لم يعد شهر رمضان في قطاع غزة يشبه تلك العقود التي مضت من السكينة والطقوس الاجتماعية الدافئة؛ فقد بات محكوماً اليوم بإيقاع الحرب القاسي وما خلّفته من نزوح واسع ودمار ونقص حاد في الموارد.
متابعات – الخبر اليمني:
وتراجعت الصلوات الجماعية والأنشطة التي كانت تملأ الأحياء بالحركة بعد تدمير مئات المساجد، لتقيم العائلات عباداتها داخل خيام الإيواء أو فوق أطلال البيوت المتضررة، في أجواء يغلب عليها الحذر وانعدام الشعور بالأمان، بينما غابت الزيارات العائلية التي كانت ركناً أساسياً من روح الشهر بفعل التشتت والنزوح القسري.
وفي مدرسة تابعة للأونروا غرب غزة، يصف غسان فياض، النازح من بيت لاهيا، تبدل الأحوال بمرارة؛ مستذكراً كيف كان وأهالي حيه يستقبلون الشهر بتنظيف الحارات وتعليق الزينة المضيئة وتهيئة المساجد للمصلين.
وبينما يمر عليهم رمضان اليوم وهم لا يشغل بالهم سوى متى ستنتهي معاناة الخيمة، مؤكداً أن رمضان الذي كان يمثل “راحة بال” تحول اليوم إلى رحلة توتر وتعب في ظل غياب الأهل والمعالم التي ألفوها.
هذا الوجع يشاطره محمد عليان، النازح من مخيم جباليا، الذي يعيش رمضان الثالث له داخل الخيمة، واصفاً المشهد بتبدل كامل في تفاصيل الحياة اليومية؛ فبعد أن كان الطبخ على الغاز والإفطار على ضوء الكهرباء وصوت الأذان.
وصار الطبخ اليوم يتم على لهب النار، والإفطار على ضوء الهاتف الصغير، بينما يمر وقت الأذان بصمت جنائزي يخلو من أي مظهر للفرح أو فوانيس تُسعد الصغار.
أما وداد حمودة، فتستعيد بأسى طقوساً كانت تبدأ قبل رؤية الهلال بأيام، من تجهيز البيوت وإعداد جداول الزيارات وصلة الرحم وقراءة القرآن، مؤكدة أن تلك الملامح اختفت تماماً مع تدمير المنازل واستشهاد الأحباب وتفرق من تبقى بين مخيمات النزوح، ليصبح رمضان غزة اليوم مجرد ذكرى لزمن كان فيه “الأمان” هو المائدة الحقيقية التي تجمع الصائمين.


