أبو بيروت:
تُعد الحرب الطرابلسية الأمريكية (1801-1805)، والمعروفة أيضاً بـ “حرب الأربع سنوات”، أول حرب يخوضها الأسطول الأمريكي خارج حدود بلاده، وقد انتهت بمواجهة تاريخية شهدت أسر فخر البحرية الأمريكية وإجبار واشنطن على توقيع معاهدة سلام بشروط طرابلسية.
#أسباب الصراع: التمرد على “الجزية”
بدأ التوتر عندما رفض الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون دفع المبالغ المالية (الجزية) التي كانت تفرضها إيالة طرابلس، التابعة اسمياً للدولة العثمانية، مقابل تأمين السفن التجارية في البحر المتوسط. ورداً على هذا الرفض، قام والي طرابلس يوسف باشا القرمانلي بطرد القنصل الأمريكي وأحرق العلم الأمريكي في مايو 1801، معلناً الحرب رسمياً على الولايات المتحدة.
إدارة الصراع: حادثة “فيلادلفيا” المذلة
شهدت الحرب تحولات عسكرية كبرى، كان أبرزها انتصار البحرية الطرابلسية في أسر واحدة من أكبر السفن الأمريكية:
-أسر الفرقاطة فيلادلفيا: في 31 أكتوبر 1803، وبينما كانت الفرقاطة “يو إس إس فيلادلفيا” تحاصر ميناء طرابلس، جنحت على شعاب مرجانية مجهولة. استغلت القوات الطرابلسية الموقف، وشنت هجوماً بالزوارق وتحت نيران البطاريات الساحلية، مما أجبر القبطان ويليام بينبريدج على الاستسلام مع طاقمه المكون من 307 بحاراً.
-احتراق السفينة: لتحويل الهزيمة إلى مكسب، استخدم الطرابلسيون السفينة كبطارية مدفعية عائمة لحماية مينائهم. ولمنعهم من الاستفادة منها، تسللت فرقة أمريكية لاحقاً وأشعلت فيها النار لتدميرها وهي راسية في الميناء، في عمل وصفه الأدميرال البريطاني نيلسون بأنه “أكثر الأعمال جرأة في ذلك العصر”.
-الأسر والمعاناة: ظل طاقم السفينة في الأسر لمدة 19 شهراً، مما شكل ضغطاً سياسياً هائلاً على الإدارة الأمريكية.
نتيجة الصراع: معاهدة 1805 والانتصار الطرابلسي
انتهت المواجهات بتوقيع معاهدة طرابلس في 10 يونيو 1805، والتي تضمنت نتائج تعكس الرضوخ الأمريكي لمطالب القرمانلي:
-دفع الفدية: وافقت الولايات المتحدة على دفع مبلغ 60,000 دولار كفدية لإطلاق سراح أسرى السفينة فيلادلفيا.
-تبادل الأسرى: تم تبادل 296 ناجياً من طاقم فيلادلفيا مقابل 89 أسيراً طرابلسياً لدى الجانب الأمريكي.
-الاعتراف بالسيادة: اعتبرت هذه الحرب أول هزيمة عسكرية لأسطول الولايات المتحدة الناشئ، حيث فشلت محاولاتها في فرض شروطها بالقوة العسكرية المطلقة واضطرت للتفاوض المباشر مع يوسف باشا القرمانلي.
تظل هذه المعركة محفورة في الذاكرة العسكرية الأمريكية، حيث يُشار إلى “شواطئ طرابلس” في نشيد مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) حتى يومنا هذا، تخليداً لتلك الحقبة التي واجهت فيها قوتهم البحرية الوليدة حائطاً صلباً في شمال أفريقيا.
كاتب من تونس


