أن الرياض تسعى إلى استثمار مساحات المناورة العسكرية والدبلوماسية المتبقية خارج إطار الحلول الحقيقية (حتى لو كانت جزئية)، كما يبدو أن المطالب الشعبية تدفع صنعاء لتثبيت واقع جديد لا مساحات فيه لأي مناورات بما في ذلك الحلول الجزئية، وهو ما يعني أن مسار السلام لم ينضج بعد بالشكل الكافي، حتى مع وجود “خارطة الطريق”.

أن الوصول إلى سلام حقيقي بين صنعاء والرياض يحتاج إلى أمرين أساسيين لم يتوفرا حتى الآن: وصول السعودية إلى حالة يأس واستسلام، وخطة حل شامل واضحة ومفصلة ومزمنة تمنع تحول أي مفاوضات إلى مسلسل مساومة وحالة جمود.

خاتمة:

ترجح كل المؤشرات ارتفاع حدة الصدام بين صنعاء والرياض خلال الفترة المقبلة، سواء باعتبار حاجة صنعاء إلى مضاعفة الضغط على السعودية بشكل مستمر لدفعها نحو “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال”، أو باعتبار تزايد ضيق مساحة المناورة أمام المملكة التي تظهر إصرارا على تجنب الإذعان لمطالب صنعاء، وترغب مواصلة الاعتماد على خياراتها العسكرية والدبلوماسية المتاحة للسيطرة على الوضع.

وبرغم أن مسار الحلول الدبلوماسية لا يزال مفتوحا، فإن التعقيدات والخلافات التي تراكمت على مدى ثلاث سنوات حول “خارطة الطريق” التي تحكم هذا المسار، بالإضافة إلى انعدام إرادة السعودية للتوجه نحو حل حقيقي، تشير إلى أن ما حدث خلال الأسابيع الستة الماضية لا يكفي بعد لإطلاق عملية تفاوضية جديدة مثمرة.

أحدث العناوين

إيران تجبر ناقلة نفط هندية على التراجع عن عبور مضيق هرمز بعد تحذيرها

أفادت وكالة "فارس" الإيرانية بأن ناقلة النفط الهندية "HAANA" عدّلت مسارها وتراجعت عن محاولة العبور عبر المسار الجنوبي لمضيق...

مقالات ذات صلة